العابلعب و جد و طفولة |
العابلعب و جد و طفولة المزارع والحاسوب
تعوّد مسعود أن يسابق خيوط النور إلى حقله الأخضر ليشهد إشراقة الصباح هناك. بل إنه يمضي كثيراً من وقته بين شجراته ونباتاته المختلفة. شيء آخر يحبه مسعود كثيراً، إنه بئر الماء التي تساعده في إتمام اللوحة الرائعة على أرض الحقل، فما إن يدير المحرك الكهربائي حتى يتدفق الماء (سر الحياة) مسرعاً للقاء تراب الحقل كأم حانية تلتقي ولدها بعد غياب. قال مسعود لولديه ظافر وماهر: "يخيّل إليّ أن الماء المتدفّقَ يبتسم دائماً كالكريم الذي يفرح بالعطاء، وأن لكل حبة تراب فمٌ يستقبل قطرات الماء كطفل ظامئ، ثمةَ ارتباط وثيق يجمع بين روحي وقطرات الماء وحبات تراب حقلي، وغاية مسرّتي أن تتمّ لوحة الاخضرار ليغدو الحقل بهجة للعين". *** مرات عديدة حاول ولدا مسعود ثنيه عن المضي إلى الحقل ليحلاّ محلّه ويقوما بأعمال الزراعة والري وكان يرفض دائماً: "إنه يحبّ صحبتهما ويرغب أن يساعداه، إنّما دون أن يعني ذلك انقطاعه ولو ليوم واحد عن زيارة الحقل وكان يرى اهتمامهما بعيداً عن الأرض والزراعة فابنه البكر ظافر مغرم بمتابعة كل جديد في مجال العلم، وهو يتابع دراسة علم الحاسوب، وكان والده يمضي بعض الوقت يرقب ولده وحاسوبه ويحاول فهم مبادئ العمل ولكنه يقول: أيّ تقدمّ علمي لا يلتفت إلى هذه الأرض ويهتم بها هو هدرُ للوقت والجهد. ويبتسم ظافر إذ يرى أنه لا مجال للحاسوب أن يفيد في الزراعة. أما ماهر فهو طالب في المرحلة الثانوية يحلم بأن يصبح بحاراً يجوب شواطئ بحار الدنيا. المهم، ما حدث للوالد جعله يستجيب ـ مكرهاً ـ لرغبة ولديه، فبينما كان محرك البئر وحبات التراب ونباتات حقله تنتظر يده الحانية كان هو يرقد في المشفى بعد أن تعرض لحادث مروري أدّى إلى كسر رجله وإصابته برضوض شديدة. الحقل إذاً في عهدة ولدي مسعود.. أوصاهما، وألقى على مسامعهما تعليماته حول الاهتمام والجدّ، وهما استجابا لنداء الحقل، وراحا يمضيان الوقت الكافي للقيام بأعمال الري وتنظيف الأرض وغير ذلك مما يجب عمله. حين علم مسعود أنّ عليه قضاء وقت راحة طويل أصرّ على أن يمضي هذا الوقت إلى جوار عالمه الأخضر، فقد بنى في حقله غرفة يمكنه الاستراحة فيها والإشراف على ما يقوم به ولداه، وأقنعه ظافر بأن يحاول التقرّب أكثر من عالم الحاسوب، فزوّد غرفة حقله بجهاز وأخذ ينصتُ لظافر وهو يعلّمه، وظافر فرح كثيراً لاستجابة والده السريعة في التعلّم وإعجابه بهذا الجهاز الرائع. وبعد أيام، بينما كان مسعود يتابع تعلّمه انتبه لصوت محرك البئر وهو يجهدُ في إخراج المزيد من الماء فأحس أن في عمل ولديه خللاً. حزن كثيراً لعجزه عن متابعة الري بنفسه. وما أحزنه أكثر يقينه أنّ ولديه تنقصهما الخبرة في هذا المجال. حدَّث مسعود نفسه: "ماذا عليَّ أن أفعل؟ هدر الماء كارثة.. كارثة". وراح يفكر. فجأة لاحت في أفقه فكرة: "لِمَ لا يسخِّر هذا الحاسوب لتنظيم ري الحقل. أجل يمكن ذلك عبر برمجته لحساب حاجة كل مترٍ من الأرض للماء مع الأخذ بالاعتبار نوع النبات وعمره واستطاعة البئر. وتوصيل الجهاز بمنظّم يقيس كمية الماء المستخرجة وعند إخراج الكمية المطلوبة يعطي الجهاز إشارة تنبيه ويوقف تدفق الماء آلياً. أحس مسعود أنه اجتاز آلامه، فسيطرت على وجهه علامات الفرح والسعادة وأخذ ينادي ولده ظافر، وشرح لـه فكرته. دُهش ظافر بداية، ثم فكّر في إمكانية تنفيذ ما يقول والده. ولأنه يدرك أن لا مستحيل مع العلم فقد ابتسم لوالده ووعده بأن يعرض الفكرة على أستاذه الخبير في تقنيات الحاسوب. *** بعد أيام حضر الأستاذ، واستمع إلى مسعود وهو يحاول إقناعه بجدوى فكرته، فأثنى الأستاذ عليه ووعده بأن يقدم مشروع اختراعه إلى الجهات المختصة. ومضت أيام استعاد خلالها المزارع عافيته، وبينما كان يستعد للمثابرة في درب النشاط والعمل فوجئ بسيارة تتوقف أمامه ويترجل منها خمسة رجال أخذوا يقدمون لـه التهنئة فاختراعه نال اهتمام وثقة الجهات المختصة وعليه أن يرافقهم لإتمام إنجازه. انهمرت دمعتا فرح من عينيه، وهناك في العاصمة دمشق تحولّت فكرة المزارع مسعود إلى حقيقة علمية وتلقى نسخة من اختراعه هدية لـه حيث ثم تركيب الجهاز المنظم لكميات الماء المستخرجة وباشر الجهاز عمله والفرحة تغمر مسعود وولديه. قال ظافر لوالده: "أتذكر حين قلت إن أي تقدم علمي لا يلتفت إلى الأرض ويهتم بها هو مضيعة للوقت والجهد؟ ها أنت تساهم في توجيه هذا التقدم نحو خدمة الأرض أعذرني كنتُ أرى مسافة شاسعة تفصل بين علوم الحاسوب والزراعة. أنا الآن أعاهدك على أن أقف إلى جوارك في كل ما تفعل). ابتسم مسعود وربت على كتف ولده ظافر، وبعد قليل أسرعا نحو محرك البئر وهما يسمعان إشارة جهاز الحاسوب تعلن كفاية كمية الماء المستخرج لري أشجار الزيتون ويوقف تدفق الماء.
:::
اختفاء اللاعب الصغير مهران
تمتد قريتنا على مشارف سهلٍ خيّرٍ يشبه أهل القرية في كرمهم وجودهم وأهل قريتنا يعيشون أسرة واحدة، تربطهم أواصر المحبة والتعاون. اسمي صلاح، عمري يقارب الرابعة عشرة. سأقصّ عليكم حكاية ولد عرفته هذا العام لكنني سأذكره ما حييت، وعند انتهائكم من قراءة القصة ستدركون السبب. أقبلت أيام الصيف حاملة في جعبتها النشاط والتسالي والمتع. ونحن في قريتنا الوادعة اعتدنا أن نستقبل كل صيف فرقة عروض رياضية وألعاب خفّة نرى من خلال عروضها أداءَ حركات تثير إعجابنا، تقيم هذه الفرقة في قريتنا أسبوعاً كاملاً. هذا العام جاءتنا فرقة عرض جديدة تزور قريتنا أول مرة. هيأ أعضاؤها مركز إقامتهم ومسرح عروضهم، وقدّمنا لهم كل مساعدة نستطيعها وأثار انتباهنا فتى يماثلنا سناً بين أفراد الفرقة. سألت أحد رفاقي: من تراه يكون؟ أجاب: ربما ابن رئيس الفرقة، أو ابن أحد الأعضاء. ابتسمنا لـه، فبادلنا الابتسام. أشرنا إليه أن ينضم إلينا فأسرع يستأذن رئيس الفرقة، وبعد قليل جاء. رحبنا به وتعارفنا. اسمه / مهران / ويشارك في عروض الفرقة، كما أنه يتابع تدريباته ليتقن حركات جديدة. قلنا له: بعض فقراتكم خطرة.. رأينا ذلك من عروض فرق جاءتنا من قبل. فأجاب: (رئيس الفرقة يقول التعلّم والتمرّن يسهّلان كل صعب ويمحوان كلمة مستحيل). لم يطل لقاؤنا به، فقد جاء من يستدعيه ومضى مسرعاً. في اليوم التالي باشرت الفرقة تقديم عروضها. وأهل القرية احتشدوا للتمتع بالعروض. كانت الفقرات مذهلة (لاعب يطير من منصة إلى أخرى وآخر يتعلّق برجليه، ولاعب يقطع مسافة مشياً على حبل، وصفقّنا لشاب استطاع أن يلامس رجليه برأسه خلفاً، وأخيراً جاء دور صديقنا مهران فقد قدّم حركات رائعة أجملها اجتيازه عدة حواجز بحركة لولبية). *** وجاء ثانية لزيارتنا. قال إن رئيس الفرقة منحه ساعتين قبل العودة إلى التمرين تقديراً لنجاح فقرته. سُررنا به، دعوناه إلى بيوتنا فلاقى الترحيب والتقدير من أهلنا وفوجئ ببعض أعضاء الفرقة يجالسون رجال القرية، كأن الذي يربطهم ليس متعة مشاهدة العروض فحسب، بل الصداقة. تناول طعام الغداء في بيت صديقي حسان حيث تنوَّعت أصناف الطعام الشهي، وبعدها قُدمت الفاكهة. وعند انتهاء الزيارة أحب حسان أن يهديه لعبة فاعتذر مهران وقال: احتفظ بها، فلا حاجة بي إليها.. ثم رمقنا بنظرة فيها الكثير من الحزن وتابع: (ما أروع الكرم وما أسعد الكرام) وسار خطوات نحو مركز إقامة فرقته، وقبل أن يبتعد التفتَ إلينا وعلى شفتيه ابتسامة حزينة وقال: (إنني مجرّد لعبة. ألا ترون ذلك؟). وانطلق يعدو مبتعداً دون أن ينتظر الرد. تبادلنا نظرات حيرة، وبعد قليل كان كل منّا يسير باتجاه بيت أهله. *** صياح الدّيكة يوقظ نشاط أهل قريتنا، فينهض أصحاب الماشية لرعايتها وأصحاب الأرض لتخديمها بما تحتاج، ما أجمل الحيوية.. أعضاء الفرقة أيضاً يستيقظون باكراً لمتابعة تدريباتهم ومعهم مهران، الولد الذي بدأنا نشعر بحزنه ولا ندري سبب هذا الحزن. وعند الظهيرة، كان أهل القرية ينطلقون بسرعة قصوى نحو حقل تتماوج فيه سنابل قمح اقترب موعد حصادها لكن ألسنة النار أخذت تلتهمها بجنون، وتعبث بعرق وجهد زارعها نتيجة خطأ ارتكبه صاحب الحقل، بعضهم يحمل الماء ويرشه على النار، وآخرون يرشون التراب وجماعة تحاول (بالفؤوس) منع اتصال النار بحقول أخرى. ونحن ساهمنا بحمل الماء وتنفيذ ما يُطلب منّا، وعندما توقفت النار كانت قد أتتْ على سنابل القمح في الحقل، وجلس صاحبه يبكي، فأحاط به رجال القرية مواسين، وما عادوا إلى بيوتهم إلاّ وقد اتخذوا قرار تعويض خسارته كاملة من صندوق الخير (وهو صندوق أُحدثَ في قريتنا لتقديم المساعدة عند الحاجة) خلال هذا الحدث كان مهران معنا، يساعدنا في حمل الماء. وحين انتهينا ربَّت على كتفي، فالتفتُّ إليه، كان على وجهه أثر الهباب الأسود. ابتسم وقال: إذاً ليستْ خسارة أسرة واحدة؟ قلت: بل أسرة واحدة، لأن كل قريتنا أسرة واحدة. قال: (ما أروع التعاون، وما أسعد المتعاونين). وانطلق نحو مركز إقامة فرقته. اجتمعت بأصدقائي بعد ظهر ذلك اليوم. تحدّثتْ إليهم بما دار بيني وبين مهران وأكبرنا مساعدته لنا، وتذكرّنا حزنه الذي لا ندري سببه، فقررنا أن نسأله. سنحضر عصر هذا اليوم عروض الفرقة، ونحاول بعد ذلك لقاءه ومحاورته بصراحة ووضوح. عروض اليوم ابتدأها شاب يمتطي جواداً انطلق بسرعة مذهلة والشاب واقف على سرج الجواد ثم أخذ يقفز يميناً ويساراً ويعود واقفاً. فجأة اضطربت خطواته فتعلقتْ أنظارنا به، وأخذت الصيحات تتعالى داعية لـه ومنبهة، وربّما كانت الصيحات سبباً في ازدياد اضطرابه الذي انتهى بسقوطه أرضاً وقف الجواد وعاد إليه. حدث هذا كلّه خلال ثوان قليلة، وأسرع الحشد من أهل القرية نحوه. كان ممدداً على الأرض دون حراك، فاعتقدنا أنّه مات.. صاح أحدهم: إن قلبه ينبض! إنه حي! إنه حي! وخلال لحظات كانت سيارة الإسعاف تحمله إلى المشفى برفقة رجلين من القرية بينما تبعه رجال آخرون وبعض أعضاء الفرقة في سيارات أخرى.. في المشفى أجري للشاب المصاب عمل جراحيّ، واحتاج كمية من الدم، فتسابق من رافقه في تقديم الدم إليه. وبعد معرفة أصحاب الزمرة الدموية التي تناسب دم المصاب تبرعّوا بما احتاجه من دم وعادوا إلى القرية، بينما اضطر هو للبقاء في المشفى يومين لمتابعة حالته. حزن مهران لحال رفيقه، وحين علم تفاصيل ما جرى، وأنّ نفقات علاجه كاملة تبرع بها رجلان من القرية ابتسم وقال: (ما أروع حياتكم، وما أسعدها). قرر رئيس الفرقة تأجيل العروض إلى أن يتعافى المصاب، وهكذا تمكّن مهران من أخذ قسط وافر من الوقت لـه الحرية خلاله في مرافقتنا. اصطحبناه إلى الملاعب الرياضية في القرية، وسرعان ما شكّلنا فريقين واخترنا حكماً، وابتدأنا مباراة بكرة القدم. بدا مهران لاعباً نشيطاً وفاعلاً. كان حماسه شديداً، وعند انتهاء المباراة سألته: إذاً أنت تمارس رياضة كرة القدم منذ وقت طويل؟. أجاب بحزنه المعروف: إنها المرة الثالثة في حياتي، وفي المرتين السابقتين كان أبي لا يزال على قيد الحياة. اغرورقت عيناه بالدموع، فلم أجرؤ على متابعة حديثي معه خشية انهمار دموعه. مساءً حلّ مهران ضيفاً في بيتنا، ودعوت معه أصدقائي. وككلّ مرة استُقبل بحنان غامر كبير، كان يبتسم ولا تزال غيمة من الحزن تخفي سعادته. خاطبته أمي أكثر من مرة (يا ولدي) وحين كانت تقدم لنا كؤوس الشاي قالت له: أليس والدك معكم في الفرقة؟ يا الله كم ستشتاق له أمك. هذه المرة ما استطاع مغالبة دموعه فبكى. اعتدناه حزيناً إنما هي المرة الأولى التي نراه فيها يبكي. تأثرت أمي كثيراً، وأخذت تعتذر إليه. فجأة نهض مهران وقال: سأحكي لكم حكايتي وكنتُ عاهدتُ نفسي أن أحفظها سراً. قالت أمي: بنيّ لا تفعل ما ليس لك به قناعة، ولا تتحدث بما تحبّ كتمانه. قال: في قريتكم أحبّ أن أحكي حكايتي فمثلكم من يواسي، ومثلكم من يقدر. كان أبي عضواً في هذه الفرقة، يمتطي الحبل ويطير من منصة إلى أخرى يغادرنا منتصف الربيع، ويعود إلينا أواخر الصيف. كنت طفلاً أعيش متمتعاً بحنان أمي وأبي، وما كنت أدركُ مقدار معاناة أبي فهو حين يعود إلينا ينسى ما تحمله من عناء وممّا كسب نلبس ونأكل ونشتري. كم كانت ابتسامته رائعة وهو يعطينا. كنتُ أكره الربيع لأن قدومه يعني رحيل أبي، وقبل أربع سنوات عادت الفرقة وأبي لم يعدْ. سألنا أعضاء الفرقة فأخبرونا أنه سقط بينما كان يؤدي فقرته، وحاولوا علاجه إلا أنه مات. حدث هذا في بلد بعيد ولم يكن بمقدور الفرقة العودة فتدبَّروا أمر دفنه هناك. رأيتُ أمي تبكي كثيراً. كنتُ في الثامنة من عمري. علمتٌ أن بكاء أمي لسببين: موت أبي، وحال الفقر الذي تركنا فيه، فنحن أصبحنا بلا معين، وبلا مورد رزق. قال لها رئيس الفرقة: (ما رأيك لو أدرّبه على تقديم فقرة بسيطة وأصحبه معي؟) خافتْ أمي، ورفضت في البداية فأكّد لها أنه سيدربني على فقرة ليس فيها أي خطر، وأمام الحاجة وافقتْ أمي. أمضيت موسماً كاملاً مع الفرقة أتدرَّب حتى أتقنت الفقرة جيداً. وعندما عدتُ ذلك الموسم أخبروني أن أمي تزوَّجت من رجل لا أعرفه منذ شهرين، وسافرتْ مع زوجها الجديد، وأنها ستعود لتصحبني بعد عام. بكيت كثيراً وانتظرتُ عودة أمي، أقمتُ في بيت رئيس الفرقة، وجاء الربيع ولم تأتِ أمّي ومضى موسم آخر، وعدتُ للسكن في بيت رئيس الفرقة وأمي لم تعدْ. وهاهو عام رابع يكاد يمضي على غياب أمي وما كنتُ أعرف عنها شيئاً. هذا العام أخبرني رئيس الفرقة أنها ترسل رسائل لتطمئنّ على حالي، وأنها تعيشُ مع زوجها وطفلين أنجبتهما بعد سفرها، وهي لا تستطيع الحضور قريباً بسبب البعد وعمل زوجها. اشتقت إليها كثيراً. أما رئيس الفرقة فهو يعاملني بجفاء، وإذا طلبتُ منه مالاً يدَّعي أنّ لـه عندي ديناً كبيراً. لستُ أدري ما هذا الدين، فأنا ما قبضتُ منه أية نقود منذ بداية عملي معه. كان مهران يتحدَّثُ والجميع منصتون، إلاّ أمي فقد بكتْ أثناء استماعها وعندما انتهى قالت له: أرجوك اعتبرني أمك، وإن أردتَ البقاء معنا على الرحب والسعة... نظر إلينا مهران واحداً واحداً، ثم استأذننا بالانصراف، ومضى. قلت لرفاقي: (الآن أصبحنا ندركُ سبب حزنه، وعلينا أن نفعل شيئاً لأجله). فردّ أحدهم: لنروِ قصته لآبائنا، وهم يجدون الطريقة لمساعدته. *** خيوط الشمس الذهبية، صديقة صباح قريتنا أطلَّتْ. ونشاط أهل القرية في تجدّد مستمر. كنتُ في بيتنا حين رنّ جرس الباب. فتح شقيقي، كان رئيس الفرقة عند الباب، فأسرعتُ أستطلع الخبر. بدا غاضباً وسألني: أين مهران؟. قلتُ: مهران! لم أره منذ غادرنا مساء أمس.
قال: بل خبأته أنت ورفاقك.. هيا أخبرني أين أخفيتموه. أخذتُ أحلف لـه أنني لا أعلم شيئاً. فقال: سنرى. وتركني ومضى مهدداً متوعداً. شاع الخبر في القرية. لقد اختفى مهران. صدّق آباؤنا أننا نعرف سرّ اختفائه، وحاولوا بالطيب انتزاع اعترافاتنا، ثم بالتخويف. واقتنعوا في النهاية أننا نجهل تماماً هذا الأمر. أما رئيس الفرقة وبعض أعضائها فقد أمضوا يومهم متنقلين من بيت إلى آخر، محاولين استكشاف أية معلومة تدلهم إليه، وكان بحثهم على مدار اليوم بلا جدوى فمهران ظل متخفياً. أمضى أهل قريتنا ليلتهم قلقين لاختفاء مهران، ولأنّه اختفى فقد قررنا (نحن الذين استمعنا لحكايته) أن نتكتّم على ما سمعنا. حتى عندما استجوبني والدي بحضور رئيس الفرقة حول ما دار بيننا أمس، أكدتُ لـه أنّ مهران لم يُشر من قريب أو بعيد إلى نيّته في الاختفاء... وخلال اليوم سعى رجال القرية جاهدين لاكتشاف مكانه، وأيضاً دون جدوى. وحدها أمي كانت تبكي بحرقة، ومع نهاية اليوم كان غضب رئيس الفرقة يتعاظم، فقال لرجال القرية الذين اجتمعوا في الساحة: إن لم يظهر مهران غداً فسأعلم رجال الشرطة. قال أحد الحاضرين: يجب أن تعلمهم. ردَّ رئيس الفرقة: سأتهمكم جميعاً. أنتم أخفيتموه. ذُهل رجال القرية، تبادلوا نظرات الحيرة والدهشة، تقدّم أحدهم خطوات وقال: إن تتّهمنا هذا شأنك، وإن بحثنا عنه هذا شأننا أما أننا أخفيناه فلا يوجد سببٌ واحدٌ يجعلنا نفكّر في ذلك. قال رجل آخر: هل مهران ابنك؟ ازداد غضب رئيس الفرقة، وصاح: ابني أو ليس ابني ماذا يعنيكم؟ ثقوا أنني سأجده ولن تنفع محاولاتكم. قال رجل ثالث: تعقّل يا رجل لا يملك أحدنا فرقة ليضمه إليها فَلِمَ نخفيه؟ ثم ربّما هذه المرة الأولى التي تحضر فيها إلينا إنما أتتْ قبلك فرق، وقدّمتْ عروضها ومضت دون إشكالات. وإن كنتَ تريد إعلام رجال الشرطة فإننا نؤيدك وإن شئتَ نمضي معك. كان الشرر يتطاير من عينيه لشدة غضبه. بعد ثوانٍ انطلق مسرعاً دون أن ينطق بكلمة، وعاد الرجال إلى بيوتهم بين حزين لاختفاء مهران وغاضب لحديث رئيس الفرقة وحائر فيما سمع. ولملمت الشمس خيوط نورها ومضتْ تاركة علائم المساء تقبل. وفي بيتنا بدا أبي حائراً قلقاً. جلس في غرفة المضافة، وبينما كانت أمي تقدم لـه فنجاناً من القهوة تساءل هامساً: تُرى أين أنت يا مهران؟ ما الذي جرى؟ استرها يا رب. حدثته أمي: ما الذي يستطيع رئيس الفرقة عمله إذا لم يحضر مهران؟. أجابها: ليست المشكلة في عمل رئيس الفرقة، المشكلة هي اختفاء هذا المسكين. تُرى هل هرب من ظلم؟ هل تعرّض لحادثٍ نجهله.؟ قلتُ لـه: إن سمحت لي سأبحث عنه غداً مع رفاقي. ردَّ أبي: أين ستبحثون؟ لم نترك مكاناً في القرية إلا استطلعناه. تابعتُ: ربّما نُوفق في بحثنا. دعنا نجرّب. قال أبي بشيء من الانفعال: إننا نقوم بالواجب دون تقصير. قد يكون وراء اختفائه قصة تحتاج حُسن تصرف. الأشياء الكبيرة يا ولدي تُترك للكبار. قلت: كما تشاء يا أبي. سأذهب للنوم. تصبحون على خير. ردَّ أبي وأمي: وأنت بخير. ودخلت حجرة النوم. تمدّدتُ على سريري ومرّت الدقائق وأنا أفكّر بمهران. أكثر من ساعتين مضتا على محاولة النوم ولا فائدة. ما أثار قلقي كثيراً تَذكُّري لأحزانه. صحيح أنه ابن ثلاث عشرة سنة وأنه سافر كثيراً غير أنه دون شك لن يتمكن من مواجهة حياته اعتماداً على نفسه. أين اختفى؟ تذكّرته يقدم فقراته الجريئة، تذكّرتُه يشاركنا ألعابنا، وتذكّرتُ ابتسامته التي تخفي عالماً من الحزن فبكيتُ. أجل بكيتُ لأنني رأيتُ فيه صديقاً أحببت ألاّ أخسره حتى لو تابع رحيله مع الفرقة. أخذت أدعو الله أن يساعده في ما هو فيه. دخلتْ أمي غرفة نومي، وقالت: ألم تنم بعد؟ أجبتها: سأنام الآن. لم تلحظ دموعي. أطفأت النور ومضت، وأنا كعادتي أخذتُ أتلو سوراً قرآنية قصيرة ثم استسلمت للنوم. *** وحضر رجال الشرطة. رئيس الفرقة نفّذ أقواله وأعلمهم باختفاء مهران. سأله الضابط: هل حاول الهرب من الفرقة قبل الآن؟ أجاب: إنها المرة الأولى يا سيدي، لكنّها المرة الأولى التي يرى فيها من يعامله كأهل القرية. إنه مجرّد لاعب خفّة وهم أدخلوه بيوتهم، وأطعموه. قال الضابط: في أي بيوت القرية كان آخر مرة؟
ردّ أبي: كان في بيتنا. أنتَ أعلم بتقاليدنا، نحترم ضيفنا ونكرمه سواء كان لاعب خفة أو عابر سبيل، ثم ألم يدخل هذا الرجل بيوتنا أيضاً؟ قال رئيس الفرقة بغضب: أتقارنني به أنا رئيس الفرقة وهو.. قاطعه أبي: هو إنسان وأنت إنسان، هو ضيف وأنت ضيف. استقبله أولادنا لأنهم أرادوا القيام بواجبهم تماماً كما يفعل الكبار. قال أحد الحاضرين موجهاً كلامه إلى الضابط: يا سيدي أقسم لك إننا قلقون لغيابه وبحثنا عنه كثيراً. نحن نرغب بمساعدته ورئيس الفرقة (سامحه الله) يرغب في اتّهامنا، إنّنا نخاف أن يكون قد حلّ به مكروه. قال رئيس الفرقة: كارثة.. غيابه كارثة.. لا تعلم يا سيدي كم هي خسارتي لغيابه، لقد تعبت عليه، خسرت كثيراً، وفقرته من أكثر الفقرات إسعاداً وجذباً والحقيقة أنه سريع التعلّم. كنّا قد بدأنا ندربه على فقرة جديدة. صاح أحد رجال القرية: إنك تتحدث عن الخسارة وكأنها كل ما يعنيك، متى كانت قيمة الإنسان تقارن بالمال؟ أوعز ضابط الشرطة لرجاله أن يباشروا البحث، فانطلقوا في اتجاهات شتىّ وأنا اجتمعتُ برفاقي، وتحدّثنا عن غياب مهران. قال صديقي أحمد: أخاف أن يكون قد مات. تابع صديقنا جاسم: أو مخطوف. فتحدث سعد: لا تخافوا. إنه ليس ميتاً ولا مخطوفاً. قلت له: ما الذي يجعلك متأكداً؟ اضطرب في ردّه: (أنا.. أنا.. أقول ربّما. لست متأكداً. أنا لا أعرف شيئاً) ثم تركنا ومضى نحو بيته. أما نحن فقد فكرنا في تصرّفه. هل يعرف شيئاً عن اختفاء مهران؟ أسرعتُ أعلم أبي.. بما سمعتُ.. وبعد لحظات سار نحو بيت أهل سعد ومضيتُ معه، وفي بيتهم أقرّ سعد أمامنا بالأمر. قال: مساء ذلك اليوم حين كنّا في بيتكم وقصّ علينا مهران قصّته بقينا عندكم أكثر من ساعة نفكّر في ما قال، وعندما ذهبتُ إلى بيتنا التقيتُ مهران يحمل حقيبة صغيرة ويمشي متسللاً. استوقفته بصوتٍ خفيض، خاف بداية الأمر لكنّه اقترب مني، وأعلمني أنه سيختفي إلى أن تغادر الفرقة، وبعدها سيحاول إقناع أهل القرية السماح لـه بالعيش بينهم، وطلب مساعدتي فاتفقتُ معه على أن نلتقي فجر اليوم التالي عند طرف القرية، حيث رافقته إلى كوخ بستاننا البعيد، فلن يخطر ببال أحد أنه مختبئ هناك، وزوّدتهُ بكمية من الطعام على أن أزوره اليوم، لكن وبكل أسف يبدو أنّني لن أزوره وحدي. وبكى سعد فعاتبه والده: (ما كان يجب أن تتصرف بمفردك، ثم ما هي قصة مهران؟ ماذا تعرفون عنه؟). قلتُ لأبي: سنخبركم بالتفصيل، إنما مهران ينتظر الآن مساعدتنا، تبادل أبي وأبو سعد النظرات، وقال أبي: الحمد لله. المهم أنّه بخير. قلت لـه: هل ستعلمان رئيس الفرقة، ورجال الشرطة بمكانه؟ هزّ أبي رأسه. خاطبه أبو سعد: رئيس الفرقة يتحدث دائماً عن خسارته الكبيرة. ما رأيك لو نعرض عليه مبلغاً من المال على أن يترك مهران وشأنه. وليبقَ بين أبنائنا؟ قال أبي: وهل تظنه يوافق؟ ردّ أبو سعد: نحاول. وإن وافق يشترك أهل القرية في دفع المبلغ الذي يريده. تنهّد أبي وقال: باركَ الله فيك. ما أقسى أن يستعبد الإنسان.. صاح سعد: إذاً مهران سيبقى؟ أجاب والده: اذهب إليه وطمئنه أننا سنحاول جاهدين مساعدته. وليبق هناك حتى نرسل إليه. ثم حدّث أبي: والآن. هيا بنا فأمامنا ما نفعله. لا شك أن رجال الشرطة عادوا من بحثهم بلا جدوى، فالبستان بعيد ولن يخطر ببال أحد أن يختفي ولد هناك. انطلق أبي وأبو سعد نحو بيت المختار، وتبعتهما. بينما اتّجه سعد بسرعة نحو أطراف حقول القرية حيث يمتدّ بستانهم الأخضر. كان الصمتُ سمة مجلس الرجال وهم يترقبون عودة آخر شرطي، وبعد دخول والدي ووالد سعد بقليل اكتملتْ عودة رجال الشرطة والجواب واحد: لا أثر لمهران. كاد رئيس الفرقة يفقد صوابه: (ماذا أفعل، خسارة.. خسارة، يجب أن أبقى هنا وأُتابع البحث حتى أجده. أنتم لا تعلمون معنى غيابه. غيابه خسارة كبيرة للفرقة. أربع سنوات وأنا أتعبُ وأخسر عليه. لا شكّ أنه هرب. ما عساني أنتظر منه؟ ولد يتيم الأب وأمه تزوّجتْ وتركته تكفلته اعتقاداً مني أنه سينفعني في المستقبل. كم كنت مغفلاً). قال ضابط الشرطة: ما سمعتك تتحدّث إلا عن الخسارة والمال. أهذا كلّ همك؟ تابع أبي: إن كان هذا همك نحن مستعدون لدفع تعويض لك عن خسارتك ونترك مهران يعيش بين أبنائنا. فكّر رئيس الفرقة قليلاً: وكم ستدفعون؟ قال المختار: أي تعويض؟ نريد الاطمئنان هل هو على قيد الحياة؟ هل.. قاطعه أبو سعد: رئيس الفرقة مستعد للمساومة وأنا اتفقتُ مع عبد الله على دفع التعويض فمن شاء منكم ساهم. صاح الجميع: كلنا نساهم. كلنا نساهم. اصطحب أبي ضابط الشرطة خارجاً، وأعلمه سر اختفاء مهران، والنية في تخليصه. فاستأذن الضابط بالانصراف على أن نعلمه بكل جديد. وانسحب رجال الشرطة. بقي في المجلس رئيس الفرقة ورجال القرية وبعد قليل حدّد رئيس الفرقة المبلغ الذي يريده تعويضاً، ثمّ ترك المجلس وانصرف.. تاركاً الرجال للتشاور. أخبرهم أبي بما سمع منّي ومن سعد. استأذنتهم في قص حكايةُ مهران على مسامعهم، ورحت أسردها. كان الرجال منصتين متعاطفين. وعندما أنهيتُ الحكاية أبدى الجميع استعدادهم للمساهمة وأخذوا يفكّرون في ما يمكنهم فعله لتعويض مهران عن سنين الحرمان والحزن ومنحه فرصة متابعة تعلّمه في المدرسة إن شاء. استمرّ اجتماع الرجال وقتاً كافياً ليصل سعد إلى البستان، ويقصّ على مهران ما جرى. ولم يتفرّق الرجال حتى وقف بباب المجلس وإلى جانبه سعد. كانا يلهثان تعبين، ألقى مهران التحية، وتقدم خطوات وقال: (بينكم أحسستُ أنني إنسان وفي قريتكم تعلّمتُ أن للإنسان قيمة لا تُقدّر بمال، لقد زرتُ بلداناً كثيرة مع الفرقة، كنّا نعرض مهاراتنا أمام الناس فيملؤون جيب رئيس الفرقة مالاً، ونبقى في نظرهم مجرّد أصحاب مهارات نتكسَّب من خلالها، أما هنا فأنا هربتُ لأنني أحسستُ بالفرق فأنا بينكم إنسان. لم يسألني أحدكم من أبي، من أين أنا. وهذا مما أثار حبيّ وتعلقي بكم. رأيت عندكم كرماً لا حدود لـه وكأنما يولد معكم لأنني وجدتُه في أصغر أبنائكم. رأيت لهفتكم في كل ما تتصرّفون. تمنيّتُ أن أكون ابن أحدكم وأن أعيش بينكم لهذا هربتُ وخلال اليومين اللذين قضيتهما وحيداً فكَّرتُ في أن هربي ضعف، والوفاء أن أبقى مع رئيس الفرقة الذي أسكنني بيته بعدما فقدتُ أمي وأبي. أجل، إنه يحب المال كثيراً إنّما هذا شأنه. والذي زاد تصميمي على العودة هو ما اجتمعتم من أجله. ما ذنبكم لتتحملوا أعباء هربي، إنني أشكركم جميعاً وأرجو أن تسامحوني فقد سببتُ لكم المتاعب. إنما أرجوكم إن أردتم إسداء خدمة لي أن تقنعوا رئيس الفرقة في تحديد عدد السنين التي أدين بأجرها لـه لأكون بعدها حراً). قال المختار: يا ولدي. ستبقى بيننا، ستعيش كأولادنا. لقد اتّفقنا مع رئيس الفرقة. فقال مهران: اعذروني أرجوكم فأنا لن أستطيع البقاء. في هذه الأثناء دخل رئيس الفرقة، وعندما رأى مهران أخذ يشتمه. فتقدم إليه مهران معتذراً وقال مشيراً إلى رجال القرية: هؤلاء علّموني الوفاء وأعدك أمامهم ألا أكرّر فعلتي. قال أبي لرئيس الفرقة: مهران مُقرّ بإحسانك إليه. إنما يودّ لو تحدّد لـه مدة بقائه معك وفاءً للدّين الذي لك في ذمّته. ردّ رئيس الفرقة: كنت أفكّر في بقائه معي دائماً. إنه يسكن في بيتي بعد انتهاء موسم عروضنا. أما إن كان يفكر في تركي فله ما يريد بعد انقضاء ثلاثة مواسم أخرى. ابتسم مهران وقال: شكراً لك. شكراً لكم جميعاً. بدا مهران سعيداً فخاطبه رئيس الفرقةُ: هيا، سنغادر القرية صباح غدٍ رفيقك غادر المشفى وأصبح بوسعنا الرّحيل. ثم التفتَ رئيس الفرقة إلى رجال القرية وقال: (لا أنكر أنني وجدت عندكم ما لم أجده عند غيركم من تكريم وألفة رائعة لكن اعذروني إن بدوت قاسياً فحياة السفر والاغتراب أورثتني هذه الطباع. أعدكم أن أغيّر تعاملي مع مهران وكل أعضاء الفرقة. شكراً لكم على ما قدمتموه من مساعدة). خاطبه مهران: لي رجاء أن نبقى ساعتين صباح الغد نقدّم عرضاً مجانياً أخيراً تعبيراً عن شكرنا. قال رئيس الفرقة: لا أُمانع. لك ما تريد على أن نقيم هذا العرض ونرحل بعد ذلك. قدّمت الفرقة آخر عرض لها، وحين أتموّه أخذوا يستعدون للرحيل. التفت مهران إلينا وقال: سأعود ذات يوم فأنا حين أكبر سأشكل فرقة خاصة أطوف بها البلدان وأعدكم بأن أعدّ فقرات من وحي عاداتكم وما رأيت في قريتكم أقدمها للناس أينما ذهبت. إنني سعيد لأنني أرى ابتسامات الناس وإعجابهم وهم يشاهدون عروضنا فالبسمة رائعة والفرح جميل. جعلتموني أحس أن لوجودي قيمة. شكراً لكم. لن أنساكم. انطلقت الفرقة عبر الطريق الخارج من القرية، كان مهران يلوّح لنا مودّعاً وعندما غابت الفرقة أحسست برغبة في البكاء فأنا سأذكر دائماً الفتى مهران الذي استطاع أن يقاوم أحزانه ويدخل البسمة إلى قلوب الناس.
¯®¯
الزّلزال
ليل الصيف في قريتنا رائع الجمال. نقاء زرقة السّماء، والنسمات اللطيفة، وسكينة الجبال التي يتخلّلها تغريدُ طيور وأصوات حشرات وضفادع وثعالب، أمورٌ تغري أهل القرية بأن يمضوا جلّ أوقات ليلهم ساهرين. صفات كثيرة يشترك بها أهل القرية مع الطبيعة، الصفاء والسكينة واللطف ورهافة الإحساس. السكينة التي مزّقها صراخ جارنا رامي معلناً: -يا ناس.. يا أهل القرية غادروا بيوتكم.. الليلة سيهدم قريتنا زلزال مدمّر. أتم قولـه وعاد مسرعاً إلى بيته بينما هرع معظم أهل القرية إلى بيوتهم يحملون أطفالهم وأشياءهم الثمينة ويغادرون نحو السهل، وأسرع رجالٌ إلى بيت رامي الذي كان منشغلاً هو الآخر بإفراغ بيته ممّا يمكن حمله من الأثاث بعد أن غادره أبناؤه وزوجته. سأله أحدهم: من أخبرك بقرب وقوع الزلزال؟ ردّ رامي متلهفاً: اتصل شقيقي من المدينة. هم أيضاً اتخذوا بعض تدابير الحماية. يمكنكم أن تتصلوا بأقربائكم وتتأكدوا. *** تشابهت الأفعال في معظم بيوت القرية، ربّ الأسرة يتلقّى اتصالاً أو يجري اتصالاً للتأكد من الخبر، والأم تلملم ما يجب نقله خارج المنزل فيحمله الأبناء ويغادرون البيوت مسرعين. *** بعيداً عن البيوت، في السهل تجمّعَ أهل القرية والاضطراب بادٍ على كل الوجوه والعيون مصوّبة نحو منازلهم بكثير من الحزن والخوف وتعالت أصوات المتضرعين إلى الله ليخفّفَ البلاء ويكتب النجاة للجميع. مرّ الزمن بطيئاً ثقيلاً.. قال أحد الرجال: (كأن البلاد كلها بيت واحد. الناس جميعهم يتناقلون الخبر ويفعلون الفعل ذاته، يغادرون بيوتهم، يدعون الله أن يمنّ بالسلامة على الجميع، يصغون إلى المذياع علّه يورد أخباراً تتعلق بالكارثة). ردّ عليه آخر: تسمّيها كارثة وهي لم تقع بعد.. اتق الله يا رجل. ***
انتبه الجميع لتقدم سيارة فترقبوها حتى توقفت على مقربة منهم، وترجّل منها المهندس عمران والمعلم رشيد وهما من أبناء القرية. صاح والد عمران: ما الذي جاء بك يا بنيّ هذه الليلة؟ لقد حاولتُ الاتّصال بك مراراً ولم أفلح. ردّ عمران مبتسماً: جئنا من المدينة بعد أن أدركنا أن الإشاعة وصلتكم كما وصلتْ كل مكان في بلادنا. قال والده مستغرباً: إشاعة؟. تابع عمران: أجل.. إشاعة كاذبة.. أؤكد لكم. قال المعلم رشيد: (أيها الناس، الزلزال لا يخبر أحداً بقدومه. لو استطاع العلماء تحديد زمن وقوع الزلازل ما حلَّتْ كارثة سببها زلزال. فما زال بحث مختبرات العلم متواصل لكشف قرب وقوع الظواهر الطبيعية لتجنب أضرارها أو لتخفيفها. ما وصلكم إشاعة كاذبة سبّبها حديث بثّه التلفاز حول إمكانيّة تعرض المنطقة لزلزال بسبب طبيعة طبقات الأرض غير المستقرة. والحديث تناول إجراءات الوقاية والتقليل من مخاطر الزلزال إن وقع فهو قد يحدث وقد لا يحدث. هيّا عودوا إلى بيوتكم ولا تدعوا إشاعة تثير فيكم الخوف والرهبة). اختلطتْ الرّدود بين مؤيّد لحديث المعلم رشيد ورافض لـه وارتفعت الأصوات. قال أحد الرجال: الجهل هو السبب الذي يجعل إشاعة كاذبة تسري بيننا كالنار. صدق من قال: الإنسان عدو ما يجهل. تابع آخر: لكن التلفاز تحدث عن إمكانيّة حدوث الزلزال في منطقتنا. أجابه المهندس عمران: إمكانية حدوثه لا تعني تأكيد حدوثه. كان المذيع يتحدَّثُ عبر برنامج من برامج التوعية والتثقيف التي تحرص الدولة على بثها ثم أن المذيع تحدّث عن مخاطر الزلزال وأسباب حدوثه والمناطق غير المستقرة. سأله أحد الرجال: ماذا قصد بالمناطق غير المستقرة؟. أجاب المعلم رشيد: (إذا سمح لي السيد عمران فسأجيب. الزلزال هو هزّاتٌ مفاجئة تصيب القشرة الأرضية وتنتج عن حركات الصفائح المكوّنة لطبقات الأرض وهذه الحركات يسببها تعرض منطقة من الأرض لضغط شديد أو إفراغ منطقة ما من كميات كبيرة من المياه الجوفية أو من النفط والمنطقة غير المستقرة هي التي تكون أكثر عرضة للظواهر الطبيعية فمنطقتنا ملتقى عدة فوالق وانكسارات وأي اضطراب في أحدها قد يسبّب حدوث هزة أرضية أو زلزال. ولكن الكثير من الظواهر قد تحدث ولا تترك أثراً حتى أننا في بعض الأحيان لا نشعر بها. علينا أن نتعرّف ما يجب فعله عند تعرضنا للمخاطر ولكن يجب أن ننبذ الإشاعات الكاذبة دائماً). حين أتمَّ المعلم رشيد حديثه توجّه عمران نحو سيارته وقال: هيا يا رشيد سنمضي الليلة في بيتنا في القرية فمن يريد أن يأتي معنا أهلاً به. وقبل أن يصل عمران ورشيد إلى السيارة استوقفهما أحد الرجال قائلاً: استمعوا.. كان المذياع يبثّ بياناً يؤكّد حديث رشيد وعمران وينفي صحة خبر الزلزال ويدعو الناس للطمأنينة. من جديد ارتسمت الابتسامة على الوجوه، وعادت الحياة تعانق أرواح أهل القرية الذين انطلقوا نحو بيوتهم. *** صباح اليوم التالي.. خيوط النور الأُولى تدعو أهل القرية ليوم جديد وقد استجابوا لنداء الشمس وأخذوا يزرعون دروبها وشوارعها نشاطاً وحركة بينما كانت سيارة المهندس عمران والمعلم رشيد تتخذ مسارها خارج حدود القرية.
ïêð
أمنيــــــات
(1)
| |||||||||
|
بقدر الجدّ تكتسب المعالي |
|
|
|
|
ومن طلب العلا سهر الليالي |
|
واستمر دون كللٍ يدرس ويعمل، وأمي تدعو لـه بالتوفيق والخير حتى شارف العام الدراسي على نهايته وحان وقت الامتحان فتوقّف عن العمل وثابر على دراسته واجتاز الامتحان بجهد وصبر.
وبعد أيام حدث أمر مؤلم. مرض جارنا مروان فجأة. قال الأطباء أنه يحتاج عملاً جراحياً ينقذ حياته والعمل الجراحي يحتاج مالاً، ومروان لا يملك من هذا المال شيئاً وليس لـه حيلة في تأمينه. رأيتُ أولاده يبكون وهو يتألم فتمنيت لو أستطيع تخليصَ جارِنا من آلامه، وبينما كانت أسرتنا مجتمعة لتناول طعام الغداء قال سامر: أبي.. أمي.. قررت أن أقدم المال الذي وفرته لجارنا مروان.
دُهشتْ أمي.. قال أبي: ومتابعة الدراسة التي أرهقتَ نفسك من أجلها؟ ومستقبلك؟!
قال سامر: جارنا أشدّ حاجة مني. ما أروع أن نعيد البسمة إلى وجوه أبناء مروان. ما أروع أن نعيد إليه عافيته ونلقي بآلامه بعيداً. أنا سأنتظر فرصة أخرى. أجل، إن لم تتح الفرصة هذا العام لتكن العام القادم وأرجو أن يبقى قراري سراً فلا أريد لأحد أن يعرف من تبرع بالمال. سأدفع لإدارة المشفى وهم سيتمّون عملهم ويعالجون مروان بسرية مطلقة.
لم يجد أبي ما يرد به على شقيقي سامر سوى ابتسامة إعجاب وأنا سعدتُ كثيراً بقرار شقيقي ووددت لو أنني أيضاً أستطيع تقديم مساعدة ما..
وحمل سامر نقوده ومضى ينفذ قراره، وبعد أيام عرفتْ البسمة طريقها إلى وجه مروان ووجوه أبنائه من جديد، وعادت أسرتُهم تكمل مسيرة حياتها بعد أن تجاوزت خطراً كبيراً.
تحدث أهل الحي عن فاعل خير كريم أعاد إشراقة الحياة إلى بيت كاد يهدمه المرض
والفقر.
فاعل خير لا أحد يعرف عنه شيئاً إلا نحن.
***
وصدرتْ نتائج امتحانات الثانوية العامة. وكم كانت الفرحة غامرة حين علمنا أن سامر حاز مركزاً متقدماً في ترتيب الناجحين وهذا المركز أهَّله أن يتابع تحصيله العلمي على نفقة الجامعة من خلال بعثة دراسية.
قال والدي: مدّ سامر يد العون لمحتاج فبسط الله أمامه سُبَلَ الخير.
وسافر سامر.. ثلاثة أشهر مضت على سفره..اشتقت إليه. واليوم حين عبر سرب سنونو أجواء مدينتنا أحسستُ بحزن، وبرغبة في التحدث إلى سامر. لن أبدي حزني لأفراد أسرتي فأنا لا أريد أن أرى دموعهم.. سأكتب إليه سأرجوه أن يبقى (سامر) الذي نعرفه (فاعل الخير).. وأن يعود إلينا ناجحاً..
اشتقت إليه.. أتمنى أن تكون كل اللغات خالية من كلمات السفر.. الرحيل.. الغربة.. مهما كانت أسبابها.. ما أروع أن يعود كل مسافر إلى محبّيه..
***
حين أبلغتنا إدارة المدرسة أن الرحلة ستبسط أمام أعيننا لوحات الطبيعة الساحرة، الغابات الخضراء وتنوعها، وينابيع المياه المتدفقة عبرها، والشلال الذي يحث العصافير على أن تكمل صور الحسن بتغريدها.. ارتسمت علامات الفرح والسرور على وجوهنا جميعاً، وأخذنا نعدّ أنفسنا ليوم مميّز.
الحقيقة زرنا هذه المواقع في رحلة العام الماضي، إنما سحرها يغري الإنسان بزيارتها كلما حانت الفرصة. ما كان لغزاً حزن صديقنا رشيد نعلم جميعاً أنه غير قادر على دفع مصاريف الرحلة فهو فقير ويتيم، إلا أن ما عليه أن يعرفه ويثق به أننا لن نتخلى عنه ولن يكون في الرحلة سعادة إن لم يكن معنا.. سيكون معنا، اتفقتُ مع رفاقي على ذلك.. وكان رفيقنا في الرحلة.
***
صباح اليوم التالي المحدد حضرنا إلى المدرسة.. وبعد قليل كانت الحافلة تطوي المسافات، تجتاز حدود الغابة. ومكان استراحتنا الأولى اختاره معلمنا أخذنا نتنقل بشغف عبر دروب الغابة، نعانق أشجاراً، ندور حول جذوعها، نغني.. فجأة: رأيتُ ثلاثة جذوع جارت عليها يد إنسان كأنما قُطعتْ للتو.
وقفتُ.. تساءلتُ: يا إلهي! لم لا نبادل الإحسان بالإحسان؟!
الشجرة تغدق علينا ظلاً وحناناً ونحن نسحق اخضرارها بالمنشار.. وغير بعيد عنّا كان قاطع الأشجار يحمل منشاره كأنما يستعد لقتل شجرة أخرى. وقف صديقي رشيد قربي. أشرتُ إليه أن نختبئ فنحن سنحاول منع الرجل من أن يحرم الغابة من أبناء آخرين.
اختبأنا خلف جذع شجرة كبيرة حيث نراه ولا يرانا، وخاطبتُ الرجل محاولاً تغيير نبرة صوتي: أيها الظالم.. ماذا أسأنا إليك لتحمل إلينا منشارك؟ ألا تجد عندنا الظل الوارف حين يشتد الحر؟ أليست أغصاننا مساكنَ للعصافير التي تتمتع بتغريدها؟ أليست ثمارنا غذاء لك ولأبنائك؟ ألا نساهم في إمدادك بالأوكسجين الذي تتنفسه؟
ابتسم الرجل ودون أن ينظر إلينا أجاب: هذا صحيح ولكن ما أقوم به أيضاً استكمال لفوائدك أيتها الشجرة فأنا بحاجة لأخشاب أصنع منها أبواباً ونوافذ ومقاعد ومناضد وأبني المساكن.
دُهشتُ لتقبّله فكرة أن الشجرة تكلمه وقررتُ أن أتابع حواري معه، قلت له: ولكن ألا تراني حية فكيف تقتلُني لتستبدلَني بجماد؟ ألا تراني باخضراري مجموعة بيوت، بيت للمتعب يستلقي في ظلّي فيستريح وبيت للعصافير وبيت للفراشات فكيف تفتك ببيت حي لتقيم به بيتاً جامداً. أجاب وما زالت الابتسامة على شفتيه: المشكلة أنه لا يمكنني الاستفادة منك إلا ونسغ الحياة يدب في عروقك، فالأغصان اليابسة ليس لها إلا الموقد. وثقي أيتها الشجرة أنني أغرس بدل كل شجرة أقطعها غرستين فأنا من أكثر المهتمين بدوام اخضرار الغابة وأحاول إقناع كل أصدقائي بأن يغرسوا الأشجار ويتعهدوها بالرعاية. ثم إنني لا اقطع إلا ما أحتاجه لتصنيع أدواتي.. ألا تذكرين أيتها الشجرة كيف كنتُ أول من سارع لإخماد الحريق الذي كاد يفتك بالغابة لولا جهودُنا؟ أنسيت أنني كتبتُ عبارات التوعية والتنبيه لكل من يدخل الغابة كي يحافظ على نظافتها واخضرارها ولا يعبث بجمالها الساحر؟
حين أنهى الرجل حديثه لم يعد لديّ ما أقوله.. نظر إلي صديقي رشيد مستغرباً. تابع الرجل: والآن أيتها الشجرة العزيزة هل أتابع عملي؟..
لم أرد... عندها استدار نحونا، وأخذ يتقدم إلينا. وكلما تقدّم خطوة ازداد اضطرابنا. وحين اقترب أكثر فكّرنا بالهرب. إلا أنّه مدّ يده مصافحاً، وقال مبتسماً: هل اقتنعتِ أيتها الشجرة؟..
أحسستُ بالخجل. تابع: شكراً على هذا الحوار الرائع. أعلم أنكم أتيتم للاستمتاع بسحر الطبيعة هنا فأهلاً بكم، ولهذا سأتوقف عن العمل حتى تغادروا. يأتي الكثيرون لزيارة ربوعنا الساحرة. كلنا ندرك أن الشجرة لا تتكلم ولكن ما سمعته ربّما كان ما ستقوله الشجرة لو تكلمت. وما قلته أنا أيضاً هو حقيقة. فنحن بأمس الحاجة لاستكمال فوائد الشجرة ولا يمكن ذلك إلا بقطع أخشابها. وأكرّر أنني لا أقطع إلا ما أحتاجه فعلاً ودون الإساءة إلى أشجار مثمرة أو إلى اخضرار الغابة واستمرارها.
قال صديقي رشيد: أروع ما سمعتُ أنك تغرس غرستين بدل كل شجرة تقطعها. ليت كل من يقطع شجرة يفعل فعلك. ومع ذلك فأنا ضد قطع الأشجار مهما كانت الأسباب.
حيانا الرجل من جديد، وتمنّى لنا رحلة ممتعة وغادرنا.. وعدنا إلى رفاقنا.
***
انتهت الرحلة وعاد كل منا إلى بيته.. وفي غرفتي أخذتُ أستعيد ما قاله الرجل وقفتُ، فتحتُ نافذة غرفتي ونظرت إلى أشجار حديقتنا.. أحسستُ أنها كائنات حية لطيفة، كأنما رأيتها تغفو إغفاءة طفل وديع. وحزنت كثيراً لأنّني تذكرتُ أن أبي ينوي بيع بيتنا وحديقته ليشتري بيتاً أصغر في الحي المجاور كي يوفّر بعض المال لحاجته له.
والبيت الذي سيشتريه لا أشجار حوله. ولكن هي إرادة والدي.
حين أكبر، سأجعل الشجرة رفيقة كل مكان أسكنه.
ترى: كيف ستكون الدنيا دون أشجار واخضرار؟!..
***
حين تأكدت أمي أن شقيقي الأصغر حسام ليس في فراشه أصابها الذعر، وبعد قليل انطلق لسانها ينثر صيحات الاستغاثة والخوف. كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً، وهي المرة الأولى التي يغيب فيها شقيقي عن البيت ليلة، بل وأنا الذي أكبره بثلاث سنين ما قضيتُ ليلة خارج بيتنا.
امتدّ صوت أمي حتى ارتدَّتْ أصداؤه بالجيران المستفسرين، وبعد قليل تفرّق الرجال في رحلة البحث عن شقيقي الغائب، وتجمَّعت النسوة يحاولن إدخال الطمأنينة إلى نفس أمي القلقة... وأنا انتابني شعور بالخوف.. بالحزن.. مرَّت الدقائق بطيئة، وأخذ الرجال يعودون واحداً تلو الآخر. وكلما وصل أحدهم تهرع أمي إليه تستطلع الخبر، ولا خبر.
قال أحدهم: حسام ليس في أي مشفى من مشافي المدينة.
وقال آخر: رجال الشرطة لا علم لديهم بشأنهم.
وثالث عاد و معه أقاربنا الذين أكّدوا أن حساماً ما زارهم.
وأبي عاد بعد أن تأكد من أن كل رفاق حسام لا يعلمون شيئاً عن اختفائه.
تعالى نحيب أمي، وارتسمت على وجه أبي ملامح الحزن، وكأنما أخذ يتهيأ لتقبّل العزاء، كأنما أدرك أن شقيقي فارق هذا العالم.
وسيطر على الرجال قلق، بينما اقترب الفجر ببرودة ربيعية، وغلبتني دموعي فجلستُ قرب أمي.
***
منذ سكننا الجديد في هذا الحي قبل أسبوع، حيث باع أبي بيتنا القديم وحديقته الرائعة، واشترى المنزل الذي نسكنه الآن، والأسى ما فارق وجه شقيقي حسام. كنتُ أنصتُ لأمي وهي تحدثُ النسوة عن ابنها الغائب، الطفل الهادئ الوديع، الذي ما تجاوز العاشرة من عمره ويحتاج دفء الأسرة.
فجأة رنّ جرس الباب، ودخل الرجل الذي اشترى بيتنا القديم ممسكاً بيد حسام! وقفنا جميعاً والدهشة سمة كل الوجوه.. ابتسم الرجل وألقى التحية، وقال: لا شك أنكم قلقون لغيابه، فالساعة تجاوزت الرابعة صباحاً.
سارعتْ أمي تحتضن شقيقي العائد، كان يبكي. تابع الرجل حديثه: سمعتُ حركة غير اعتيادية عند باب البيت، وحين فتحتُ الباب وجدتُ حساماً يجلس ضاماً يديه إلى صدره خائفاً مضطرباً. وقف وكان يرتجف. سألته: ماذا تفعل هنا؟ أجاب: جئتُ أزور بيتنا الذي مات. سألته مستغرباً: الذي مات!
فقال: (حين سألتُ أبي هل سنعود إلى بيتنا يوماً؟) قال لي: ذلك البيت فارقنا إلى الأبد. فسألته: إذا مثل جدي الذي مات. فأجابني: أجل يا بنيّ، مثل جدك الذي مات.
عندها تذكرتُ أننا مقصرون بحق بيتنا فنحن منذ رحيلنا عنه ما حملنا إليه الورود، ولا جئنا لزيارته. فقطفتُ هذه الأزهار وأتيته بها عشية يوم أمس بعد أن نام أهلي، وعند بابه أحببتُ أن أجلس قليلاً، وغفوت. أريد أمي.. أريد أمي..).
كان يحدثني وهو يرتجف خائفاً، وكانت باقة من الزهور تناثرت زهراتها عند باب البيت. احتضنته وجئتُ به إليكم. وها أنا أعلن استعدادي للتخلي عن البيت فوراً وإعادته إليكم. صدقوني لا حرج لدي في ذلك فبيتي القديم ما زال ينتظرني، ثم إن إجراءات التسجيل لم تستكمل بعد أما المال الذي دفعته فأقبل استرداده على دفعات أو حين يتوفر..
كان هذا ما يؤرق أبي فالمال الذي استلمه أنفق جزءاً منه.
ورجوت الله أن نعود إلى بيتنا القديم فهناك ما يشدني بقوة إليه. وانتظرنا ردّ أبي الذي تقدم إلى الرجل وقال: شكراً لك. الحقيقة أن إحساسنا بفقد ذلك المنزل كان كما صوّره حسام (موت عزيز) فمتى نستطيع العودة إليه؟.
قال الرجل: غداً إن أحببت.
***
وخلال أيام كنا نعود إلى بيتنا الغالي وحديقته الرائعة وتعود إلينا البهجة. ترى أي رابط بين سعادتنا وبيتنا القديم؟!
رجوتُ الله ألاّ يضطر إنسان إلى ترك مسكنه لأي سبب.
***
حديث واحد على ألسنة الناس هذه الأيام. تتردد الأسئلة. تتكرر الأسئلة: إلى متى؟.. وماذا بعد؟.. والغضب عنوان بارز على كل الوجوه.
لون الدم يكاد يمحو كل الألوان.. دم عربي يسيل في أرض فلسطين العربية الحبيبة.. فإلى متى؟..
لا يكترث الناس لأسئلتي.. لغضبي.. فأنا ما زلت –كما يقولون- طفلاً في الثالثة عشرة من عمري. وأسأل نفسي: أما كان فارس عودة في الرابعة عشرة حين وقف قبالة جبل من الحديد يقذف حمماً كالبركان، وبحجره أكره المعتدين على التراجع؟ هل كانت الطفلة إيمان حجو ذات الأربعة أشهر أكبر حين اخترقت جسدها الغض شظايا حقد المعتدين الصهاينة؟.
رغم اعتراضهم على أسئلتي إلا أنني أرى نفسي أكبر حين أتحدث عن هذا الأمر. الحقيقة أنني كنت شغوفاً بمتابعة برامج الأطفال، أرقب القصص التي تصوّر العالم واحة خير، فالخير ينتصر دائماً. ولكن لِمَ لا ينتصر الخير الآن؟.
وأرقب برامج التلفاز. البيوت جميعها تتابع ما يجري.. بحر من الدم العربي يكاد يغرق أرض فلسطين الحبيبة.. كل المحطات تبرز ثورة الغضب العربي وتردّد مع فيروز: لأجلك يا مدينة الصلاة...
في كل البيوت ألم وغضب وصدور أشقائنا في فلسطين تتلقى قذائف الحقد الصهيوني حتى أشجار الزيتون وبيارات البرتقال طالها حقد الصهاينة فاقتلعوها.
في بيتنا، تتابع أسرتي مشاهد الألم عبر شاشة التلفاز وأنا عدوتُ قاصداً بيت جارنا قاسم. وقاسم هو عربي فلسطيني يقيم مع أسرته في حينا كنتُ قد تشاجرتُ مع ابنه عبدِ الله –وهو صديقي- في أثناء مباراة بكرة القدم.
دخلت بيتهم فرأيتُ الألم سيد البيت. اقتربتُ من صديقي عبد الله. صافحته كانت نظراته حادة كنسر يكاد ينقض. قلت له: سامحني أرجوك.. أنت أخي ولنتعاهد ألاّ نتشاجر أبداً. هزّ رأسه موافقاً، وما زال يرسل نظراته عبر النافذة كأنما يبحث عن درب تصل به إلى فلسطين الحبيبة.
أحسستُ أنني شاركته الخطوة الأولى، وكم أتوق للمشاركة في كل الخطوات لأجل فلسطين.
بعد قليل كان معظم رفاق عبد الله قد تجمّعوا في داره. تقدّم إلينا جارنا قاسم وقال:
(أبنائي، لقد دنت ساعة النصر، فكلما ازداد حقد المعتدي كان ذلك دليلاً على إحساسه بقرب الهزيمة. سننتصر بعزم وإرادة الأبطال، وبأحاسيسكم الرائعة هذه).
خرجنا من دار جارنا قاسم، وفي الطريق أخذنا نردد:
فلسطين عربية.. القدس عربية.. كلنا لفلسطين..
***
في المدرسة طلب مدرس اللغة العربية أن يكتب كل منا ما يتمنّى المساهمة من خلاله إلى جانب أشقائنا في فلسطين. لم أجد رفاقي منهمكين في الكتابة كما كان حالهم عندها. وأنا فكرّتُ: ماذا أكتب؟..
كتبتُ: أتمنّى أن أتفجّر بركاناً يقذف حممه ليتلظى بنارها العدو الصهيوني.. توقفتُ: لكن البركان يضرب بحممه كل من يصادفه.. ربما أصاب جسد عربي فلسطيني، أو شجرة مباركة.. لا.. لا أريد أن أكون بركاناً.
ماذا لو كنتُ حجراً تباركني وتقذفني يد طفل عربي صوب أحد جنود الاحتلال الغاصب؟ وتوقفتُ مرة أخرى: حجر! لكن الحجر جماد وأنا أريد أن أشارك بإحساس.
إذاً: لو كنت بجسدي وروحي هناك.. أحمل مقلاعي وأقف إلى جانب أشقائي ضد الصهاينة الغادرين، وأبذل دمي على الثرى الطاهر.. وتمنيت أن ينتهي الكابوس وأرى أرض فلسطين الحبيبة تنعم بالأمان والسلام، ويتحقق الحلم الذي حدثني عنه صديقي عبد الله في عودتهم إلى ديارهم.
كتبت، وكتب رفاقي.. أعتقد أن ما كتبناه وتمنيناه سطّره كل عربي، إن لم يكن على الورق ففي نفسه.
***
احتشد أهل حينا وساروا يطلقون هتافات التأييد والمساندة لأهلنا العرب في فلسطين الحبيبة. حملوا صوراً كثيرة تمثل رموز الفداء والبطولة. محمد الدرة، فارس عودة، إيمان حجو، وفاء إدريس، آيات الأخرس... والكثير الكثير ممن استحقوا أن يكونوا دروس عزة ومجد.. أحسستُ بدمي يغلي في عروقي.. أجل أنا ابن ثلاثة عشر عاماً ولكنني أحس أنني كبرتُ بما فيه الكفاية لأشارك.. لأسير في الدرب الذي يوصلني إلى فلسطين... الدرب الذي تراءى لجارنا عبد الله بن قاسم.
***
وتسمو صور الأبطال فوق الرؤوس كأنما هي منارات هداية.. كم من حكايات البطولة ستعرف طريقها عبر ألسنة الأمهات والجدات إلى أبناء يتوقون لسماع حكايات المجد؟!
الحكايات والأناشيد والأغاني تقول إن ظلام ليل الاحتلال كاد ينقضي..
ترى.. أما آن لفجر الحرية أن تسطع أنواره..؟!
![]()
![]()
|
جميع الحقوق محفوظة العاب العاب فلاش العاب بنات العاب أطفال . |