العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

البركان الصغير والمناجذ السبعة

 

هل أعرّفكم بالجد بركان؟ إنه يعيش في جبلٍ عالٍ. يستكين في فوهته العميقة، كي لا يصيبه هواء الجبل بالبرد.. وهو ككل شيخ هرم يسعل ويشخر، غليون تبغه هو منقار يدخن به ويدخن، ويدخن، وكأن آلاف غلايين الناس تدخن.

يصيح:

ـ آخ، إنني أدخل الألف الثالث! آخ، سوف يهلكني هذا الروماتيزم! يصفر صدري ليلاً ونهاراً بسببٍ من الشيخوخة. آخ، أين ذهبت حُميا الشباب؟

إن الجد بركان يتذكر مجده. لقد طمر ثلاث مدن وثلاثمائة قرية بالحمم. كان شاباً وقوياً حينئذٍ. أمّا الآن فلا ينفعه شيء، وهو يمضي من سييء إلى أسوأ.

لكن الجد بركان لم يكن وحده هنا. إن لـه حفيداً، هو بركان صغير في جوف الأرض، يعدو في الشقوق والكهوف المظلمة. ياله من بركان صغير كثير الحركة! (لا يقف شيء في سبيله). يرى نهراً تحت الأرض فيغوص فيه. يصيح به الجد بركان:

ـ سوف أجن بسبب منك!

ثم يكتشف مغارة، فاذهبْ وابحثْ عنه.

ويصيح به جدّه:

ـ أنت غير مطيع!

يقرر البركان الصغير أن يظهر على السطح أحياناً... وتعلو عندئذٍ فرقعة ممطوطة!..

يصفعه الجد بركان صفعة موجعة على خده الساخن بالحمم.

يصمد بشجاعة فلا يغضب ولا يشكو.

يصرخ:

ـ صفعتك يا جدي مثل قرصة البعوضة.

يغضب الجد بركان:

ـ ياله من ولد لا يفهم. فبدلاً من أن يصير رجلاً ويكبر يزداد طيشاً على طيش. سأشبعك ضرباً ذات يوم.

ـ ما القبيح الذي أفعله يا جدي؟ ألم تكن طائشاً مثلي في شبابك؟

تنهد الجد بركان وقال:

ـ كان الأمر مختلفاً حينئذ. كانت الأرض غير متعلمة وبلهاء. أما الآن فثمة تلفزيون، وسينما، وثقافة....

قال البركان الصغير:

ـ أمّا أنا فأحب اللعب!

ـ لا لعب! يجب أن تكبر وكفى! يجب أن تصبح عظيماً جداً. يجب أن تصير بركاناً قوياً ومخيفاً، فإذا انفجرتَ دمّرت بالحمم قارّة كاملة، فلا تكتفي مثلي بدمار ثلاث مدن وثلاثمائة قرية.

قال البركان الصغير بعناد:

ـ أنا لا أريد أن أفعل السوء. لماذا أُعاقب الناس الطيبين؟

ـ أهكذا تحاكم الأمور! يبدو أنك محتاج للضرب! يجب أن تصير بركاناً أولاً. والبركان اسمه بركان لأنه يطمر الناس بالحمم لا بالحلوى.

لقد أتعبتْ هذه النقاشات  الجد بركان فنام وشخر كالمذبوح.

لم يعد يظهر سوى دخان غليونه المتصاعد نحو السماء.

أما البركان الصغير  فكان قد ضجر من تعليمات جده ومل الإصغاء إليها فمضى في عتمات ماتحت الأرض باحثاً عن أصدقاء أوفياء.

قال وقد غاب عن سمعه صوت جدّه:

ـ سأذهب إلى مكان بعيد.

وفي شق عميق وجد سبعة مناجذ تلعب... كانت تلعب ثم تحفر أنفاقاً. بدأ البركان الصغير يلعب معها... ماعاد يخاف جده الذي نام نوماً عميقاً، وقد اتصل نومه طوال قرن كامل.

قال أحد المناجذ فجأة:

ـ البحر غير بعيد يا أصدقائي. فلنذهب جميعاً إلى شاطئ البحر. فلنحفر نفقاً يوصل إلى البحر.

قالت المناجذ الأخرى:

ـ أجل.... سيكون ذلك رائعاً! تعال معنا أيها البركان الصغير، ألست موافقاً؟!..

قال البركان الصغير :

ـ أنا موافق! سأذهب معكم حيثما تذهبون.

وشرعت المناجذ تحفر النفق. وهم يجيدون الحفر جداً.

صار شاطئ البحر يقترب كل يوم... والبركان الصغير  وراءهم..

حفروا طوال أيام كثيرة تحت الأرض. وفجأة صاح أحدهم خائفاً:

ـ يجب أن نوقف الحفر! نحن الآن تحت قاع البحر. أحس بأنفي رطوبة البحر.

وكفّت المناجذُ عن الحفر في الحال.

قال البركان الصغير مندهشاً:

ـ أنا الآن، إذاً، تحت البحر!

صرخت المناجذ:

ـ تحت البحر، تحت البحر!

قال البركان الصغير :

ـ هل تعرفون بماذا أفكر يا أحبّائي! جدّي يريد أن تدمر حممي المدن والقرى. أليس الأفضل أن أثور في البحر؟ سأصنع جزيرة جميلة..

صاحت المناجذ:

ـ مرحى، مرحى للبركان الطيّب!

وارتفع عمود ناري فوق البحر. بدأ الماء يتحول إلى بخار، وغامت السماء، تكومت الحمم فصارت كومة كبيرة وسط الماء، فظهرت الجزيرة.

ومضت سنوات كثيرة ونما العشب فوقها، وغنت الجداجد في الأمسيات.

ونمت أشجار مختلفة... وغردت الطيور في الأجفان الكثيفة.

سأقول لكم يا أطفال إن عطلة المناجذ الصيفية انتهت  فعادت أدراجها... فمدرستها  التي تحت الأرض تنتظرها...

والآن هل ستسألون عن الجد بركان؟ها، ها، ها!

لقد قرصته ذبابة مؤذية فاستيقظ قبل أن ينام مائة عام.

نظر إلى الجزيرة واستغرب وغضب:

ـ ياه... يالحفيدي الشقي! لم أستطع تعليمه الشر.

وبدلاً من أن يقضي على الحياة صنع حياة من حممه.

وعاد الجد بركان إلى النوم.

لا أعرف كم عاش بعد ذلك.

رأى الناس في المدن والقرى أنه ما عاد يدخن غليونه فوق الجبل العالي. صاحوا جميعاً:

ـ خمد البركان!

وظل الرجال يذمّونه طوال قرون، وظلت النساء تلعنّه.

أما جزيرة البركان الطيب فيذهب إليها الأطفال كل صيف ليلعبوا ويرتاحوا.

يغنون هناك ويدبكون، ويصرخون:

ـ كان البركان الصغير طيباً جداً...

 

ـــــــــــ.

ملحوظة:

- المناجذ: نوع أعمى من الجرذان... مفردها خلد.

 

MMM


 

 

الرجل الذي أراد أن يكون له حافران

 

 

راجع أحد الرجال حسابه على النحو التالي وقال:

ـ يتهددني عذاب شديد!..عليَّ أن أعيش خمسين سنة أخرى. لا أتجاسر على التفكير ببساطة بأن عليَّ أن أنتعل حذائي وأخلعه عشرين ألف مرة، لا، لن أقبل مثل هذا العذاب!...

ووصل الرجل إلى نتيجة فحواها أن من الأفضل ألاّ يعيش. فأين هي لذة الحياة هنا؟

قال لنفسه:

ـ لو كنت ثوراً، أو حصاناً أو بغلاً لكانت حياتي أحسن.

كنت سأمضي عبر العالم بحوافر فلا أخلعها ولا أنتعلها.

وراح ينوح:

ـ ماذا سأفعل،  ماذا سأفعل؟ سأذهب الآن وأغرق نفسي!

ودّع الرجل أقاربه وذهب إلى النهر.

نظر أمامه فرأى بغلاً مقبلاً. لم يكتف صاحب هذا البغل بأن وضع في العربة كومة من الحطب بل جلس أيضاً فوق الحمل، وراح يدخن غليونه بهدوء. أما البغل فكانت تتشابك قوائمه تحت ثقل الحمل.

ووراء البغل كان حصان يجر عربة ملأى بالحجارة ـ متران أو ثلاثة أمتار مكعبة. كانت العربة ترسل صريراً محزناً، وكان صاحبها يهوي بالسوط على الحصان...

ثم رأى الرجل ثوراً في حقل. كان مربوطاً إلى المحراث، الثور يحرث، وصاحبه يخزه بالمنساس بين حين وآخر.

وقف الرجل في وسط الطريق وفكر ثم قال:

ـ يا ويلي، إنه لأمر مخيف أن أكون حيواناً منزلياً! صحيح أن الحيوانات لا تحتذي ولا تخلع، لكنها تحتمل الأثقال. الأحسن أن أعقل.

قال الرجل ذلك ولم يذهب إلى النهر الذي قرر أن يغرق نفسه فيه، بل استدار وعاد إلى منزله كي يعمل هناك عملاً نافعاً.

 

ddd

 


 

 

 

التنين الذي أهلك نفسه

 

 

ثمة كتاب فيه حكايات وصور ملونة وثمنه عشرون قرشاً.

في ذلك الكتاب ثلاث صفحات فقط. الحكاية الأولى: تحكي عن تنين يسبب للناس الكثير من المتاعب.

على الصفحة الأولى: نراه يزحف فيتلف البذور ويمنع الناس من شرب الماء. وكان الجميع يخافونه.

على الصفحة الثانية: نرى فتىً شجاعاً يهاجمه... وقد يتصور كل واحد منا كيف هلك التنين بسيف البطل.

لقد أعلن التنين منذ الصفحة الأولى قائلاً:

ـ لا! لن تكون نهاية الحكاية على هذه الشاكلة! لم يزل الوقت باكراً على النهاية.

وبعد أن قال ما قال رفع رأسه وفغر فاه المخيف ثم راح يرسل اللهيب من الصفحة الأولى إلى الصفحة الثانية.

وضحك التنين حاقداً:

ـ ها، ها، ها، سأحرق الصفحة الثانية الآن وأجعلها تتحول إلى رماد ودخان. لن أتحرك عن الصفحة الأولى. سأعيش سعيداً هنا وسأعذب الناس مادمت حياً.

وأشعل التنين الصفحة الثانية التي اجتمع فوقها الكثيرون من الناس لكي يتابعوا القتال عن قرب.

راح اللهيب يمد ألسنته إلى الأعلى وإلى الأسفل، إلى الأمام وإلى الوراء ـ وزاد السعير وتطاير.

وحين يندلع اللهيب لا يستطيع أحد إيقافه.

احترقت الصفحة الثانية. وكفت عن الاشتعال.

ولكن اللهيب امتد إلى الصفحة الأولى.

أحس التنين بحرارة شديدة ففح:

ـ آخ، يا ويلاه، لقد تصرفت كالحمقى! آخ، يا ويلي لقد اشتعل ذيلي!

وفهم التنين: لا يجوز اللعب بالنار!...

ولكنه فهم ذلك متأخراً.

واحترقت الصفحة الأولى كما احترقت الصفحة الثانية واختفت الحكاية كلها، فقد تحولت مع التنين إلى دخان ورماد.

kk


 

 

الغني والشمس

 

 

كان أحد الأغنياء يغتاظ كثيراً حين تغرب الشمس مختفية وراء التل. وكان يصيح:

ـ لم ينتهِ بعدُ حصادُ  حقلي، وهاهي ذي الشمس الملعونة تغادر السماء ويتوجه الحصادون نحو القرية.

واتخذ الغني قراراً جريئاً: ذهب في اليوم التالي إلى بيته ظهراً وأحضر من قبو البيت شبكة لصيد السمك ومضى مسرعاً إلى التل البعيد الذي تختفي الشمس وراءه مساءً.

نَمتْ فوق ذلك التل صنوبرتان كان الغني وكل الناس يرون الشمس تمر بينهما كل يوم.

ربط الغني طرف الشبكة إلى إحدى الصنوبرتين ثم بذل الكثير من الجهد وربط الطرف الثاني إلى الأخرى، ثم قال:

ـ هكذا، تماماً! لن تغرب الشمس اليوم! سوف تتشابك أشعتها مع خيوط شبكتي وسيبقى الحصادون يحصدون طوال الليل في حقولي مستضيئين بضوئها. وسيكدسون الكثير من الأكداس والأكوام.

عاد الغني إلى الحقل وراح ينتظر بنفاد صبر أن يرى كيف ستعلق الشمس في شبكة الصيد.

كان غنياً فعلاً، لكنه كان جاهلاً، فهل تستطيع شبكة واهنة أن توقف الشمس وتمنعها عن المسير!

اكتست الشمس بأضوائها القرمزية فجحظت عينا الغني الأحمق واعتراه الخوف من تلك الأضواء. تأوه مغتاظاً وقال:

ـ ويلاه، لقد أشعل الحريق الشبكة والصنوبرتين معاً!

لكنه لم يشعر باليأس بعد هذا الفشل.

حمل ذات صباح سلسلة حديدية ثقيلة ومضى، بلا تردد، إلى ذلك التل الذي تشرق الشمس من خلفه صباحاً.

مضى قدماً لا يتوقف والسلسلة الثقيلة فوق كتفه.

وظل يمشي ويمشي.

ثم أرسل ابتسامة من تحت شاربيه:

ـ حين تشرق الشمس سوف ألفُّ السلسلة حولها وأشدها إلى صخرة فلا تستطيع الغروب أبداً.

ومشى الغني ومشى، وحين بلغ التل أدرك أن الشمس قد ارتفعت كثيراً في السماء.

قال: وهو يعود أدراجه.

ـ لقد أفلتت مني، مرة أخرى، هذه الشمس الملعونة!

وجعله الفشل يشتعل غيظاً، ولكنه رأى الشمس تلمع في بحيرة بين الجبال فصاح:

ـ آه، وأخيراً وقعت في يدي! سأخرجك الآن من الماء! سأربطك بسلسلتي هناك على ذلك التل. ستضيئين لي ليلاً ونهاراً.

أرسل الغني صرخة ابتهاج عالية وألقى بنفسه في المياه العميقة من فوق صخرة شاهقة.

لا أعرف إن كان استطاع أن يربط الشمس أم لا، ولكن أحداً لم يسمعه بعد ذلك ولم يره أحد.

 

®®®

المذنـّبـات

 

 

ألف رادكو منذ زمن ذوات الأذناب هذه.

إنها تنتظر ليلاً ونهاراً مهومة نعساً...بعضها في خزانة وبعضها في إحدى الزوايا... وبعضها الآخر تحت مائدة المطبخ.

إنها أدوات نافعة.

نحن الآن في الشتاء والبرد شديد فيصيح رادكو:

ـ تلك الأداة ذات الذيل التي هناك ستبعث إليَّ الحرارة.

ويذهب البرد.

ويشعر رادكو بالجوع.

ـ أرى أداة مستديرة لها ذيل، إنها لن تخدعني، سوف أغلي عليها الحليب في الحال.

وترسل الثالثة من المذنبات له أغنية  والرابعة تكوي ملابسه...

أجل، هي مذنبات نافعة جداً... والأمهات والأخوات جميعاً سعيدات بها!

وعليَّ أن أقول لكم: إن رادكو يحبها ولا يخطئ حين يستعملها.

هل عرفتم  ماهي هذه المذنبات، احزروا ماهي؟

اسألوا والدكم أووالدتكم وأنا واثق من أن أياً منهما سيقول لكم:

هذه المذنبات السحرية هي الأدوات الكهربائية.

°°


 

 

عائلة الخضار

 

 

الأب الأول لهذه العائلة هو السيد السمين قرع....

زوجته القرعة تضع عقداً من عاشق الشجر وتقف على السياج الخشبي لترى ما يحدث عند الجيران.

ابنهما الأكبر باذنجان يصيح دائماً:

ـ أريد أن آكل! أعطوني!

وتعلن ابنتهما فلفلة:

ـ آخ، متى سأتقاعد؟

وتصرخ الابنة خسة:

ـ زوّجوني، أريد أن أصير عروساً!

تبكي الابنة "بقدونسة" بكاءً موسيقياً، وهي ابنة ماهرة...

ويحين وقت زواج الباذنجان... تأتي عروسه بمنديل أخضر، وهم، جميعاً، يدعونها "سلطة".

وتولد في أسرة الخضار أحفاد...

البصل هو أول المعمدين منهم مع أنه لم يكبر، يأكل رغيفاً ويظل يطلب..

الحفيد الثاني لم يكن هينّاً. لقد دعوه الثوم.

إنه مولود حاد الطبع. مذ كان في المهد بدأ يرفس ويندفع إلى الخارج للمشاغبة ـ يطارد القطط، والكلاب والبقرات.

الثالث لم يكن حفيداً بل حفيدة. سأحكي لكم ما حدث لها:

لقد أسموها بطاطا... وفي الثالثة  من عمرها كانت تنتعل خفين وتسير مع أخويها فوقعت وما زالوا يبكون عليها. صاح الأب قرع:

ـ يا ويلي من الأحفاد والحفيدات! لا مثيل لهم في القرى... سأصنع منهم جميعاً سلطة.

 

 

äää

 


 

 

كيف أعانتني آلتي الكاتبة

 

 

لم تتوقف آلتي الكاتبة عن الكتابة في يوم من الأيام. كتبت الكثير من الحكايات: حكايات عن القنفذ، وأخرى عن الثعلب، حكايات عن الحيوانات، وحكايات عن البشر... ومع ذلك لم تشعر بالتعب، وإليكم ما حدث بعد ذلك:

بدأت أكتب حكاية عن الأرنب الذي يبحث عن مكان يختبئ فيه من الذئب، وكان الذئب يركض وراءه ويعوي.

جلست أمام الآلة وتوقفت. كنت متعباً لكنني كتبت حتى شعرت بأن رأسي ثقيل جداً فاستلقيت على السرير كي أرتاح.

أغفيت وبقيت الحكاية غير مكتملة. لكن بقاء العمل في منتصفه لم يرضِ الآلة فقالت:

ـ هذا غير مقبول. سأكتب الحكاية أنا!

وفي حين كان الجميع  في أسرّتهم بدأت تدق الحروف ـ شاتا ـ باتا.

وسرعان ما أكملت حكاية الذئب والأرنب.

نهضت باكراً في صباح اليوم التالي وقرأت الحكاية ثم أمسكت رأسي بيديَّ.

كانت الآلة قد كتبت: "كان الذئب شجاعاً جداً. بعد عدة من القفزات لحق بالأرنب قرب شجرة سنديان باسقة، ضربه بيده الثقيلة ثم شرع يلتهمه.".

قلت متضايقاً:

ـ "من ألفَّ هذا؟"..

ولأن الآلة لا صوت لها فقد كتبت على الورقة "أنا".

قلت لها معاتباً: "كيف لم تشفقي على الأرنب؟".. فكتبت، من جديد، على الورقة:

ـ لا تهمني مشاعركم، أما أنا فأرى الأمر رؤية واضحة. حين يطارد الذئب الأرنب سيقبض عليه في نهاية المطاف.

لم أنبس بكلمة. كتبت خاتمة الحكاية ثانية، لكنني جعلتُ الأرنب العزيز يخدع الذئب وينجو.

 

ÊÊÊ


 

 

قيصر على المزلاقة

 

 

مر أحد القياصرة، وهو في نزهة قصيرة؛ بساحة للعب الأطفال. نظر إلى مزلقة ينزلق عليها الأطفال وقد احمرّت خدودهم  فرحاً، فصاح، قبل أن يفكر جيداً:

ـ أريد أنا أيضاً! أريد أنا أيضاً!

بدأ رجال من حاشيته يقنعونه قائلين:

ـ ماذا خطر لك أيها القيصر السعيد! استمع إلى نصائح حاشيتك الذكية: هذا لا يجوز السماح به. من سمع أو رأى قيصراً ينزلق على مزلقة!

لكن القيصر كان عنيداً:

ـ هيا، هيا! فلنسر، فلنسر!

ورضخت الحاشية... فهي لا تستطيع أن تمنع القيصر. طردوا الأطفال كلهم من الساحة.

أمسك القيصر بحاجزي السلم كي يصعد إلى مكان الانزلاق. صعد ببطء إلى أعلاها ثم جلس..نظر إلى الأسفل وصرخ فجأة:

ـ ويلاه، زاغ نظري، العالم يدور بي! أنزلوني من هنا سريعاً! ماذا تنتظر حاشيتي الفاسدة؟ ألا ترون أنني سأسقط!

وظلت الحاشية ذاهلة في الأسفل تسمع شتائم القيصر لها ولا تجيب. ولم يتجاسر أحد منها على الصعود إلى حيث يجلس القيصر.

بقي القيصر جالساً في مكانه زمناً طويلاً.

وفي لحظة أفلتت يداه الحاجزين، عن غير قصد، وانزلق، سريعاً على المزلقة وارتمى  على الأرض.

صاح الملك بحاشيته التي اجتمعت حوله على الفور:

ـ آخ، آخ، لقد أصيب أنفي بأذى! كيف سأحضر العرض العسكري يوم الأحد؟

كان أنفه القيصري مسطحاً تماماً. بدأوا على الفور يدهنونه بالمراهم. ثم ضمدوه ضماداً تدلى نصف متر أمام القيصر.

راقب الأطفال ذلك كله من مكمنهم وراء أجفان من الشجر كثيفة.

لقد أفرحهم ماحدث.

وقد ضحكوا كثيراً....

 

???


 

 

البالون الذي انتفخ ذاتياً

 

 

اشترى أهل أحد الأولاد لابنهم بالوناً يشبه الإنسان. للبالون رأس، ويدان، ورجلان مثل كل الفتيات والفتيان. وله أيضاً أنف وعينان وفم وأذنان.

لعب الأطفال بهذا البالون وفرحوا به كثيراً. وأحبوا أن يلعبوا فترة أطول  ولكن شوكة وخزت يد البالون الصغيرة.

وخرج الهواء منه سريعاً :"ش ـ ش ـ ش".

 قال الأطفال:

ـ لقد قضي على البالون!

ورموه قرب شجيرة مجفنة.

ولكن البالون لم يفكر بالاستسلام فقال:

ـ هه، لن تخيفني مصيبة كهذه!

وضع يده الموخوزة في فمه وراح ينفتح في الثقب بعد أن قال:

ـ فليحدث الآن ما يحدث! سأصبح عملاقاً ضخماً وسوف تأتون لرؤيتي حينئذ! سأنفخ نفسي حتى ألعب بالأطفال بدلاً من أن يلعبوا بي.

وراح ينفخ  وينفخ ... وراح يكبر ويكبر.

وبرز رأسه فوق الشجرة.

وهمس:

ـ القليل أيضاً! القليل أيضاً!

وراح ينفخ وينفخ ويهمس: " القليل أيضاً! القليل أيضاً!".

إلى أن انفجر وتناثر قطعاً صغيرة.

وأفزع انفجاره العصافير التي كانت في الحديقة كلها.

 

 

)))

 


 

 

تعداد لا نهاية له

 

عند جدنا ميخايلكو حمار صغير.. وعنده أيضاً كلبان.. وله ثلاثة أحفاد كثيري الحركة.

أربع غنمات تنط في زريبته. وهو يطعم خمسة خنانيص الخبز المنقوع صباحاً ومساءً. تنكش حديقته ست دجاجات داجنات. في عنبر مؤونته تروح وتجيء سبع فأرات معلوفات.

وتسير ثماني دجاجات روميات مثنى مثنى في حوش منزله. وعلى رفوف الخم تحط تسعة طيور أبو زريق...

وثمة عشر عنزات تصيح:

ـ ماع، ماع... ماع.... نحن مسرورات لأننا وحدنا هنا. ولأن الجد ميخايلكو لديه حمار صغير وكلبان، وثلاثة أحفاد كثيري الحركة، وأربع غنمات تنط في زريبته، وخمسة خنانيص تأكل الخبز المنقوع صباحاً ومساءً، وتنكش حديقته ست دجاجات داجنات.. وفي عنبر مؤونته سبع فأرات معلوفات تروح وتجيء وثماني دجاجات  تسير مثنى مثنى في حوش منزله... وعلى رفوف الخم تحط تسعة طيور أبو زريق..

وعشر عنزات تصيح:

ـ ماع، ماع، ماع، نحن مسرورات لأننا وحدنا هنا.... وإلى آخره، وإلى آخره.

 

;s;

كيف تعلمت الضفادع الكلام

 

أنتم تعرفون، جميعاً، أيّها الأطفال، أن الضفادع تكون صغيرة في البداية. تفقس من البيضة صغيرةً، صغيرةً كحبة القمح، ولها ذيل دقيق لا غير. وهي لا تعرف أن تقول  حتى كلمة "ماما".

وبعد أن تأكل حفنة من الذبابات الصغيرة تتحول إلى ضفادع صغيرة ذات أربع أرجل صغيرة رشيقة.

تكون أمهاتها حولها تداعبها وتعلمها السباحة. تقول الضفدع العجوز لصغيرها الذي تدربه:

ـ يجب أن تنقل الرجل اليمنى أولاً.

ويسألها:

ـ كيف، كيف، كيف؟

ـ ضع الرجل اليمنى في المقدمة، وابسط اليسرى إلى الخلف... هيا لقد أتعبتني.

ويسألها الصغير ثانية:

ـ كيف، كيف، كيف؟

ـ افعل مثلي، انظر! أنا واثقة من أنك ستنجح. ارفع  الآن رجلك اليسرى.

ويقول الضفدع الصغير:

ـ كيف، كيف، كيف؟

ولا يبقى ابن الضفدع أو ابنتها طويلاً على جهله. ويفرح الصغير..

إنه يسبح جيداً، لكنه ما زال يسأل:

ـ كيف، كيف، كيف؟

وأنتم تعلمون أيّها الأطفال أن في الإمكان التلاعب بالكلمات... نضيف  إلى الكلمة حرفاً جديداً أو أكثر على سبيل المثال.. فالضفدع الصغير بدلاً من "كيف، كيف، كيف"، يبدأ يقول: "كواك،كواك، كواك.".

لا تقول له أمه شيئاً. ويظل منذ الصباح حتى المساء يردد:

"كواك،كواك، كواك."

في النور وفي الظلام: "كواك،كواك، كواك."

وتصرخ أمه:

ـ سأصاب بالصداع من صراخك: "كواك،كواك، كواك." إنَّ رأسي يؤلمني.

وماذا في ذلك؟ فالضفدع الصغير يظل يردد هذه الكلمة.

وحين يحط مالك الحزين قربهما في المستنقع الكبير يصيح بأمه:

ـ عدو، عدو، عدو!

وتفهم الأم وتسرع إلى الاختباء تحت أحد النباتات المائية.

وكلما رأى الصغير مالك الحزين يصيح:

ـ عدو، عدو، عدو!

ثم يتلاعب بالكلمة فلا يقول: "عدو، عدو، عدو" بل يصرخ:

"عدواك، عدواك، عدواك."!.

ولا يتوقف الضفدع عن النقيق:

"كواك،كواك، كواك."

"عدواك، عدواك، عدواك."!.

وتفهم الضفادع الأخرى، فهي تعرف جيداً هاتين الكلمتين.

وفي الصيف، قبل مجيء الخريف، تحوّل الضفادع هاتين الكلمتين إلى أغنية.

تجتمع قرب النهر بين الأعشاب التي تنمو على ضفته، تصطف على شكل قوس، ويضج السهل بصراخها:

"كواك،كواك، كواك." و"عدواك، عدواك، عدواك."!.

 

òòò

 


 

 

الجرس دن ـ دن
والصرص
ار صر ـ صر

 

 

كان الجرس دن ـ دن مربوطاً إلى عنق التيس وكان مسروراً لذلك.

يقفز التيس مراراً فيزهو الجرس برنينه: دن، دن، دن.

لا يستغني التيس عن الجرس، ولا يستغني الجرس عن التيس.

أما ليلاً، حين ينام التيس، فيخفت صوت الجرس ويصمت.

أيُّ مكان لم يذهب إليه الجرس مع التيس! لقد تسلق الجبال وعبر السهل، وشاهد أماكن جميلة..

وفي يوم من الأيام دخل التيس دغلاً كثيفاً في الغابة.

ياله من تيس! لماذا فعل ذلك؟

دس رأسه بين الأغصان المتشابكة. اندفع إلى الأمام بقوة فشاء أحد الأغصان ـ عليه اللعنة ـ أن يحرم التيس من الجرس.

اعترض ذلك الغصن الشرير طوق الجرس. سُمع صوتٌ خافتٌ، فكأن الطوق قد قُطع بسكين، ووقع الجرس بين العشب.

حرر التيس رأسه من الأغصان، لكن الجرس لم يكن معلقاً إلى عنقه.

تلفت الجرس حوله، وقال لنفسه:

ـ سأبقى صامتاً إلى الأبد. لقد ضاع صوتي المرنان.

وبكى حزيناً كئيباً في وحدته.

قد يكون الجرس بكى طوال ساعة كاملة.

في ذلك الحين كان الصرصار وأمه يبحثان في جفنة قريبة عن مكان يقيمان فيه مسكناً.

اقترب الصرصار من الجرس ونظر إليه. تفحصه جيداً، وهتف مخاطباً أمّه:

ـ تعالي إلى هنا حالاً يا أمّاه! رأيت شيئاً لا أعرف ماهو.لكنه يشبه البيت تماماً.

اقتربت الأم من ابنها وقالت له:

ـ هذا جرس! إنّه يرن ويغني كالصرصار! فلنسكن فيه مادمت تراه يشبه المنزل. أسرع واجلب أمتعتنا!

وكان البيت جيداً للصرصار وأمه.

وكان الجرس سعيداً أيضاً، فحين يحل المساء ويخيم الظلام لا يبقى وحيداً تحت جفنة الشوك الهرمة بل يعلو صُداحه مع صرير الصرصار.

%%%


 

 

كيف أنقذ القنفذ الديكين؟

فُتحت أصابع الصبي الدقيقة كراسة مُليئة بالصور الملونة... في الكراسة حكايات ولوحات فيها صور حيوانات كثيرة: فئران، ودببة، وثعالب وعصافير، وديكة، وقنافذ ذات أبر حادة. 

وحين قلبت الأصابع صفحات الكراسة الملونة قالت السبابة للإبهام متنهدة:

ـ هذه الكراسة تستهوي الناس كلهم. فيها حكايات جميلة. لكن ديكين صغيرين يتقاتلان على الصفحة الثالثة والعشرين منها.

قال الإبهام:

ـ أجل، هناك صورة لذلك.. مؤسف أن يحدث مثل ذلك.

وبينما كانت الإصبعان تقولان ذلك انفتحت الصفحة الثالثة.

على هذه الصفحة كانت الثعلبة الماكرة ترصد أحد الطيور.

قالت الثعلبة:

ـ أو ـ و ـ و، هل أسمع جيداً؟ ديكان ـ يتخاصمان، سأقبض عليهما. تفصلني عنهما عشرون صفحة. يجب أن أذهب فوراً.

وعلى السطور يمكن السير كما على درجات السلم. ذهبت الثعلبة إلى الصفحة الرابعة. اندفعت مسرعة بين السطور....

قفزت عدة أسطر فرأت القنفذ يسير على دراجته الهوائية.

قالت الثعلبة: