العابلعب و جد و طفولة |
العابلعب و جد و طفولة دخل أبو مروان بيته، يحملُ سيّارةً حمراءَ، ودميةً جميلة.. أسرع إليه مروانُ، فقبَلهُ أبوهُ، وقال: - هذه السيارةُ لك يا حبيبي! - شكراً لك يا أبي! تناولَ مروانُ السيّارةَ، وسرعان ما جلس على ركبتيهِ، وأخذ يُسيّرها على البلاط، وهو فرحٌ مسرور.. انتبهتْ غادة، وركضت إلى أبيها، فقبّلها أيضاً، وقال: - وهذه الدميةُ الحلوةُ لكِ يا حبيبتي! - شكراً لك يا أبي! تناولتْ غادةُ الدمية الصغيرة.. نظرتْ إلى وجهها الجميل، وعينيها السوداوين، فأحبتْها كثيراً، وراحتْ تقبّلها، وتضمّها إلى صدرها، ثم صارت ترقّصها وتناغيها، وبعد فترةٍ، قالت لها: - لقد تعبت يا حبيبتي.. يجب أنْ تنامي.. أرقدتْ غادة دميتها، وغطّتها كي لا تبردَ، ثم قعدتْ بجانبها، تُربّتُ فوقها بحنان، وتحدو لها لتنام.. جاءها مروانُ، وقال: - أعطني دميتكِ يا غادة! - لا ترفع صوتكَ فتوقظها - أعطني إيّاها - لماذا؟ - سأركبُها في سيّارتي - ولكنّها نائمة - أعطني إيّاها - إنّها دميتي، ولن أعطيها - سآخذها غصباً - استمسكت غادة بدميتها.. نترها مروانُ بقسوة، فقطعَ رأسها! انفجرت غادةُ تبكي، حزناً على دميتها الحبيبة.. أفاق الأبُ من قيلولته، وحين عرف ما فعلهُ مروانُ، زعلَ وتغيّرَ وجهه. وجاءت الأمّ من المطبخ، وحين عرفتْ ما فعلهُ مروان، زعلتْ وتغيّر وجهها. نظر مروانُ إلى أبيه، فوجدهُ عابساً. نظر إلى أُمّهِ فوجدها عابسة نظر إلى أخته، فوجدها حزينة. نهض خجلاً، واعتذر إلى أبيه، وأمّهِ، وأخته. قال الأب: - اعتذرْ إلى الدمية الصغيرة! التفتَ مروان إلى الدمية، فرأى جسدها في ناحية، ورأسها في ناحية، قال محزوناً: - وماذا يفيدها الاعتذار؟! قال الأبُ ساخراً: - قد يعيدُ إليها رأسَها! أطرقَ مروانُ صامتاً، يرهقُهُ ندمٌ شديد.. ®®® تحرَّتْ قطراتُ المطر، من سجنِ الغيمةِ المظلم، وهبطنَ مسرعاتٍ نحوَ الأرض.. قالت قطرة: - إنّها لفرحةٌ كبرى، أنْ نتحرّر من أسرِ الغيمة. ردَّت قطرةٌ أخرى: - وما يفيدنا ذلك، إذا كنا سنموتُ بعدَ لحظات؟! قالت قطرةٌ ثالثة: - إذا أردنا الحياة، فلا بدّ من الاتحاد. أضاء الأملُ وجوهَ القطرات، وارتفعتْ منهنَّ أصواتُ التأييد: - نحبُّ الحياة - نكرهُ الموت - نريدُ الاتحاد - نريدُ الاتحاد حينما لامستِ القطراتُ الأرضَ، أسرعَ بعضهنّ إلى بعض، تعانقنَ بوئام، تلاحمْنَ بوداد، فشكّلنَ نهراً دافقاً، ازدانَتْ ضفتاهُ بالأزهار.. هرعَ إليه الأطفالُ، وهتفوا معجبين: - ما أجملَ هذا النهر! صار النهرُ صديقَ الأطفال.. عندَهُ يلعبون، وفي مياهه يسبحون.. قالت قطرةٌ حمقاء: - كم مرة سمعْتُ الأطفالَ يقولون: "ما أجملَ هذا النهر" أمّا نحنُ قطراتِ الماء، فلا يذكرنا أحدٌ، أفلا يعلمون أنْ لا قيمةَ لنهرٍ بغيرِ قطرات؟! أجابتْ قطرةٌ ذكية: - بل نحن يا صديقتي، لا قيمةَ لنا ولا حياةَ، لولا هذا النهرُ الذي يجمعنا - لن يثنيني قولكِ هذا عمّا قرّرْت - وماذا قرّرْتِ؟ - قرْرتُ الانفصال عن النهر - لا تفعلي يا حبيبتي! - لماذا؟ - أخافُ أنْ تموتي - لن أموت - الضعفاء – إذا تفرقوا – يموتون - لستُ ضعيفة - ما أشدّ غروركِ! تشبّثت القطرةُ الحمقاء بعنادها، وصعدتْ إلى الضفة، فهبّتْ عليها ريحٌ عاتية، جرفتها في طريقها، وبدّدتها في الهواء.. وفي اليوم الثاني، حاولتْ قطرةٌ أخرى، الانفصال عن مياه النهر.. تسلّقتْ صخرةً على جانبه، فأحرقها حرّ الشمس، قبلَ أنْ تبلغَ الشاطئ.. وفي اليوم الثالث، انفصلتْ قطرةٌ جديدة، وعندما صارت على الشاطئ، مرّ بها حمارٌ مسرعٌ، فداسها بحافرٍ صلبٍ، ومضى لا يلوي على شيء.. بعد ذلك.. أدركتِ القطراتُ جيداً، أنْ لا حياةَ لهنّ إلاّ بالاتحاد، ولم تحاولْ قطرةٌ أخرى، الانفصال عنِ النهرِ الكبير. ÃÃÃ في أرض بوارٍ، داخلَ جحرٍ دافئ، عاشَتْ أرنب مع صغارها، في أمانٍ وهناء.. وفي أحد الأيام، كان الأرنبُ الصغير، يتشمّسُ خارج الجحر، فلمحَ رجلاً مقبلاً. اختبأ سريعاً، ليراقبهُ من مكمنهِ.. اقتربَ الرجلُ، دخلَ الأرضَ، خطا بضعَ خطوات، اعترضتهُ الأشواكُ، توقّفَ عن المسير، سرَّح نظرهُ فوق أرضه البائسة، ثم قال: -يا أرضي الحبيبة! غداً سآتيكِ بمحراثٍ قاطعٍ، وأقلبُ عاليكِ سافلك، سأخلّصُكِ من الأشواك، وأجعلكِ جنّةً خضراء. هرع الأرنبُ الصغيرُ إلى أمّهِ.. أنبأها بما سمع، وتوسّل إليها أنْ ترحلَ بهم، إلى مكانٍ آخر. ضحكَتْ أمُّهُ، وقالت: - لا تجزعْ يا صغيري، فهذا رجلٌ يقولُ ما لا يفعل. مضى عامٌ كامل، عاد مالكُ الأرضِ ثانيةً، فوجد أرضَهُ أشدّ بؤساً وحزناً، قال: - يا أرضي الحبيبة! غداً سآتيك بمحراثٍ قاطعٍ، وأقلبُ عاليكِ سافلكِ، سأخلّصُكِ من الأشواك، وأجعلكِ جنةً خضراء سمع الأرنبُ الصغيرُ كلامَهُ، قفز مسرعاً نحو أمّهِ، أخبرها بما سمع، وطلب إليها الإسراع في الرحيل.. ضحكَتْ أمُّهُ، وقالت: - لا تخفْ يا صغيري، فما سمعتَهُ قولٌ عقيمٌ، ستذروهُ الرياح. مرّتْ أعوامٌ كثيرة، وفي رأسِ كلّ عام، كان الرجلُ يجيء، ويلقي نظرةً على أرضهِ، ثم يقول: - يا أرضي الحبيبة! غداً سآتيكِ بمحراثٍ قاطعِ، وأقلبُ عاليكِ سافلكِ، سأُخلّصكِ من الأشواك، وأجعلكِ جنّةً خضراء. وبالرغم من كلّ ما قال، ظلّتِ الأرضُ بوراً، تجرحُ وجهَها الأشواك. ذاتَ مساء.. أبصرَتِ الأرانبُ شاباً فقيراً، مفتولَ العضلات، يتفحّصُ أرجاءَ الأرض، ثم ما لبث أن مضى، بدون أنْ ينبس بكلمة. قالت أُمّ الأرانبِ في نفسها: -لا ريبَ أنّ هذا الشابَ، قد اشترى الأرض، من ذلك الرجل المهذار. أوجسَتْ منه خيفة، ولكنّها لم تُشعرْ صغارها. وفي الصباح الباكر، خرجَتْ من جحرها، لتبحثَ عن الرّزق، فرأتْ شاب الأمس قادماً، يسوقُ ثورين قويين، يجرّان محراثاً حادّاً، تبرقُ شفرتُهُ بريقاً.. انطلقتْ إلى جحرها، أنذرتْ صغارها بالخطر، وحثّتهم على الخروج، وهي تقول: - هيّا يا صغاري.. الآنَ، الآنَ، حانَ وقتُ الرحيل!
òòò
الجوّ هادئ ساكن، والليلُ مظلمٌ حالك.. وفي غرفةٍ صغيرةٍ، على حدودِ القرية، قعدتْ أمّ حنون، بجانب ابنتها فاطمة، تحكي لها حكايةً ممتعة، علّها تخلدُ إلى النوم. كانت النافذة مفتوحة، وعلى حافتها، استقرّ سراجٌ مضيء، ينصتُ إلى الحكاية، وهو مسرور. هاجمَ الليلُ السراج، ليطفئ ضوءهُ، ويدخل الغرفة، وحينما دنا إليه، تراجع عنه مذعوراً.. وبعد زمن يسير، أعاد الكرّة من جديد، فاحترقت أطرافُهُ، وارتدّ يائساً.. لم يستطع سوادُ الليل، أن يطمس نورَ السراج، وظلّ السراجُ مُتوهجاً، ينشر حولهُ الضياء.. اشتدّ غيظ الليل، فاستنجد بالريح، وطلب مساعدتها، في إطفاء السراج، فالنورُ والظلام، عدوّان لا يصطلحان.. وافقتِ الريحُ، وهبّتْ من رقادها، كفرسٍ جموح، واندفعتْ تركضُ معولةً، فاقتلعتْ شجيراتٍ صغيرة، وقصفت أغصاناً كثيرة، أمّا الحشائشُ الضعيفة، فقد حنَتْ رؤوسها خائفةً، فداستها الريحُ، وتابعت جريها، لا تلوي على شيء، فلم يسلم من شرّها إلا أشجارٌ عريقةٌ، تشبّثتْ جذورها بأعماق الأرض.. اقتربت الريحُ من السراج، فارتعشتْ أنوارُه من الذعر. قال السراج:
- أيتها الريحُ العاتية، أتوسّلُ
إليكِ، أنْ قالت الريح: - لن أدعَكَ تؤذي الليل قال السراج: - أنا لا أؤذي أحداً، إنني أنشرُ الضياءَ، على أمّ تحكي لطفلتها حكاية. قالت الريح: - لا تكثرنّ الكلامَ، فالليل صديقي، وهو أوْلى بمساعدتي. قال السراجُ محزوناً: - كنتُ أحسبُ أنّ الظلامَ ليس له أصدقاء! قالت الريح: - بل أصدقاؤه كثيرون قال السراج: - انتظريني ريثما تنامُ الطفلة، فإنها تخاف الظلام قالت الريح: - لن أنتظركَ لحظةً واحدة، إنني في عجلةٍ من أمري.. هجمتِ الريحُ على السراج، فنفختْ شعلتهُ، وأكبَّتْهُ على وجهه. بعد ذلك.. تعبتِ الريح، وقعدَتْ لتستريح.. قال الليل: - لن أنسى فضلكِ أيتها الريح! - دعكَ من هذا، ولْنحتفلْ بموت السراج. صرخ السراج: - لن يميتني شيء، وقلبي مملوء بالزيت. قالت فاطمة لأمّها: - لقد انطفأ السراج، أشعليهِ يا أمّاه، إنني أكرهُ الظلام. أشعلتِ الأمّ السراجَ، فنظر إليه الليلُ، وهو يتميّزُ من الغيظ، فقالت له الريح: - لا تغضبْ يا صديقي، سأعودُ إليه، وأقضي عليه. وسرعانَ ما ثارتِ الريحُ، فأغلقتِ الأمُّ النافذة، ليكونَ السراجُ في أمان، فعجزتِ الريحُ عن الوصول إليه، ومكثَتْ خارجَ البيت، تضربُ زجاجَ النافذة، وهي تهدّدُ وتعوي، والسراجُ يضحكُ ساخراً.. وبعد حينٍ، فترتْ قوى الريح، فانصرفتْ يائسةً، تجرُّ أذيالَ الخيبة.. أما الليل، فقد لملمَ جيوشَهُ، وولّى الأدبار، قبل أنْ تبرزَ الشمسُ، ويسطعَ النهار. ZZZ
طافَ نعمانُ، في أرجاء كرمِهِ، ثم عاد إلى البيت، وقال لزوجته: - لقد تلفَ عنبٌ كثير! -وماذا ستفعل؟ -سأشتري معصرةً، لعصرِ العنب - ومِنْ أين لنا ثمنها؟ - نبيع الكرمَ، ونشتريها - يحرسُكَ اللهُ، يا أذكى الرجال! باع نعمانُ كرمَهُ، واشترى معصرةً ضخمة.. مضَتْ أيّامٌ كثيرة، والمعصرةُ ساكنةٌ لا تعمل! قالتِ الزوجة: - يلزمنا عنبٌ، لتشغيل المعصرة. قال نعمان: - صحيحٌ والله! - مشكلتنا صعبة - ليستْ صعبةً أبداً - هل عندكَ حلّ؟ - نعم، نعم - ما هو؟ - نشتري كرماً - ومِنْ أينَ لنا ثمنه؟ - نبيعُ المعصرةَ، ونشتري كرماً. - يحرسُكَ اللهُ، يا أذكى الرجال! اشترى نعمان كرماً، يحوي عنباً وافراً.. وبعدَ أيامٍ، قال لزوجته: - ماذا سنفعلُ بعنبِ الكرم؟! - لا أدري والله! - اطمئنّي.. وجدتُ الحلّ - ما هو؟ - نشتري معصرة - ومِنْ أين لنا ثمنها؟ - نبيعُ الكرمَ، ونشتريها - يحرسُكَ اللهُ، يا أذكى الرجال! - وباعَ كرمَهُ، واشترى معصرة!! FFF
كانتْ أمُّ سلمى تصنع الكعكَ، وتبدعُ منه أشكالاً جميلة.. جاءتْ سلمى الصغيرة، أخذت قطعةً من العجين، وصارت تلعبُ بها.. قالت لها أُمّها: - ماذا تعملينَ بالعجينة؟ - ألعبُ بها. - لمَ لا تعملينَ شيئاً نافعاً؟ - ماذا أعمل؟ - هل تذكرينَ حرفَ "الدال"؟ - نعم، أذكرُهُ. - اصنعيهِ من العجين. - لماذا؟ - لكي أشويه لكِ. غمر الفرحُ سلمى، وصنعتَ دالاً كبيرة. أخذَتِ الأمُّ الدالَ، وزيّنَتْها باللوز، ثم أدخلتها في الفرن.. نضجتِ الدالُ، وخرجَتْ مُحمَّرةً. أسرعَتْ سلمى لتأخذها، فقالت لها أُمُّها: -إنها ساخنة، دعيها تبردْ! مدّت سلمى إصبعها، ولمستِ الدالَ الساخنة، فقفزَتْ وهي تصرخ: - أخ! قالتِ الأُمُّ: - هذا جزاؤك. - لماذا؟! - لأنكِ لم تسمعي كلامي. - كيف؟ - ألم أقل لكِ: إنها ساخنة؟! أدركَتْ سلمى خطأَها، ومكثَتْ تنظرُ إلى دالها، فيسيلُ لها لعابُها.. وبردَتِ الدالُ، فالتقطَتْها الأُمُّ، وقدّمَتْها لابنتها، فجعلَتْ تأكلها، وتقول: - ما أطيبَ الدال!.. سأعملُ واحدةً أخرى. - اعملي حرفاً آخر. - أيَّ حرفٍ تريدين؟ - الحاء. اقتطعَتْ سلمى عجينةً، وصنعَتْ حاءً كبيرة، وضعَتْ لها نقطةً في وسطها، وقالت لأُمِّها: - هذه هي الحاء، فاشويها لي. - لن أشويها. - لماذا؟ - هذه جيم، لا حاء! أطرقَتْ سلمى، تنظر إلى ما صنعَتْ، ثم أخذَتِ النقطةَ، ووضعتها فوق الحرف، وقبل أنْ ترفعَهُ، قالتِ الأُمُّ: - هذه خاء! تذكّرَتْ سلمى الحاءَ، فتناولَتِ النقطةَ، وعصرتها بيدها.. ابتسمَتْ أُمُّها، وقالت: -هذه هي الحاء، وسأشويها لكِ. قالت سلمى: -ضعي فوقها السمسم. ضحكتْ أُمُّ سلمى، ورشَّتِ السمسمَ على الحاء، ثم أدخلتها في الفرن مع الكعك.. وعندما أخرجتْهُ، اقتربَتْ سلمى، وشاهدَتِ الحاء، فراقَها منظرها، ولم تدعْها تبردُ تماماً، بل رفعتها إلى فمها، وقضمَتْ نصفها، في لقمةٍ واحدة.. قالتِ الأُمُّ: - كيف وجدْتِ الحاء؟ - إنها لذيذةٌ جداً. -هل شبعْتِ الآن؟ - لم آكلْ سوى حرفين! - بعدَ قليلٍ نتناولُ الغداء. قالت سلمى: - وماذا أعملُ الآن؟ - اكتبي وظيفتكِ الجديدة. - أيّة وظيفة؟ - حرف "السين".. أنسيتِ ذلك؟ - آه.. تذكّرْتُ، تذكّرْت. - قالتِ الأُمُّ مازحة: - ولكنْ إيّاكِ أنْ تأكليه! ضحكَتْ سلمى، وقالت: - المعلِّمةُ تريدُهُ على الدفتر، لا في المعدة!!
???
الحياة أخذٌ وعطاء.. أمّا ذلك البخيل.. فلا يعرفُ العطاءَ أبداً، ولا يحسن إلاّ الأخذَ، لذا كرهه كلُّ مَنْ عرفهُ. إذا سمع أحداً، يقول له: هات. أصمَّ أذنيهِ، ومضى معرضاً، لا يلوي على أحد، ولو كان المطلوبُ شربةَ ماء! وإذا سمعَ أحداً، يقول له: -خذْ. بسط يدهُ طامعاً، ولو نال تراباً! وكان يبخلُ على الناس، ويبخلُ على نفسهِ، فيقاومُ الجوعَ ما استطاع، حتى ينهدَّ حيلهُ، وتخور عزيمته، ويشعر بالخطر، حينذاك.. يذهب إلى السوق، فيشتري رغيفاً واحداً، ولا يشتري له إداماً، بل يأخذُ صنّارته، ويذهب إلى النهر، فيصطادُ سمكةً، ويحملها إلى مكان معزول، لا تقعُ عليه عينٌ، فيشوي السمكة، ويأكلها جميعها، لا يرمي منها رأساً ولا ذيلاً.. وفي هذا اليوم، مضى إلى النهر كعادته، وحينما وقف على الشاطئ، قفزَتْ أمام عينيه، سمكةٌ كبيرة، فلم يملكْ زمامَ نفسه، واندفع خلفها، يريد إمساكها، فزلقَتْ رجلُهُ، وهوى في النهر.. وكان لا يُجيد السباحةَ، فشرع يخبطُ بيديهِ، ورجليهِ، ويصرخُ ويستغيث.. أسرعَ إليه، شابٌ غريب، وناداه قائلاً: -هات يدَكَ. غضبَ البخيلُ، عندما سمع كلمة "هات"، ولم يستجبْ للنداء. وظلَّ الشابُّ يصرخ: هات يدَكَ! والناسُ يصرخون: أعطِهِ يدَكَ! ومع ذلك.. لم "يعطِ" البخيلُ يدَهُ، ولم يكشف الناسُ سرَّ رفضِهِ، فكاد يهلكُ غرقاً، لولا أنْ بادرَ إليه، رجلٌ من قريتِه، يعرفُ أمرَهُ جيِّداً، فناداهُ قائلاً: -خذْ يدي. عندما سمعَ البخيلُ كلمةَ "خذْ"، سرعان ما مدَّ يدَهُ، وقبض على يد منقذِهِ، وخرجا معاً إلى الشاطئ.. حينذاك.. كشفَ الناسُ سرَّه، فتحلَّقوا حولَهُ، وقالوا يُمازحونه: -لماذا لم تعطِنا يدَكَ، ونحنُ نناديك؟! قال البخيلُ حانقاً: -أنا لا أُعطي أحداً شيئاً! استغرق الحاضرون في الضحك، وشرعَ البخيلُ يلتفتُ حولَهُ، ويسألُ مدهوشاً: -لماذا تضحكون؟! ```
صباحَ العيد.. اشترى سامرٌ، بالوناً أحمرَ، وطار إلى البيت، فرحاً مسروراً.. سألَتْهُ أخته سمر: -ماذا اشتريْتَ يا سامر؟ -اشتريْتُ بالوناً أجملَ من بالونِك. أخرج سامرٌ البالون، وضعَ فوهته على فمه، وبدأ ينفخ فيه.. أخذ البالون يكبرُ، شيئاً فشيئاً.. صار مثلَ بطيخةٍ ملساء. مازال سامرٌ ينفخُ، وينفخ، وينفخ.. تألَّمَ البالونُ، وقال: - كفى نفخاً يا سامر! - ولمَ؟ - لأنّكَ تؤلمني كثيراً. - سأجعلكَ أكبرَ من بالون سمر. - ولكنَّني لم أعدْ أحتمل.. يكادُ جلدي يتمزَّق! - لا تخفْ، إنِّهُ ليِّن. قالت سمر: - سينفجر بالونكَ يا سامر! - لماذا؟ - لأنّ الضغط الكثير، يُولِّدُ الانفجار - أنتِ زعلانة لأنَّ بالوني أصبح كبيراً. - لستُ زعلانةً، أنا أنصحكَ. - لن أسمعَ نُصْحَكِ. نفخ سامرٌ نفخةً جديدة، فدوَّى أمامَ وجهِهِ، انفجارٌ شديد.. ارتجف جسمُهُ، وانتابَهُ الذعر. لقد انفجر البالون! قعدَ سامرٌ، نادماً حزيناً، يرنو بحسرةٍ، إلى بالون سمر.. قالت سمر: -أرأيت؟.. لم تصدِّقْ كلامي! قال سامر: -معكِ حقٌّ، لقد حمَّلْتُ البالونَ فوقَ طاقتِهِ. [[[
كانتْ سمكةٌ صغيرةٌ، تعيشُ في نهرٍ جميل.. النهرُ الكريمُ، غذّاها بطعامِهِ، وربّاها بحنانِهِ، حتى صارتْ كبيرة. السمكةُ لم تفارقِ النهرَ، ولم تعرفْ وطناً غيرَهُ. في مياهِهِ تسبحُ، وعلى أمواجِهِ ترقص، وفي أعماقه تغوص. النهرُ يحضنها بين ضفتيهِ، كأنَّهُ أُمٌّ رؤوم. عاشتِ السمكةُ، هانئةً سعيدة.. * * ذاتَ يوم.. قالت لها الضفدعة: - صديقتي السمكة! - ماذا تريدين؟ - هل شاهدْتِ الأزهار؟ - لا. - هل تعرفينَ الأشجار؟ - لا. - اصعدي إلى الشاطئ. - لماذا؟ - سأُريكِ أشياءَ جميلة. - أين؟ - في البستان. قالت السمكة: - أيكونُ البستانُ أجملَ من النهر؟! - نعم. - أنا لم أرَ أجملَ من النهر. - وهل خرجْتِ منه مرَّةً؟ - لا. - اخرجي، وشاهدي بعينيكِ. * * قفزَتِ السمكةُ إلى الشاطئ.. وحينما صارتْ على الرمال، شعرَتْ باختناقٍ شديد.. أخذَتْ تتلوَّى، وتتقلَّب.. جمعَتْ قواها، وزلقَتْ إلى الماء.. وعندما احتضنها النهر، عادت إليها أنفاسُها، وآبَ إليها نشاطها، فبدأَتْ تغوصُ، وتقفزُ، فرحةً آمنة.. صاحتِ الضفدعةُ: - لماذا رجعْتِ أيَّتُها السمكة؟! - النهرُ وطني، ولن أتركه. - اتركيه قليلاً، ثم تعودين إليه. - لن أفعل. - لماذا؟ - إذا تركْتُهُ فسوف أموت. - لن تموتي. - وما يدريكِ؟ قالت الضفدعة: -أنا أعيشُ تارةً في الماء، وتارةً في البستان. قالتِ السمكةُ: -أنا ليس لي إلاّ وطنٌ واحد. * * انصرفَتِ الضفدعةُ يائسةً.. وانطلقتِ السمكةُ، داخلَ النهرِ، ترقصُ وتغنِّي: يا نهري يا وطني الغالي يا أحلى كلِّ الأوطانِ لا أبغي غيرَكَ لي وطناً فالموجُ الأزرقُ بستاني
ôôô
في قديمِ الزمان.. عاشَ ملكٌ غريبُ الطباعِ، يظلمُ أهلَ مملكتِهِ، ويسلبهم أموالَهم، ويغصبهم محاصيلَهم، فأنهكَهم الفقرُ والجوع.. ذات يوم.. كانتِ الملكةُ تحادث الملك، فسمعتْ أصواتاً تستغيث.. أطلَّتْ من نافذة القصر، فرأَتْ على بابه ناساً كثيرين، أجسامهم هزيلةٌ، ووجوههم شاحبة.. شاهدَ الجائعون الملكةَ، فأخذوا يصرخون: - نريدُ أن نأكل. - نريدُ طعاماً. - أشبِعونا يوماً واحداً. - إننا جائعون. - إننا جائعون. رجعَتِ الملكةُ إلى زوجها، وقالت حزينة: - إنَّني لأرحمُ هؤلاء. - لا يستحقّونَ الرحمةَ - أعطِهم بعضَ ما جنَوْهُ بعرقهم. - لن أعطيهم شيئاً. - سيهلكون جوعاً! - لقد أجعْتُهم عمداً. - لماذا؟! قال الملك: -جَوِّعْ كلبَكَ يتبعك. قالتِ الملكةُ: -جَوِّع كلبَكَ يأكلك. ضحكَ الملكُ كثيراً، حتى ارتجَّ بطنُهُ المنفوخ.. قالتِ الملكةُ: -أتضحكُ والناسُ يألمون؟! شمخَ الملكُ بأنفهِ، وصاحَ بجندِهِ: -اطردوا الكلابَ عن بابِ القصر. تراكضَ الناسُ مسرعين، والجنودُ يضربونهم بالسياط.. صبرَ الجائعون طويلاً.. افترسَ الجوعُ كثيراً منهم. ماتَ أطفالهم على أيديهم، وهم يطلبون الطعام.. نفدَ صبرهم.. اضطرمَتْ نفوسهم غضباً. اقتحموا القصرَ، وقتلوا الملك. فتحوا مخازنَهُ.. وجدوها ملأى بحبوبٍ، قضوا أعمارهم في جمعها. حملوا منها ما استطاعوا، وعادوا إلى بيوتهم فرحين.. نظرَتِ الملكةُ، إلى زوجها القتيل، وقالت: -نصحتكَ كثيراً، وما أصغيت! وسالَ من عينيها، دمعتانِ حارّتان..
äää
كانت هدى الصغيرة، تكنسُ أرضَ الغرفة.. اندفعَ الهواءُ، وبعثرَ ما كنسَتْهُ. جمَعتِ الكناسةَ، مرَّةً ثانية. هجمَ الهواءُ، وفرَّقها |