|
لعب و جد و طفولة
قَالت الشَّمْسُ لأَزاهيرِ الحقُولِ في يومٍ من أيَّامِ الرَّبِيْعِ الصَّافِيَةِ:
إنني أُرْسِلُ إليكُمْ أَشِعَّتِي الذَّهَبِيَّةَ، وأُنعِشُ حيَاتَكُمْ بِكُلّ ما
وَهَبَنِي اللهُ مِنَ الضَّوْءِ والحَرارَةِ والقُوَّة، وأُرِيْدُ أن أَعْرِفَ من
كُلِّ واحِدَةٍ منكنّ: كم تُحِبّني؟ وكيفَ تعبّرُ عن حُبِّها لي...
... وعندي جائِزَةٌ واحِدَةٌ للجَوابِ الَّذِي سَأَخْتَارُه من بَيْنِ
أَجْوِبَتِكُنّ اليَوْم...
تَحَمَّسَ كُلُّ مَنْ في الحقل ليستجيب لنداء الشمس، ويتحدّثَ عن حُبّهِ لَها
ويقدّمَ دلائلَهُ علَى ذلك الحُبّ.. وتحاوَرْنَ في ذلك في ما بينهُنّ، وقَرّرْن أن
يُجِيْبَ الشمس منهن في ذلك اليوم عددٌ من أهل الفصاحة والبيان من أزهارِ الحقلِ
ووُروْدِهِ وزنابقِهِ وأَشجارِه المزهرةِ المُثمرة
... ... ...
قال الوَرْدُ: أَنا أَنتظِرُ زَمانَ الرَّبِيْعِ لكي أَظْهَر أمامَكِ في
أجملِ ثياب، وأحْلى مَنْظَر ... أَنَا لا أَتْرُكُ لوناً مشهوراً في الدُّنيا إلاّ
وأسْتَفِيْدُ مِنْهُ، وأَعْرِضُهُ عَلَيْكِ: الأَبْيَض، والأَحْمَر، والأَصْفَر،
والوَرْدِيّ، والبَنَفْسَجِيّ... وغيرها، لا يسبقني إلى هذا أَحد..
إِنَّنِي أَتَحَلّى بِمَلامحِ الجَمالِ وأَلْوَانهِ المُتَعَدِّدَةِ مِنْ
أَجْلِك!..
...
وقال البَنَفْسَجُ، وهو يبتسمُ للشّمسِ ابتسامةً صافيةً: أنا أقدّمُ على
حُبّك دَلِيْلَيْنِ كَبِيْرَيْنِ
: اخْتَرْتُ لوناً غريباً، مشعّاً، مُعْجباً، يَلْفِتُ الأَنظار، وَيبْهَرُ
العُيون.. فلوني لا نظير له.. ومن اسْمِي أَخَذُوا اسْمَ هذا اللَّون..
: ونَشَرْتُ عِطْري المُمَيّز، الذي لا يُشبهه عطرٌ في الدُّنيا، مِنْ مَحَبَّتِكِ
ولأَجْلِكِ..
وأقول لك شيئاً آخَر: لقد سَمّوني باسم الحَزِينِ من شدّة حُبّي لك..
وقال الفُلّ: أَنتِ ـ أيَّتُها الشَّمْسُ ـ تظهرين للَكْونِ بَيْضَاءَ
صافِيَةً: فيك مَعَاني الحُسْنِ والرَّوْعَة ... وأنا لا ألبس إلاّ الأَبْيَض
إكراماً لكِ ومَحَبَّةً فيك...
ولا أَجِدُ أَحْلى مِنَ الظُّهور باللَّوْنِ الأَبْيَضِ المُشْرِقِ عِند مقابلةِ
الأبيضِ الوَضَّاء...
وأنا آخُذُ من عَطائكِ العَظِيم، وأَصُوْغُه عِطراً رقيقاً لطيفاً، وأَنا أُهدِيْهِ
إليكِ محبّةً واعترافاً بالجميل
وقالت شَجَرةُ التُّفّاح التي كانت ممثّلةَ الأشجارِ المُثمرةِ في هذا
اليَوْم: أَيَّتُها الشَّمْسُ الجميلة: عند الصَّبَاحِ يَمْتَزِجُ فيكِ اللَّوْنُ
الأَبْيَض باللَّوْنِ الوَرْدِيّ وأَنا لَوَّنْتُ أَزهاري بِهذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ
معاً لِكَيْ أعْرِضَ عليك ما يُشبهُكِ ويماثِلُكِ قبلَ أَن يراكِ أَحدٌ.. ونَثَرْتُ
هذه الأزهار على أغصاني وفُروعي في مَنْظرٍ يُدهشُ الناظرَ إليَّ، وَيلِيْقُ
بِمَحبّتي لك..
وقال القِنْديلُ: أيَّتُها الشَّمْسُ الوَضَّاءَةُ التي تَهَبُنا ـ نحنُ
معاشرَ الأزْهارِ ـ هذه الألوانَ المُتَلألئة! إنَّ اللَّوْنَ الأزْرَقَ
السَّماويَّ هو لَوْنُ المكَانِ الفَسِيْحِ الّذي نَراكِ تَجْتَازِيْنَهُ
بأشِعَّتِكِ الجَمِيلة... وأَنا لوَّنْتُ أَزْهاري بلونِ زُرْقَةِ السَّماءِ من
أجلكِ أنتِ!..
لقد وهَبْتِني حلاوةً رائعةً رائقةً، ووهَبْتُكِ مِنّي محبّةً عظيمَةْ!..
وقال البَيْلَسانُ: أَنا ابنُ الرَّبيعِ. لوني أَبْيَضُ يحاكي لونك،
وزَهْرَتِي مُدَوّرةٌ تُشَابِهُ استدارَةَ وَجْهِكِ الجَمِيل.. ورائحةُ أزهاري
تَتمَنّى لو تَصِلُ إليك: شَوْقاً ومَحَبّةً!.. وكُلُّ مَنْ يَراني وقد ملأتُ
الجوَّ عِطراً، وملأتُ الأَعْيُنَ إِعْجَاباً لا يشبِّهُني إلا بِكِ... ويقولُ:
قُرْصُ البَيْلَسَانِ كَقُرْصِ الشَّمْسِ...
وقال الرُّمّان: زَهْرَتِي ـ أَيَّتُها المِعْطاءُ الكَرِيمة ـ اسْمُها
الجُنْبُذَةُ أو الجُلَّنَار.. وقد أخذتُ منك ـ أَيَّتُها الشَّمْسُ الصّافية ـ
صَفاءَ الاحْمِرَارِ، فظهَر الجُلّنارُ للدُّنيا فِي لونٍ غريبٍ بديعٍ..
وزَهْرَتِي في شَكْلِ المِصْبَاح... والمِصْبَاحُ ليسَ إِلاّ صُورَةً مُصَغّرةً
منك...
وقالَ الأُقْحُوَان: أنا أَزْهو بلونين متناسِقَيْن معاً:
ـ لون البَياضِ الصافي الذي يُشابِهُ بياضَ نوركِ الوهّاج
ـ ولون الصُّفرةِ الذي يُشبهُ أَشِعّتك عندَ الغُروب فأَنا أشِعُّ مثلك بأَلوانِ
البَهْجَة...
ومَنْ يرني يشاهِدْ شمساً صغيرة..
من حُبّي لك ـ أيتها الشمس العزيزة ـ صوّرتُ نفسي على هَيْئَةِ صُورتكِ
وقال الخُزَامى: أنا ملكُ اللّونِ الأَزرق: لوني جَميل وعطري فوّاح..
كُلَّما أشرقْتِ ـ أَيَّتُها الشمسُ الجَمِيلةُ ـ ازْدَادَ لَوْني إشراقاً ـ مثلك
ـ، وصَارَ عَبَقي جَذّاباً لكلّ مَنْ يَراني أَو يَتَنَسَّمُ عِطري...
وها أَنا ذَا أُقَدِّمُ كُلَّ شُهرةٍ وتَفَوُّقٍ هَدِيّةً خالِصَةً لَكِ..
وقامَتْ نَبْتَةٌ رشيقَةُ القَوام، مُعْتَدِلَةُ الطُّول، بارعةُ الكَلام،
حاضِرَةُ الجواب، وقالت بذكاءٍ عفويّ: سأكونُ صَرِيحَةً معَك: لَيْسَ لي رائحةٌ
فَوَّاحَةٌ، ولستُ فائقةَ الجَمال؛ ولكنّني أُحبُّك أَيَّتُها الشَّمْسُ العزيزة!..
تُرِيدينَ الدَّليل؟ أَقُولُ لك....
من حُبّي أنا لا أَنْظُرُ إلاّ إليك، ولا أُدِيرُ نَظَري عَنْكِ من وقتِ الشُّروق
إلى وَقْتِ الغُروب... لقد صِرْتُ مشهورةً في دنيا الزُّهورِ والعُطور بهذا
العِشْقِ الذي يَشُدُّني إليك...
تُرى أَهكذا يكونُ الحُبّ؟ وهل تَعْرِفِيْنَهُ مِنّي؟
ابْتَسَمَتِ الشَّمْسُ وخاطبت جُمْهُورَ الوَرْد والزَّهرِ والزَّنْبَقِ... وأنواع
الشَّجَر والنَّبات وقالتْ: تَقَبَّلُوا منّي الشّكر العَظِيْم.. إن ما سَمِعْتُهُ
اليَوْمَ هو دليلُ المَحبَّةِ والوَفاءِ... وهي مَحبَّةٌ مُتَبادلةٌ في ما
بَيْنَنا..
واسمَحُوا لي أَن أَعتذرَ بكلمة.. لقد قُلْتُ من قَبْلُ: لَيْسَ لديّ الآنَ سوى
جائزةٍ واحدةٍ... وكلّ زهرةٍ أَو وردةٍ أو زنبقةٍ أَو شَجرة أَو نَبْتةٍ تستحقُّ
على حُبّها وإخلاصِها جائزة.. أَرْجُو أَن تَعُدُّوا هذه الكلمة منّي شهادةً
بالمحبّةِ الدائمةِ... وأَنْ يكونَ اعتِذَاري مَقْبُولاً...
حَيّتِ الأَزْهَار الشَّمْسَ وودَّعَتْها..
والتفتَت إِلى زَهْرَةِ عَيْنِ الشّمْس وقَدَّمَتْ لها التّهنئةَ
.. .. ..
وفي هذا الوقتِ كانت قد حانَتْ ساعَةُ الغُروب
وعادَت كُلُّ زهرةٍ ووَرْدَةٍ وزنبقةٍ وشَجرةٍ ونبتةٍ إلى ما كانت عليه في انتظارِ
إِشراقةِ شمسِ يومٍ جَدِيد...

(2)
المَنْثُورُ النَمَّام
في قَدِيمِ الزَّمانِ، وفي منطقةٍ مُعْتَدلَةٍ من وَجْهِ الأرْضِ.. كان هُناكَ
حَدِيقَةً كَبيرَةٌ؛ وفي أماكِنَ مُتَفرّقةٍ منها يَتَدَفّقُ عَدَدٌ مَنَ
الينابِيع؛ ويَنْبُتُ في أنْحائِها، على امْتِدَادِها، أنواعُ الأَشْجارِ
والنَّبَات. وكانت أزاهيرُها وورودُها وزَنابِقُها مِنْ أجْمَلِ النَّباتاتِ
العِطْرِيّة في ذلكَ الزَّمانِ البَعيدِ...
وكانت الأطيارُ من كُلّ نوعٍ ولونٍ تَسْتَوطِنُ هذه الحديقة، وخاصّةً الحَمامُ الذي
يجدُ الأمْنَ والغِذاءَ، والمَنظَر الجميل. وكانتْ أحْسَنَ برّيةٍ تَقْصِدُ إليها
الفراشاتُ، وأنواعُ النَّحلِ، وغيرها: وتَأْلَفُ جداولَها وأشْجارَها وأزْهَارَها.
وكان بينَ الفَراشات والنّحل وغيرها وبينَ الأزهارِ منافعُ مُتَبادلة: فهؤلاء
: يأخُذون الرّحيْقَ الذي فيه مَعاشُهم وزادُهم،
: وهم ينقُلون رسالة الحياةِ من زهرةٍ إلى زهرةٍ، ومن وَردةٍ إلى وَرْدَة، ومن
زنبقةٍ إلى أُخرى...
كانت الأَزْهَارُ في الحديقةِ كثيرةً...
وكان المَنْثُورُ أو الخِيريّ ـ كما يُسمَّى أيضاً ـ أكْثَرَ أَنواعِ الزَّهورِ
انتِشاراً وأكْثَرَها ألوَاناً وأنْوَاعا...
ـ والمَنْثورُ نَباتٌ قويٌّ، شَدِيدُ التَّحَمُّلِ لِظُروفِ الجوِّ وتَقَلُّباتِهِ،
شديدُ المُقَاوَمَةِ للحشَراتِ الضَّارَّةِ،
والمَنْثُور نباتٌ حلوٌ، جميلٌ، مُشْرِقٌ في مَنْظَرِهِ، بديعٌ في نَشْرِ عُطورِهِ،
وهو مَتَنَوِّعُ الخَصائصِ والمَزايا...
ـ مِنْهُ ما يَبْقى سَنَةً واحِدَةً، ثم تَنْبُتُ بذورُه حينَ تُزْرَعُ من جَدِيد..
ـ ومِنْهُ ما يعيشُ طويلاً فَيُزهِرُ عاماً بَعْدَ عَام...
وكانت الحديقَةُ تَضُمُّ في أَرضِها الفسيحةِ من المنثورِ ما لا يوجَدُ مِثله في
أيّةِ حَدِيقةٍ أُخْرى...
وهكَذا صارَ المَنْثُور في الحديقةِ اسماً على مُسَمّى فانْتَثر في أرجائها
ولَوَّنَ أرضها الزاهية المخضرة بألوانه الكثيرة: من الأصفر والأحمر والأزرق
والبنفسجي...
وأبْهَج بِعُطوره الذكيّة الفوّاحة المميّزة..
وبسَبَبِ هَذه المَزايا التي عَرَفَها المَنْثُور من نفسِهِ: من الكَثْرَةِ
والتَّنَوُّع وجَمالِ المَنْظَر، وجودَةِ العِطْر: كانَ أحدُ أنْوَاعِهِ مُعْجَباً
بنفسِهِ مُتَكبّراً على الزُّهور من حَوْلِه، وعَلى بَعْضِ أبْناءِ جِنْسِه...
أُعْجِبَ المَنْثُورُ البَنَفْسجيُّ الَّلونِ بنفسِهِ إعجاباً شديداً، فاحْتَمَلَهُ
أبناءُ جِنْسِهِ، وجيْرَانُهُ أيضاً...
ولكنَّ الصِّفَةَ التي لم تَحْتَمِلْهَا الورودُ والزُّهورُ والزَّنَابقُ
والأشْجَارُ المُزْهِرَةُ، وسائِرُ النَّباتاتِ هيَ صِفَةُ النَّميمةِ التي اختصَّ
بها هذا النَّوْعُ مِن المَنْثُور...
كان يُحِبُّ أن يَنْثُر الكَلامَ وأَن يَحْكيَ عَنْ جِيْرانِهِ ما يعرفُهُ عنهم،
ورُبّما نقَلَ الكلام من واحِدٍ إلى واحِدٍ آخَر...
حاولَتْ أنواعُ المَنْثُورِ الأُخْرى، كثيراً، أَن تُغَيِّرَ هذه الصِّفَةَ
المذمومةَ فيه...
قال لـه بَعْضُهم: النِّمِيمَةُ صفةٌ سيّئةٌ من الصِّفاتِ والعادات.
وقال بَعْضٌ آخر: أنتَ لا تَسْتَفِيدُ مِنَ النَّميمةِ شيئاً لِنَفْسِكَ؛ وتِخْسَرُ
مَحَبَّة النّاسَ لكَ وحُسْنَ رَأيِهِمْ فيك...
وقال فريقٌ منهم للمنثور البنفسجي: لو استمرّت عادةُ النميمة فيك لصار الآخَرونَ
يَخْشَوْن صداقتك، ويخافونَ من الحديث إليك!..
لكنَّ المَنْثُورَ البَنَفْسَجي لم يُصْغِ إلى هذا النُّصْحِ، وذلكَ التَّنْبِيهِ
الرَّقيق...
كانت هذه العادة القبيحة قد تَمَكَّنَتْ منه، وضَعُفَت هِمَّتُهُ عن التخلُّصِ
منها...
والعاداتُ غيرُ الحَسَنةِ إذا تمكَّنَتْ من أحَدٍ غَيّرتْ نظرةَ الآخرينَ إليه،
وأنْزَلَتْ من قيمته بَيْنَهُم...
وصارَ كثيرٌ من أصحابِه وجيرانِه وغيرهم يُشيرونَ إليه إشارةَ خوفٍ وتَحْذير، وهو
باقٍ على عادَةِ النَميمةِ الذميمَة!..
اتَّفَقَتْ أنواعُ المَنْثُورِ على مُحَاسَبةِ المَنْثُورِ البَنَفْسَجيّ على
عَادةِ النَّميمَةِ التي لا يَتْرُكها؛ خَشْيَةَ أن يُؤَثِّرِ تصرُّفُه الشخصيُّ
هذا في سُمْعَةِ جِنْسِ المَنْثُور كُلِّهِ...
اختارَ كلُّ نوعٍ من أنواعِ المَنْثُورِ حكيماً من بَيْنِهم من أهْلِ الفِكْرِ
والرّأي والتَّدْبير...
اجتمعَ هؤلاء الحُكَماء وَجَعَلُوا واحداً منهم رئيساَ عليهم، وحَدّدوا وقتْاً
لِمُسَائِلَةِ المَنْثُورِ البَنَفْسَجيّ ومُحَاسَبتهِ...
انعقدت جَلْسَةُ الحُكَماء في الوقتِ المُحَدَّدِ؛ بعد أن استَدْعت المَنْثُورَ
البَنَفْسَجيَّ وشُهوداً يَشْهدُون في القضيَّةِ يَعْرِفُونَ هذا المُنْثُورَ
ويعرفونَ عاداته أيْضاً؛...
وكان في الشُّهودِ أنواعٌ من المَنْثورِ، والوَرْدِ، والفُلّ والنَّرْجِسِ
والياسمين؛..
وكان فيهم أيضاً عَددٌ من الفَراشاتِ والطُّيورِ الطَّنَّانةِ...
وشهِدُوا جميعاً على المَنْثُورِ البَنَفْسَجيّ بأَنّهُ: يُثَرْثِرُ ويكثرُ من
الكلامَ، وشهدَ بعضُهم عليه بالنّميمةِ المَذْمُومةِ...
وكانت الفراشاتُ التي حضَرت للشّهادةِ أكثرَ الشُّهودِ حِرْصاً على المَنْثُورِ
البَنَفسَجيّ وشفقَةً عليه...
قالت إحداهُنَّ لرئيسِ الجلسة: نعم كانَ يَنِمُّ، لكنّهُ لم يكن يقصِدُ إلى إيذاء
أَحَدٍ...
إنّها عادَةٌ تحكّمَتْ بهِ وسَيْطَرتْ عَلَيْه...
وسألَها الرئيسُ: أليستَ النّميمةُ ذَنْباً؟ قالتْ: بلى، ولكنّني أشهَدُ أيضاً
بأنّهُ طيّبُ القَلْب... وإذا عوقبَ فلتكن عُقوبَتُه مُخَفّفة...
استأذنَ المَنْثُورُ البَنَفْسَجيُّ من رئيسِ الجَلْسةِ فأَذِنَ لـه بالكلامِ
فقال...
يا سيّدي الرئيس: أنا أوافقُ على كلامِ الفَرَاشةِ النّبيلة؛ وأطلبُ الرأفة وتخفيف
الحكم!..
تداول الرئيس وأعضاء الجلسة، ثم أعْلَن المُقَرَّرات: قال:
أوَّلاً: المنثورُ البنفسجيُّ هو من بَني جنْسِنا ولا نَطْرُدُه عَنّا.
ثانياً: صفة النميمة صفة قبيحة لا تليقُ بمن هو أصيلٌ كريم.
ثالثاً: نحكمُ على المَنْثُورِ البَنَفسَجيّ بأن يصحّح خَطأه...
فَرِحَ المنثورُ البَنَفسَجيُّ وفَرِحَ لـه أصحابُه وجيرانه والفراشات اللواتي
يُحْبِبنَهُ... وأعلنوا فرحهم بصوت عالٍ...
... طلب الرئيس من الجميع السكوت والإصغاءِ إلى تتمة القرارات وقال:
ـ يُحْكَمُ على المَنْثُور البَنَفْسجيّ بأن يَتْرُكَ النّميمة الذّميمةَ نهائياً؛
ـ وأن ينثُرَ عطورُه الفوّاحَة إلى أبْعَدِ مدىً يستطيعُ أن يبعث بعطوره إليه...
ـ وأن يكونَ نمُّهُ بالعِطْرِ تعويضاً عن نَمِيمتِه القَديمَة...
ثم قال الرئيس: خُتِمَت الجلسة!
قَبِلَ المَنْثُورُ البَنَفْسِجيُّ بالحُكم؛ وصارَ يُخبّئ من عِطْرِ النَّهار
لعطْرِ الَّليْل حَتَّى يستطيعَ أن يُوصِلَ عطورَهُ إلى أبعَدِ مدىً مُمكنٍ في
هدْأَةِ الليلِ وسُكونِه... مع النسيمِ الرّقيق العَليل...
ومِن يَوْمِها غلبَ على المَنْثُورِ البَنَفْسَجيُّ اسمُ النّمّام...
أَو المَنْثُور النَّمَّام...

وسطَ سَهْلٍ فسيحٍ يَخْتَرِقُهُ نهرٌ عذبٌ كان هناك غابةٌ برّيّةٌ فيها من كُلّ
أنواعِ الشجرِ والنّباتِ... وكانت جَداولُ صغيرةٌ صافيةٌ تَجْرِي في أَنحاءِ
الغَابَةِ تَسْقِيْها، وتُشَكِّلُ بِرَكاً ومُسْتَنْقَعاتٍ تَنْبُتُ فيها أنواعٌ من
الزَّنابقِ والحَشائشِ، وتجولُ فيها أَنواعٌ من الأَسماكِ الصّغيرةِ والمُتَوسّطةِ
الحَجم...
كانَ كُلُّ شَيءٍ في الغَابَةِ جَمِيلاً حُلْواً، رائقاً، مُعْجِباً...
وعُرِفت الغَابَةُ بغابةِ السَّهل الأَخْضَر لأنها كانَتْ مشهورةً بأشجارها،
غَنيّةً بثمارِها وأَزْهَارِها، كثيرة الوُرود والزّنابقِ والنّباتات العِطريّةِ..
وكانَتْ مَزاياها كثيرةً جِدّاً: من جَوٍّ لطيفٍ، ومياهٍ عَذْبَةٍ، وأَشجارٍ
مُثمرةٍ، وأشجارٍ للزّينةِ...
ووجدَتْ بعضُ الحَيواناتِ الأَهليّة، وأَنواعٌ من الطُّيور مأوًى في الحَدِيقة،
وغذاءً تعيشُ به.. بل إنّ بَعْضَ الحَشراتِ ـ وخُصوصاً الحشَراتُ النّافِعَةُ ـ
وجَدَتْ في الغابَةِ مَلاذاً آمِناً، وعَيْشاً هانئاً وطَعاماً وفيراً...
وكانَ لونُ الغابَةِ من بعيدٍ أخْضَرَ، شديد الخُضْرَةِ: بِسَبَبِ كثافَةِ
الأَشجار، وحُسْنِ خُضْرَتِها، وكثرة أَشجارِ الزّينةِ والأَشجارِ المُثمرة؛ من
أَمثال: شجر الجَوْز، والتُّفّاح، والكَرز، والمِشْمِشِ، والخَوْخ، والدُّرَّاق
والإجاصِ، والتُّوتِ بأَنْوَاعهِ...
وكانت أصواتُ الحيواناتِ والطُّيور والحَشَراتِ تَصْدُرُ من جَوانب الغَابة،
وتبعَثُ فيها الحَيوِيَّةَ، والشُّعورَ بالحَركةِ الدّائمة..
وهَكذا كانَ المَنْظَرُ جَمِيْلاً، وكانت الأَصْواتُ مُؤنِسَةً، وإن اختلفَت
وتداخلتْ من أصواتِ الحيَوانات الأهليّة، وزقزقةِ العَصافير، وغناءِ البَلابل،
ونَوْحِ الحمام، وصَرِير الجنادِب...
وكانت الأشجارُ تروى من مياه الجداول، وتأخذُ من الأرضِ الطيّبةِ فَتَطُولُ،
وتتفرّعُ غُصونُها وفرُوعُهَا، وتَزْدَادُ أَوراقُها كلَّ يَوْمٍ خُضْرَةً
ونَضْرَةً، وتكثر ثمراتُها الطيّبة...
وكانت تلكَ الأشجارُ مَسكَناً آمِناً لأعشاشِ الطُّيورِ المُقيمةِ، وأماكنَ زِيارةٍ
عابِرَةٍ للطّيور المُهاجِرَةِ...
وكانَ في الحَشراتِ النّافِعَةِ التي تَأْلَفُ تلكَ الغابةَ في السَّهْلِ
الأَخْضَرِ دُوْدَةُ القَزّ، أو دُوْدَةُ الحَرِير...
ودُوْدَةُ القزّ دودةٌ من أكثرِ الحَشَراتِ فائدةً للإِنسانِ، وهي تَغْزِلُ من
غُدَدٍ خاصَّةٍ فيها مادّةً لَزِجَةً تغزلُ منها خيُوطاً... يأخُذُها الإنسانُ،
ويُصَنِّعُها ويُهَيّؤها لتصبحَ خيُوطاً صالحةً للنَّسِيج الحريري، وهُوَ مِنْ
أحْلى أَنواعِ النَّسِيْجِ وأكْثرها جمالاً...
هذه الدُّودةُ النَّافعةُ المفيدة ـ دودةُ القزّ ـ تحتاجُ إلى غذاءٍ خاصٍّ؛ فهي
تُحِبّ ورقَ التُّوت: تأكلُهُ وتعيشُ بهِ، وتتمكَّنُ بذلكَ من صِنَاعَةِ خيُوطِهَا
الحريريّة القَوِيَّةِ النَّاعِمَةِ.
... ... ....
اقتربتْ دُوْدَةُ القَزّ، أو دودةُ الحَرِير، التي كانت تعيشُ في تلكَ الغابةِ من
شجرةِ تُوتٍ كانتْ قريبةً إليها. ولمّا تجاوَزتْ الجِذع، في صُعودها، وصارتْ عندَ
الأغصانِ والفُروعِ وجدتْ أمامَها أشواكاً مُدَبّبةً؛ وحاولتْ أَن تَمُرَّ فوقها
فَوخَزَتْها وَخْزاً مُؤلماً..
.. ثم حَاوَلَت المُروْرَ مِن جَانِبها فلم تَسْتَطِعْ لكثرةِ الشَّوْك وقُوّتهِ..
وأصدرت هذه الشجرةُ من أشجار التوتِ أوامِرَها إلى أَشْوَاكها لمنعِ دُودة القَزّ
من العُبورِ، وأصدرَتْ أَوامِرَ أُخْرى إلى أَوْرَاقِها لتكونَ قاسيةً عليها،
مُرّةً، ومُزعِجَةً لآكِلها...
لقد أَظْهَرتْ هذِه الشجرةُ بخْلاً شديداً، وامتنعتْ من إطعامِ دُوْدَةِ القَزّ...
التي نزلتْ آسفةً حزينةً...
حَزِنَتْ دودةُ القَزّ لموقف هذه الشجرة منها، وأصابَها جوعٌ شديدٌ...
زحفتْ الدُّودةُ على أرضِ الغابَةِ فوجدتْ شجرةَ توتٍ أُخْرى. قالت في سِرّها:
سأجرِّبُ حَظّي مع هذه الشّجرةِ عسى أن تكونَ كريمةً فتسْمَحَ لي بأنْ أتناوَلَ
طعامي من بَعْضِ أوراقها... ونفّذت فكرتَها، فصعدتْ شجرةَ التُّوتِ الأُخرى...
فرحّبت هذه الشجرةُ بها، وفسَحَتْ لها في أغصانها وفروعها، وقدّمت لها من أوراقِهَا
مائدةً شهيّة...
شبعتْ دُودَةُ القَزّ فحمدت اللهَ تعالى، وشكرتْ لشجرةِ التُّوت الأَبيض حُسْنَ
ضيافتها...
قَبْلَ أنْ تغادِرَ دُوْدَةُ القَزّ شجرةَ التُّوتِ الأبيضِ الكريمةِ استأذنَتْ
منها أن تحلّ ضيفةً عليها كُلّما جاعَتْ. قَبِلَت الشَجَرَةُ دونَ تَردُّدٍ، وقالت
لها: تَسْتَطِيْعينَ أَن تحضري أَنْتِ وأَن تَدْعِي مَنْ تَشائِين مِنْ بَناتِ
جِنْسِك. سأكونُ وأخَواتي وبناتِ جِنسي من التُّوتِ الأبيض في استقبالكنّ دائماً...
الخَيْرُ عندنا كثيرٌ، وأنْتُنَّ مخلوقاتٌ نافِعَةٌ... فَلْنَتعَاوَنْ على طريقِ
الخَيْر... وعَمَلِ الخَيْر..
فرحت دودةُ القَزّ فَرحاً عظيماً، وأخبرتْ بَناتِ جنسِها في الغابةِ لِيَكُنَّ
ضيفاتٍ على أوراقٍ شَجرِ التُّوت الأبيض: التي صارت تُعْرَفُ باسم: شجرة توت القَزّ
احتراماً لكرمها. وضِيَافَتِهَا الدائمةِ لِدُودة القزّ صَانعة الحريرِ الرائعةِ...
أمّا شَجَرَةُ التُّوْتِ البَخِيلةُ ذاتُ الأَشْواكِ. والوَرقِ القاسِي فقد
نَبَذَتْها أشجارُ التَّوت الأُخْرى... وأشجارٌ أُخرى كانت على عِلمٍ بما جَرى
لِدُودَةِ القَزّ..
وصَل الخَبَرُ إِلى شَجَرةِ تُوْتٍ عتيقةٍ، مُعَمَّرةٍ، هي أَقْدَمُ شجرةٍ من هذا
النَّوع في الغابة... لم يُعْجِبْهَا ما صَنَعَتْهُ شَجَرةُ التُّوتِ البخيلة وقالت
لها:
أنتِ تنفعينَ للحمايةِ والوقايةِ والحراسَةِ... أَنت ذاتُ أشواكٍ نافذةٍ وفُروعٍ
قوية، وأَغصان متشابكة؛..
وأنتِ من اليوم شجرةُ تُوت العُلَّيْق، ومكانُكِ المُناسِبُ عند البوّابات وعند
أسوارِ البَساتينِ، وجُدرانِ الحَدائقِ والحُقُولِ... تنفعينَ الجميع إذْ تكونين
سِيَاجاً وحمايةً ووقايةً؛ والبارعُ القويّ من المخلوقات قد يستفيد من ثمرك أيضاً..
أَثْنَتْ شَجرةُ التُّوت العتيقةُ على كرَم شجرةِ التُّوت الأَبيضِ التي صارتْ
تُدْعى شجرةَ تُوت القَزّ... وشَكَرها ـ أَيْضاً ـ كُلُّ مَنْ في الحديقةِ من
عالَمِ الحَيوانِ وعالَمِ النَّبات... وعَرَفُوا لها فَضْلَ استضافةِ دُوْدَةِ
القَزّ.. وهي استضافةٌ صارَتْ دائماً، ثابتةً، في كُلّ حديقةٍ وكلّ بُستانٍ، وحيثما
وُجِدَتْ من أَنْحَاءِ الدُّنيا.
... ... ...
وقامت بين شَجرةِ التّوت الأَبيضِ وبينَ دودةِ القَزّ علاقة صداقةٍ قوية، ومَودّة
دائمة...
... ... ...
وجَنى الناس من تلك الصّداقة، وذلك التَّعاونِ فائدةً عظيمةً...

أعطتْ ملكة الزهُّورِ أَسْماءً لكُلِّ نوعٍ من الزُّهورِ التي تَمْلأ الغَابةَ
القََديْمةَ...
كانت إحْدى الزّهرات الجميلة، غائبةً، ونَسِيَتْها الملكةُ أيضاً، فبقيت دون اسم
تُعْرَف به بين النّباتات والزَّنابقِ والوُرود والزهور مدِّةً من الزَّمَن...
ولكنّها كانت زهرةً مهمّةً: يُمَيّزُها شكلها، وألوانُها، وحماسَتُها في استقبال
أَيّام العام كُلّه...
وكانت هذه الزَّهَرةُ مَحْظُوظةً بين رفيقاتها في الغابة. جِسْمُها متينٌ،
ووَرَقُها غَزيْرٌ، وزهَراتُها على الأغصانِ والفُروع كثيرةٌ جداً... وهي
سَرِيْعَةُ النُّموُّ، قَوِيَّةُ التَّحَمُّلِ، صَعْبَةٌ على أكثِر الحَشَراتِ،
وتقاوم الظروف الشديدة..
وهي نبتةُ تحبُّ الضَّوءَ، وتُحِبّ الشَّمْسَ، وتَنْموُ تَحْتَ أَشِعَّتها نموّاً
كبيراً ويجدُها الناظر إليها مشرقةََ اللَّوْنِ دائماً، حُلْوَةَ المَنْظَرِ،
كثيفةَ الزهر... لَيّنَةََ الأًغْصَان.
وهي رقيقةُ، جميلةٌ، حَسنةُ الصُّورةِ، مُرْهَفَةُ الإحساسِ، لطيفةُ، مألوفةُ..
إذا زُرِعَتْ عندَ بوًّابةِ المَنْزِل، أو الحديقة، ظَلَّلَتهُ، وأكْسَبَتْهُ
جمالاً فائقاً، وإطلالة مُحَبَّبَةً.
وإذا زُرِعَتْ في مَمرٍّ عَرَّشَتْ فَوْقَهُ، وصارتْ أَشْبَهَ بأقواسٍ النَّصر..
تُلْقي كل يومٍ عشرات الأَزْهار على الأرض فكأَنَّها الدَّراهم والدَّنانير...
وتعوّض ما نفضَتْه على أغصانها بأَزْهَارٍ ندية جديدةٍ...
بَمُنَاسَبِة عيدِ الزُّهور جَرى احْتِفَالَّ في الغَابةِ على شَرفِ مَلكةِ
الزُّهور فظهرت كل نبتة مزهرةٍ، وكلّ شُجَيرةٍ وشجرةٍ ذات أنوار وأزهار في أحْسَنِ
شَكْلٍ وأَبْهى حُلّة...
أمّا هذه النَّبْتَةُ الذكية، الرقيقةُ اللطيفة، فاستجمعت قواها للاشتراك في
الاحتفال، وعملت ما لم تَعْمَلْهُ من قَبْلُ: فأكثرتْ من فُروعها وأغصانها في مدّةٍ
قليلة، وزادتْ من إنتاج زَهَراتِهَا فظلّلت مكانَ الاحتفالِ وزَيَّنَتْهُ بألوانها
الزّاهية اللطيفة حتى لفتَتْ إليها الأنظارَ، بل أثارتْ عَلَيها شيئاً من حَسدِ
الحاسِدين كما نالَتْ إِعجابَ المُعْجِبينْ...
بعد أن عرفَتْ جاراتُ هذه الزّهرة مَزاياها، وخصائصها؛ وبعد أن شاهَدْنَ تدفُّقَها
وحَيويّتَها في مناسبةِ الاحتفالِ بملكةِ الزُّهورِ: أطلقَ بعضُهُنَّ عليها صِفَة
(المَجْنُونة)...بينما أطلق بعضهنّ الآخر صفة (الجَهَنَّمِيَّة) قال مَنْ سَمّاها
بصفةِ "الَمْجُنونة" إنّها استحقَّتْها بسببِ:
ـ قُدْرِتَها على النُّموُّ السَّريع؛
ـ ولأنها كثيفةٌ مٌتَشابكة الأغصَان؛
ـ ولأنها كثيرةُ الأوراق غزيرةُ الأزهار؛
ـ ولأنّها فريدةٌ في هذه الصِّفاتِ من بينِ أَزاهيرِ الغابَةِ، وهي كثيرةٌ جدّاً...
... ... ...
وقال مَنْ لَقَّبها بالجهنّمِيَّة إنها استحقّتْ هذا اللّقبَ، أو تلكَ الصّفة:
ـ لأنّها تحبُّ الشَّمْسَ كثيراً، ولا تَتَأذّى بها؛
ـ ولأنَّها تعشَقُ النُّور ولا تبالي بأشعة الشمس القويّة
وقد شاعَتْ عنها هاتان الصّفتانِ، أو اللّقبانِ، ومع مُرور الأَيّام صَارا
كالاسْمَيْنِ.
... ولما عاتبت بعضُ الأزاهير مَنْ لقبِ تلك الزَّهرةِ بالمَجْنُونة
والجَهَنّمِيّةِ كَان الجواب: نحن لا نريدُ إزعاجَها ولا الإساءَةَ إليها.. أليستْ
هيَ كثيرةَ القُوّة والنَّشاط والتَّحمُّلِ للشمسِ وحَرارَتِها وأشِعَّتها؟ أليستْ
أكْثَرنا عطاءً وأََغْزَرَنا زَهْراً؟...
..نَحْنُ لم نجد من الكلماتِ الدالّة عليها
أبلغَ من المَجْنُونِة والجَهَنّميِّةِ...
كانت الوردةُ الشاميّة تتحدّث على مسمع من تلك الزّهرة الذكية، وهي لا تدري أَنَّها
تسمع، وتقول في وصفها والثناء عليها:
هذه الزّهرة اللطيفةُ الرقيقةُ فيها صفاتٌ حسنةٌ كثيرةٌ، فهي تُسْرِعُ في
التًّعْرِيشِ على جُدرانِ المنَازلِ وفي الحدائقِ، والشًّوارعِ،وتُسْرعُ في نشرِ
أزهارها المُلَوَّنة الجَميلة، وتُكثِرُ من تغطيةِ الأرض بأزهارِها ليكونَ الطّريقُ
حقْاًَ مَفّرُوشاً بالأزاهير...
.. لقد صارتْ أشهر زَهْرَةٍ في الغابةِ.. وهي كريمةٌ أصيلةٌ.. لقد نالت رضى الجميع
قالت شجرَةُ البَيْلَسانِ وهي تَزْهُو بأزهارها الكبيرة المُسْتَديِرةِ: لماذا
سَمَّوهْا إذن: المجنونَة و الجهنميّةَ؟...
وقعت عبارة شجرة البَيْلَسان في سمع تلك الزهرة الأنيقة وصرفت انتباهها عن الحوار
بينها وبين الوردة الشاميّة وتساءلت: أهكذا أوصف عند أزاهير الغابة وورودها
وأشجارها؟
ولمّا كانت تتحلّى بالأناة والصّبر وحُسْنِ التّدبير قصَدَتْ إلى ملكة الزُّهورِ في
الغابةِ ورفعتْ إليها أَمْرهَا... وسألتها قبل أن تَبُتَّ في موضوع ألقابها:
أَيّتها الملكة العظيمة! ما الاسم الذي سَمَّيْتنِي به؟ فكّرت الملكة لحظة، وتذكّرت
أنها لم تُطلق عليها اسماًَ... نعم لقد فاتها ذلك، وغَلبَها في ذَلك المَوْقِفِ:
النِّسْيَانُ..
قالت الملكة: يا عزيزتي! اَعْتَذِرُ إليك فَقَدْ نَسِيْتُ أَن أُسَمِّيَكِ وقد كنتِ
أنتِ غائبةً أيْضاً، ولو حَضَرْتِ لَذَكَرْتُكِ!...
سكتت ملكة الزهور قليلاً، ثم التفتت إلى الزّهرة التي تبحث عن اسم؛ وقالت: اسمعي
منّي ما أقول لك: أنت معروفة في هذه الغابة أكثر من أيّة زهَرة أُخرى وإن لم
أُطْلِقْ عَليْكِ اسْماً.. وشيءٌ آخر: علمتُ أن مَنْ أَطلقَ عليك الاسْمَيْن لم
يقصدْ إلى الإساءة .. لقد طلبوا وَصْفاً لك فلم يَهْتَدُوا ـ بحسب معلوماتهم
وخبراتِهم ـ إلى غير هاتين الصّفتين...
كانت الزّهرة الذكية صامتةً وهي تستمع بإصغاء... قالت الملكة هل تسمعينني؟ قالت :
نعم !... قالت الملكة:
سَمَّوْكِ المَجْنُونةَ بِسَبَبِ صفاتٍ حسنةٍ فيك،وقد أطْلَقَ العَرَبُ على النخلة
هذا الاسم لأنها طويلة، شامخةٌ إلى الأعالي.. أفلا تَقْبَلِيْنَ أن تُشَبَّهِي
بالنًّخْلَةِ ؟ وأن تَتّخذي اسْمَها ولَقَبها؟..
وسَمَّوْكِ بالجَهَنَّمِيّة لأَنّك تَحْتَمِليْنَ من الحَرّ وأشِعَّةِ الشًّمْسِ ما
لا يُطِيْقُونَ مِثْلَهُ... وهذه مزيّةٌ اعْتَرفَ الجميع لك بها...
....
قابلت الزَّهْرَةُ الذّكيَّةُ كلامَ المَلِكَةِ بالسُّكُوْتِ والقَبُول... وعلمتْ
أن لهذَيْنِ الاسْمَين للنَّبات مَزِيَّةً وفَضْلاً وخصوصيةً وتَمَيُّزاً...
قالت الملكةُ للزَّهرةِ الذِكيَّةِ التي اشتهرتْ بالمَجْنُوَنةِ والجَهَنّمِيَّةِ:
إنّ مُكَاَفأَتَكِ على طبعك الحسَن وأخلاقك النبيلة أنك ستبقَيْنَ دائماًَ هكذا:
قادرةً على الارتقاء والارتفاع والنمّو السريع.. وسوف تنتجين من الأزهار ـ باستمرار
ـ ما لا يستطيعه أحدٌ كثرةً ولوناً وحُسْناً وجمالاً...
وستبقى أزهارك زاهية جميلةً رقيقةً... مادامت عليك، فإذا تخلّيت عنها لاستقبال
الجديد، حملتها الريح ـ لأنها خفيفة لطيفة ـ وذهبت بها لتَزيّن الأرض.. وكل اتجاه
تكونُ فيه..
... ....
قالت الملكة ـ قبل أن تودّع الزهرة الذكية التي غَلَبَ عليها اسم المجنَونَة،
والجَهَنّمِيَّةِ ـ :
وزيادة على ذلك فإنك ستمتازين عن غيرك بأن يصبح لديك القُدرة ـ دون تدخّل من أيّ
مخلوق ـ لينبُتَ على الغصن الواحد منك أزهار بلونين اثنين معاً...
صفةٌ خاصّة بك من بَيْنِ جاراتك تزدادين بها جمالاً وغرابة وإشراقاً... وإذا حَسَدك
أحد فلن يستطيع أن يسلب منك أية صفة أو مزيّةٍ أو مَلْمح جمال !..

في قَديمِ الَّزمان كانَ هناكَ بُستانٌ جميلٌ واسعٌ يمتدُّ عند سفح جبل أخضر،
تَسْقيهِ جداولُ عذبةٌ، وتسكنهُ الحيواناتُ الأليفةُ والطُّيورُ... وتنتشرُ فيه
الأشجارُ والشُّجَيْرَاتُ وينبتُ فيهِ أنواعُ النّباتات...
وكان أجمل ما فيه أنواعُ الوَرْدِ والزهر والزَّنبق..
-واشتهرَ بين البَساتين... بأنواعِ زَهرِ الياسَمِيْنِ، التي انتشرتْ في كُلِّ
مكانٍ، وزَهَتْ بأحْلى الأَلْوَان...
وكان فيها:
الياسمينُ الأبْيَضُ الّذي رَقَّ شَكْلاً وحَلا لَوْناً، وطابَ شَذىً...
تنظرُ إليه فيعكسُ إليكَ رُؤى الجَمالَ الصَّافِي..
وتَقْتَرِبُ مِنْهُ فيملأ نَفْسَك بَهْجَةً...
وتشمُّ عِطْرَهُ فيزيدكَ أُنساً وسُروراً
والياسمين الأَزْرَق الذي اقتبس من السَّماء صفاءَ الزُّرقة..
وأخذَ مِنَ البَحْرِ حَلاوةَ المَنْظَر
وأَخَذَ من الفَيْرُوز روعة الجَمال...
والياسمين الأصْفَر الذي اقْتَبس لَوْنَهُ من أشعّة الشَّمس عند الشروق... وعند
الغُروب، فكأنّ لونه انعكاس لَوْنِهَا..
واقْتَبَس حلاوتَهُ مِن سِحْرِ الرَّمْلِ المُمْتَدّ على مَدى الأُفق..
وأخَذَ تَلألؤه من الذَّهَبِ اللمّاحِ اللَّماع...
والياسمينُ الأَحْمَر... وكأنه اقتبس حُمرته من لهبِ النَّارِ بما فيه من تَوَهُّجٍ
ودفء وإشراق..
ونافسَ في الحُسْنِ والجَمال لَوْنَ الخُدود الخَجْلى.
هذه الأَنواع من الياسمين وغيره من الأزاهير المؤتلفة الألوان، والمختلفة أَحَبَّ
بَعْضُها بَعْضاً...
...وكان البُسْتان يَتّسِعُ لها جَمِيعاً، ويَفْخَرُ بِحُسْنِهَا وجمالِهَا فَخْراً
عَظِيْماً...
وكانت تتَنَافَسُ في ما بَيْنَها مُنَافَسَةً بَريئةً حُلْوَةً في تقديم الألوان
ونشر العُطور.
ووصلت شهرة هذا البستان إلى كل مكان
وعرفت البلاد القريبةُ والبعيدةُ باسم بُسْتان اليَاسمين...
وفي يومٍ من الأيّام، وبعد حوارٍ اعتياديّ يجري مِثْلهُ بين أنواع الزهور كل يوم،
حدث خلافٌ مفاجئٌ بين الياسمينة الصفراء والياسمينة الحَمْراء...
وقالت الياسمينة الصّفراء: أنا أَحْلى مِنْك، وعِطْري أَجْمَلُ من عِطْرِكِ وقالت
الحمراء للصفراء: بل أنا الأحلى وعطري الأَجْمَلُ...
وأَصَرّتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُما عَلى أَنّها الأكثرُ حَلاوةً من الأُخْرى؛
وأنّها الأجْمَلُ عِطراً..
ووصلتْ قِصَّةُ الخلافِ بَيْنَهُما إلى أنواعِ الياسمين الأُخرى، وإلى بقيّةِ ما في
البُستانِ من زَهَرٍ، ووَرْدٍ، وزَنْبَقٍ، ونَباتٍ...
وحاولَتْ زهورُ البُسْتانِ وورودُه وزَنابِقهُ وسائرُ أنواعِ النَّباتِ فيه أنْ
تُصْلِحَ بينَ الياسمينةِ الصَّفراء، وقريبتها الحَمْراء.. دون جَدْوى...
.. كانت كلُّ واحدةٍ منهما مُصِرَّةً على رَأيها، وكانتْ تُقَدِّمُ بُرهانَها على
وُجْهَةِ نَظَرِها، ما تظنُّه من صِحَّة رأيها...
وكُلّ واحدٍ يُعْجبُه رَأْيهُ، وقد يَتَعصَّبُ لـه أيضاً... وهذا ما كان بين
الياسمينةِ الصَّفراءِ والياسمينةِ الحَمْراء...
ويَجْدُرِ بِمَنْ يُعجِبُه رَأيُهُ أن يَسْتَمِعَ إلى نُصحِ عاقلٍ، أو مَشُوَرةِ
حكيم!
قال الورد الأحمر للورد الأصفر، وقد أقْلَقَهُمَا الخلافُ بين نَوْعَي الياسمينِ-:
"لِنُجَرِّبْ يا صَدِيْقي الإصلاحَ بَيْنَ الياسمينِ الأصْفَرِ والياسمينِ
الأَحْمَرِ... إنّهم جِيْرَانُنا ولَهُمْ عَلَيْنا حَقُّ الجِوَار... ولَعَلَّنا
ننجَحُ في مُحَاوَلَتِنَا...
... إنَّ اتّفاقَهُمَا يَزِيدُ الغابةَ بهجةً وإيناساً
قال الوردُ الأصفرُ: نعم... ويزيدها عطراً جميلاً...
اتّفَقَ الوردُ الأصفرُ والأحمرُ مع الياسمينِ الأصفرِ والياسمينِ الأحمر أن يلتقيا
عندَ نبعِ الماءِ الصَّافي..
.. وحين التقوا عرفا منَ المُتخاصمينِ أصلَ الخلافِ... إنَّهما في الحقيقة
يتنافسان: كلُّ واحدٍ يريد أن ينشرَ من العطرِ ما يُعجبُ ويَسرُّ أكثر من الآخرَ..
وكلُّ واحدٍ منهما يرى نفسهُ أكثرَ جمالاً وأطيبَ عِطراً!...
وحاول وَفْدُ الورد الإصلاحَ والتَّوفيقَ، مبَيِّناً فضلَ الصُّلْحِ على الخُصومة..
لكنّ إصرار كُلّ واحدٍ من نَوْعَي الياسمينِ كان قويّاً... واضطُرّا إلى العودةِ
دون تحقيقِ المصالحةِ المرغوبة... آسفينِ لإخفاقِ محاولَتِهما...
رجعَ الوردُ الأصفرُ والوردُ الأحمرُ من لِقاءِ الياسمين الأصفر حزينين لأنهما لم
ينجحا في مهمّة المصالحة التي سعيا في الوصول إليها والتوفيق بين القريبين
والصديقين المختلفين من نوعي الياسمين...
وفي الطريق وجَدا زهرة النَّرْجس مطرقةَ الرأسِ كأنَّها تنظرُ إلى الأرض تبحث عن
شيء... لكنّ إطراقها كان طويلاً... بادرَ الورد الأصفرُ بسؤال النَّرْجس وفي
صَوْتِه نبرةُ قلقٍ عليه: هل تبحث عن شيءٍ ضاعَ منك؟..
لم يَرُدّ النَّرْجس فقد كان مستغرقاً في التفكير...
اقترب الوردُ الأحمرُ من النّرجِسِ وسأله: هل أنت بخير؟ انتبه النَّرجسُ وقال:
آه! عفواً: شكراً لكما.. نعم أنا بخير والحمدُ لله...
أعاد الورد الأصفر سؤاله: هل ضيّعْتَ شيئاً وأنت تبحث عنه؟
قال النرجس: لا لم أضيّعْ شيئاً ولكنني أفكّر... بل كنت مستغرقاً في التفكير...
-قال الورد الأحمر: هذا جَيّد...
-قال الورد الأصفر: هل نفكّر معك، ونُسَاعِدُك؟
-قال: أريدُ أن تُساعداني... لقد فكَّرْتُ في اقتراحٍ أريدُ أن أَعْرِضَهُ على
الياسمينِ الأصفرِ والياسمينِ الأحمرِ...
-قال وفد الورد بصوت واحد: أنت ذكي أيّها النَّرْجِسُ فماذا تقترح؟
قال النرجس: وتساعِدَانني؟...
قالا: نعم.. بكلّ تأكيدٍ...
فكرتي بسيطة.. وهي سَهْلَةُ التنفيذ لو اتفق الياسمين الأصفر والياسمين الأحمر...
نقسم اليوم نصفين... نِصْفٌ لهذا منهما، ونصفٌ لذاك...
قال الورد الأصفر: هل توضّحُ لنا اقتراحك أَيُّها النَّرْجِسُ الذكيّ؟
قال: ينشر الياسمين الأصفر عطره نهاراً، وحده، ويمتنعَ الأحمرُ عن نَشْرِ عطرهِ في
النّهار... فإذا جاءَ اللّيلُ نشر الياسمينُ الأحمرُ عطرَهُ وَحْدَهُ، وامْتنع
الأصفر عن نشرِ عطرهِ في اللَّيل...
قال الوردُ الأحمرُ وهو يَهُزّ رأسهُ مُوافقةً وإعجاباً: يا لـه من حَلٍّ مُقْنِعٍ
ورأيٍ حكيم!
قال الورد الأصفر: هذا الحلُّ يُصْلِحُ بينَ المُختلفينِ ويعودُ بالفائدة والحُسن
والعطر على البستانِ أيضاً...
قال الوردُ الأصفرُ: أسرعْ باقتراحك إليهما أيها النّرجِسُ البارع!.. عسى أن يكونَ
الوفاقَ بينَهُما على يَديك...
قال الوردُ الأحمر: رأيُكَ هذا من تفكيرك السَّلِيم...
أنت مُصْلِحٌ جَيّد
قال النّرجس: وأين مساعَدَتُكما؟
قال الوردُ الأصفَرُ: لستَ في حاجةٍ إلى مُسَاعَدة.. فالرأيُ الصّحيح كالشّمسِ
المشرقةِ والبَدْر ليلةَ التَّمام.
قال النَّرْجِسُ: أخْشى أن يراني الياسمينُ الأصفرُ والأحمرُ صغيراً، وألاّ يلتفتا
إليّ..
..والصغيرُ لا يستغني عن الكبير، وإن كان ذا رأيٍ وتَدْبير..
قال الوردُ الأصفرُ للورد الأَحْمَر: النرجسُ على حقّ؛ وقد وَعَدْناهُ.. هلمّ بنا
مع النرجسِ إلى أرضِ الياسمينِ..
وانطلقوا جميعاً..
قال الورد الأصفر لنوعي الياسمين، وقد التقوا بهما: اسْمَحا لنا أن نقدم لكما
النّرجسَ الحكيمَ ليقدّم اقتراحاً نرجُو أن يكون مقبولاً...
قال الورد الأحمر: لقد أوتيَ النرجسُ قَدْراً عظيماً منَ الحِكْمَةِ...
وقَدْراً آخرَ من حُسن التّدبير... حبّذا لو سمحتما لـه بتقديم فكرته..
وافقَ الياسمين الأصفر، والأحمر.. وقال أحدهما للنَّرجسِ:
تفضّلْ بالكَلام أيُّها الضَّيفُ الكريم...
فتقدَّمَ النّرجسُ قليلاً، وألقى التحيّة، واعترف للياسمين الأصفر والأحمر
بالسَّبقِ والفضلِ والأهمية في البُستان ثم قال:
أَنْتُما صديقان وقريبان أيضاً، واقتراحي صادِرٌ عن رغبتي في بقاء مكانتكما بين
الزهور في البُستان، وهو يحفظُ لكل واحدٍ منكما حقّهُ ومكانَتَهُ وأسبقيَّتَهُ.
قال الياسمين الأصفر مبتسماً: لقد شوّقتني إلى سماع فكرتك...
وقال الياسمين الأحمر: هذه بداية طيّبة، وتدلُّ على عقل حكيم..
عَرَض النرجس فكرته... سكتَ الخصمان المختلفان لحظةً ثم التفت أحدهما للآخر وهو
يُضمر الرِّضى.. وينتظر موافقة صاحبه.. إنّه حَلٌ مُنصف، ويُبقي لكلّ واحدٍ منهما
مكانتَهُ وتفوّقه...
ولم يلبث المختلفان أن وافقا على الاقتراح...
وعاد الصُّلح بينهما.. وبارك الورد الأصفر والأحمر الاتفاق وشهدا مع النرجس عليه...
منذُ ذلك الحين صار الياسمين الأصفر يَنْشُر عِطْرَهُ، ويُرْسِلُ روائحه الحلوةَ من
حولهِ في النَّهار.
وصار الياسمين الأحمرُ يرسل عطرهُ وينشرُ عبقَهُ الطيّبَ في اللَّيل...
-واحتفظ الياسمين الأصفر باسمه كما هو..
وأضيف إلى الياسمينِ الأحمرِ اسمٌ آخر يدلُّ على تَمَيُّزهِ وخُصوصيّتهِ وذوقهِ
الرقيق... هو: ياسمين الليل.
ÌÌÌ
مضى أكثَرُ فصل الشتاء، وبقيت بَقيَّةٌ مِنْهُ ما تزالُ تؤثّر في الجَوّ، وتشعر
باستمرار هذا الفصْل من العام... لكنّ كُلّ شيءٍ في الدُّنيا كان يَتَهَيّأ
للانتقال تدريجاً إلى تبدُّلٍ وتَغيُّر..
وكانت تلكَ السَّنةُ التي نذكرُ هنا بعض أحْدَاثِها سَنَةَ خَيْر: كَثُرَت
الأمْطَارُ، وفاضَت الأنهِارُ، وسَالت الأَوْدِيَةُ؛ وارْتَوَت الأشجَارُ بعد عطش،
وامتلأت الآبار بعد نُضوب.
وفي سنَةِ الخَيْر تنتعشُ نباتاتُ الرعي والنّباتاتُ العطرِيَّةُ ذاتُ الأزْهَارِ
المُلَوَّنةِ الفائقةِ الجَمال...
وأدى كل شيءٍ في الكونِ واجب الشكر للهِ تعالى الذي أرْسَل السماء على الأرضِ
والناس وسائر المخلوقات مطراً مدراراً...
بَدأ الرَّبيعُ يَظْهَرُ على الشّتاء ويَحُلّ مَحَلّه شيئاً فشيئاً:
ـ قَوِيَتْ عَيْنُ الشمسِ، وصارت تَنْْشرُ الدّفء...
ـ وخَفّت اندفاعة الرَّياحِ، فصارت أخَفَّ حِدّةً، وأقلّ بَرْداً...
ـ وبَدأت المخلوقاتُ كلّها تَشْعُرُ أنّ النَّهارَ يطولُ تدريجاً فيُتيحُ لكلّ شيءٍ
على وَجْهِ الأرض أن يقتبسَ من أشعّةِ الشمسِ ويزداد قوّةً وحَيَويّةً...
وكانت أنواع النبات كبيرِها وصغيرها تُسهِمُ على مَهَلٍ في حِياكَةِ الثوبِ الجميل
الذي سيختالُ بهِ الربيعُ يوم الاحتفالِ ببدء فصلٍ جديدٍ من فُصول السَّنَةِ...
تَسابَقَتْ أنواعُ النّباتاتِ في الظُّهور غَضّةً طَرِيَّةً نَدِيّةً...
وصارَ النّاظِرُ يَرى لونَ الخُضْرَةِ بارِزاً في الحُقولِ والسُّهولِ والهِضَابِ
وأطْرَافِ الوِدْيَانِ وسُفوحِ الجِبَال.. هذا اللونُ الذي يُوحي بالتَّفاؤُلِ،
ويُعْلِنُ عن ولادةٍ جديدةٍ للحَياة..
ومِثْلَما تحرّكت النَّباتات للعودةِ من جَدِيد، مع مَوسِمٍ جَديدٍ، وتأهّبَت
الأشجار للاكتساء بكسوةٍ جديدةٍ جميلةٍ: كانت الطيورُ، وسائر الحيوانات تتَهَيَّأ
للحركةِ وتجديد الحَياةِ: كلّ نَوْعٍ بحسبِ نشَاطهِ وظُروفِه وطبائع أحْوَالِه...
وكانَ أولِ مبشّر بعودةِ الرَّبيع الطيرُ الدُّوريُّ الذي بَدأَت زَقْزَقَاتُه
تَملأُ المَكانَ من كُلِّ اتَجاه، وبدأ يجول في البساتين والحُقول..
حينَ احْتَفلت الدُّنيا بقدوم فصلِ الربيع كان في استقبالِه الأعْدادُ الكبيرةُ من
الكائناتِ، ولَبِسَت لاسْتِقْبَالِهِ الحُلَلَ الجديدة ذات الألوان الزاهية.. وكانَ
أجملَ ما خرجَ لاستقباله أنوارُ الأشجار وأَزاهيرُ النباتاتِ البريّةِ والمائيّة.
وظهرت كل زَهْرةٍ، ونَور، ووردةٍ، وزنبقةٍ في أحْلى صُورةٍ، وأبْهى مَنْظَر...
.. وانتثرت أنفاسُ العطور في كل اتّجاه...
وكان في الأزاهير التي برزت للاحتفاء بقدوم الرَّبيعِ زهرتان لَطِيفَتان رَقيقتان،
كانت إحداهُما إلى جانب الأُخرى مصادَفةً...
لقد كانت ألوانُ هاتينِ الزهرتين مختَلفةً، وأشكالُهما متباعِدَةً لكنّهما
استطاعَتا بسرعةٍ أنْ تتفاهما، ثم انقلبَ التَّفَاهُم إلى محبّةٍ قَويَّة،
ومَوَدَّةٍ عَمِيقَة...
وأشارت سائر الزُّهورِ والنَّباتاتِ في الهَضْبَةِ والسَّهْلِ وسَفْح الجَبل،
وأطْرَافِ الوادي إلى هذا الائتلافِ والانسجام بين الأُقحُوَان والحَوْذَانِ...
ونظر بَعْضُهم إلى بعْضٍ نظرة فيها فضُولٌ وفيها أيضاً إعجابٌ شديدٌ بهاتين
الزَّهرتينِ الصّديقتينِ..
قالت زهرةٌ بَريَّةٌ لرفيقةٍ لها: تُرى كَيْفَ الْتقى الأُقْحُوانُ والحَوْذانُ على
صُحْبَةٍ أكيدةٍ وصداقةٍ وثيقةٍ؟
قالت رَفيقَتُها: وماذا في تلكَ الصحبة؟
قالت الزهرةُ البَرّيَّةُ: ألا تَرين؟ الأقحوانةُ مُتَواضِعَةٌ هادِئَةٌ
والحوذانَةُ متعاليةٌ مُعْجَبةٌ بِنَفْسِها...
هزّتْ رفيقتها رأسها وقالت: نعم!.. هذا يَبْدُو لكلّ من يَراهُمَا لأوّل نظرة...
أضافت الزَّهرةُ البرّيَّةُ وهي تُحَاوِرُ رَفيقَتَها: انْظُرِي إليهما يا صديقتي
فزهرةُ الأُقحوان لها قُرْصٌ أصفرُ اللَّون، فاقِعٌ، تستديرُ حَوْلَهُ وُرَيْقاتٌ
بِيضٌ ناصِعَةُ البياض.. وزَهرَةُ الحَوْذانِ لها قرصٌ أسودُ اللون تستدير به أوراق
كبيرة حمراء قانيةُ الاحمرار....
التفتت الزَّهْرَةُ البريّةُ نحو صديقتها وهي تُقْنِعُها بوجهةِ نظرها؛ وتتابعُها
صَديِقَتُها على رأيها، وتقف مَعها تَعْجَبُ من هذهِ الصُّحبة الغريبة ـ من وجهة
نظرهما ـ بين الأُقْحُوَانةِ المُتَلألئةِ بالَّلونين الأصفر والأبيض،
والحَوْذَانَةِ الزاهية بالَّلونينِ الأسود والأحْمَر...
سكتت الزهرة البرية وصديقتها مدّةً يسيرةً، ثم قالت الصَّديقةُ: لكنْ! ألا تَرَيْنَ
أنهما جَميلَتان، وتكمّل إحداهما الأُخرى؟
كانَ الأُقْحُوانُ والحَوْذانُ قد أخذا حظّاً كبيراً من النُّمُوِّ والاكتمال، ومن
الانتشار في الأماكن المُعْشِبِةِ المُزْهِرَةِ على امتدادِ السُّهولِ، والسُّفوح،
والوديان، والحقولِ القريبة من العمران...
وبَدَت أزْهَارُ الأُقحوان مشرقةً بألوانها الصُّفرِ والبيضِ على جسدٍ أخْضَر هادئِ
الاخضرار...
وكانت أزهارُ الحَوْذانِ مَمْدُودة السُّوقِ ممشوقةِ القوام تزهر بتاجها الأَحْمَر
القاني الذي يراهُ الرّائي من مكانٍ بعيد، فَيَشُدّ انتباهَهُ، ويجذِبُهُ إليه...
وظهر لكلّ زهرةٍ ونبتةٍ وشجرةٍ صُحْبَةُ أكيدةٌ بين الأُقحوان والحَوْذانِ،
مستمرّةٌ على أحسنِ حالٍ من الصفاء والوفاء...
والصديقُ الحقُّ لا تغيّره الأيّامُ، ولا يَشْغَلُه صديقٌ جديدٌ عن صديق قديم، ولا
تُلْهِيهِ ظروفٌ عابرةٌ عن ذكرياتٍ أصيلة...
في يومٍ من أيّام الرَّبيعِ هذهِ خَرج الأميرُ النُّعْمانُ في رحلة صَيْدٍ بريّة...
وكان معهُ أفرادٌ من الحاشيةِ والحَرسِ والمرافقينَ ومُدَرّبي الصُّقورِ وكلابِ
الصَّيد...
اختَرَقَ الأميرُ وموكِبُهُ شَوارعَ المدينة، وخَرَجُوا إلى طرقاتِ البرِّ بين
الحُقولِ المُعشبةِ، ودخَلُوا في سُهولِ الباديةِ المشرقةِ بما فيها من خُضرةٍ
ونُضرةٍ ونباتاتٍ وزُهور...
أشار الأميرُ بيدهِ إلى المُرافقِ المُشْرِفِ على الرِّحلة، فتوقّفَ الرّكْبُ.
تَرَجَّلَ الأميرُ ونزَل كلُّ مَنْ كانَ مَعَهُ عَن دوابّهم. مَدَّ الأميرُ بَصرَهُ
وسَرَّحَهُ في الأرضِ المُعشِبَةِ المُزْهِرَةِ فَراقَهُ المنظرُ، وأعْجِبِهُ جداً،
ولفتَ نظره من بَينها أزْهارُ الحَوْذانِ التي كانتْ تَصْبِغُ الحُقُولَ بلونها
الأحْمَر العَجيب. ورفَع يَدَهُ عالياً وقال لقائدِ الحرس: أذيعُوا في النّاس:
قريبهم، وبعيدهم أنني حَمَيْتُ الأرضَ التي تنبت فيها هذه الزهرة الحمراء... هذه
الأرض كُلّها... قال رئيس الحرس: أمْرُ سيّدي نافِذٌ...
قبل عودةِ الأمير النُّعمان من رِحْلَةِ الصَّيدِ كان قَدْ نفَذ الأمْرُ العالي
بحماية الأرضِ الواسعةِ التي رآها، وانتشر فيها نباتُ الحَوْذان الذي كَثُرَ في
شقائق تلكَ الرّمال الخِصْبَةِ... وهي مَنابِتُ طيّبةٌ يَنْمُو فيها النباتُ
ويَقْوَى، ويَزْهُو زهواً كبيراً...
وانتقل أمرُ النعمان من أرضٍ إلى أرضٍ، ومن بلَدٍ إلى بَلدٍ. وعلم بهِ القاصي
والدّاني... وصار كلّ من رأى الحوذانَ قال: شقائق النّعمان... شقائق النّعمان...
ومع مرور الأيّام تلاشى اسمُ الحَوْذان وصار نسياً مَنْسِيّاًَ، وغلب عليه اللقب
الجديد شقائق النُّعمان وصار اسماً له....
وطارت شهرةُ شقائق النُّعمان، فهي زهرةٌ ذات خَصائص عالية وخِصَال جميلة، وكانت
حماية النعمان لأرْضها سبباً آخر مهمّاً في إشاعة شهرتها وذُيوعها...
مَرّت فراشةٌ على الأُقْحُوان، وكانت صديقةً له، فوجدتْهُ كئيباً حَزيناً... ولم
تَلْبَثْ أنْ عَرَفَتْ قصة الحاجزِ الذي ضَرَبَهُ الحرّاس، والقائمونَ على تنفيذِ
رغبة النّعمان الأمير في حماية أرْض الحَوْذان الذي صار اسمهُ شقائق النّعمان...
وأشفقت الفَرَاشَةُ على الأقحوان؛ وحزنتْ للصَّداقةِ التي حَجَزتْ دُونَها
الحَواجِز...
وأدْرَكها شيءٌ من الأسى على حالِ الصّديقين...
وعزمتْ على أن تجدَ حَلاًّ يؤدّي إلى لقائهما ولو بَعْدَ حين...
كانت الفراشة الوفيّةُ صَدِيقَةَ الرِّيح... فحدَّثَتْهُ بما يعاني منه الصَّديقان:
الأُقحوان وشقائق النُّعمان، واستجابَتْ لرجائها وقالت لها: سأَحْمِلُ في فصل
الخريف من بذور الأُقحوان وأُلقي بها في أراضي الشقائق... وأحمل من بذور شقائق
النعمان إلى أراضي الأُقحوان... ووَفَتْ الريح بوعدها للفراشة، وحملت البذور من كل
جهة إلى الجهةِ الأُخْرى...
نامت البذور في الأرض ارتقاباً لمجيء الشتاءِ والرَّبيع...
ومَرّ عام وجاء عام... ورَوّى الشتاءُ الأرضَ وسقى البذورَ...
وجاء الربيعُ بدفئه فنبَّه تلك البذورَ الغافية... ولما تنبّهتْ بَرَزتْ للشمس
والهواء، وما لبثت أنْ طالتْ وأزْهَرَتْ..
أمّا الزهورُ والورودُ والزنابق وسائر الأنوار والأزهار فلاحظت تلاقي الصديقين
القديمين: الأقحوان وشقائق النعمان... في تناسق وتناغم وانسجام...
وحامت الفراشة وأَخواتها حولهما... وجاءت الرّيحُ خفيفة عليلةً فطافت بهما حتى
تمايَلا... مزهوّين كما كانا من قَبْلُ متأنِّقَيْنِ في السُّهول والحقول والهضاب
وأطراف الوديان....
|