العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

كلمات البحر

 

خلف الجبال،

كان البحرُ يُلاطِمُ الصخورَ والشواطئ.. يُوزّعُ على الرمالِ والحصى أمواجَهُ، وأصواته، وحكاياتِهِ الكثيرةَ التي لم يسمعْها أحد.

ما زال البحر بين المدِّ والجَزْر..

للبحرِ قصصٌ يرويها كلَّ يوم، يتناقَلُها الموجُ والرملُ والحصى والفضاء والنجوم والليل والنهار..

-ألا تسمع تلك الوشوشةَ يا عصام؟

-تقصدين أصواتَ الأمواج؟

-بالضبط.. هل تستطيع أنْ تتخيّلَ ما ستحكيهِ لنا الأمواجُ؟: أسألُكَ أنا كاتبةُ القصة، فتَشْردُ وأنت تقرأ، وبسرعة تجيبني:

-ربّما تقول الأمواجُ: أنا حزينةٌ لأنّ البشرَ يلوّثون مياهي.. فالأوساخُ والنفاياتُ تُزعجني.. أو، تقول: أنا فرحةٌ لأنكم تعرفون السباحةَ، فتزورونني في العطل.. تلعبون، وتمرحون، وتبتهجون، فأمرح وألعب وأبتهج معكم.

تصمتُ قليلاً وتُفكّر.. فأسألُكَ:

-فقط هذه هي كلمات البحر؟!

تنظر إليَّ بعمق، وتجيب:

-أتوقّع أنّ البحرَ مليءٌ بحكايات قديمةٍ وجديدة مثلما هو مليءٌ بالمرجان والأسماك والمحار والنباتات والأسرار.. أذكرُ ما حكتْهُ لي جدَّتي ذات يوم.

-وماذا حكَتْ جدّتُكَ؟

تنظرُ في المدى مُسْتَذْكِراً، ثُمَّ..، تَسْردُ لي:

-ذاتَ يوم،

قضَيْنا نُزهتَنا في أحد الجبال المشرفةِ على البحر.. كانت الأشجارُ كثيفةً، والأعشابُ تهتزُّ مع الهواء.. والأزهارُ البريّةُ تفترش التربة بألوانٍ متعددة تُشعركِ وكأنّ العطرَ يفيضُ بالأخضرِ والأزرقِ والأحمر والليلكي والأبيض والأصفر والبرتقالي.. لَعبْنا بالمضارب.. والكرةِ، والأرجوحةِ التي نصَبَها والدي بين شجرتَيْن عملاقتين.. وعندما تعبْنا جلسْنا للطعام.. بعدَ ذلك، رحْنا نتأمل الطبيعة.. الدعسوقات الحمراءُ المنقّطةُ بالأسود كانت تسير على التربة، بين الحشائش، وعلى الجذوع والأغصان.. صوتُ العصافير والنوارس كان أنشودةً تشترك في تأليفها وعزفها أصواتُ الرياح التي تُسقط بعضَ حبّاتِ التوت البرّيّ عن الأشجار.. يومَها.. ركضتُ وراء الفراشات.. راقبتُ النمل وهو يعمل دون تعب.. حدّقتُ إلى السماء الجميلة وهي تحضن الشمسَ الذهبية.. طيورٌ كثيرة ومتنوعة كانت تحلّق.. وفجأةً..

سمعتُ صراخَ أمي.. ركض أبي وأخوتي وجدتي.. ركضتُ إليهم.. كاد أخي الصغير يغرق لو لم يرمِ أبي نفْسَهُ في البحر وينتشله من الموج.. وبعدما حَمدْنا الله على سلامة أخي، قالت جدتي:

البحر يحبّ الإنسان الجريء. البحارة والصيادون والغواصون أصدقاءُ الموج.. لأنهم شجعان.. وأنتم أيضاً..

-وهل أنا مثلهم شجاع يا جدتي؟: سأل أخي الصغير الذي ارتاح قليلاً بعد الإنقاذ.

قالت جدتي:

-طبعاً وأنت أيضاً لأنك غامرْتَ وخضْتَ في البحر.. لكنْ، مَنْ لا يُجيدُ السباحةَ، عليهِ أنْ لا ينزل وحيداً إلى الموج، لأنه سيغرق.. وسيُسبِّبُ لأهلهِ حزناً دائماً..

لحظتَها، خجِلَ أخي واعتذر للجميع، هنا، تدخّلتْ جدتي ونظرتْ إلينا قائلة:

-سأروي لكم حكايةً عن البحر.

سكتْنا كُلنا، وأصغَيْنا بانتباهٍ وشوقٍ شديدَيْن لكلماتِ الجدة المصحوبةِ بسُعالٍ خفيف:

-في سالف الأزمان،

كان البحر دائمَ التوتّرِ والهيجان، يُغرق البشرَ والمراكب.. وكانت مدينة من المدائن القديمة تعاني كثيراً من هذه المأساة.. لم يُفلح السَّحَرةُ والمشعوذون في تهدِئةِ البحر..

وعندما احتار أهل تلك المدينة في أمرهم.. أرسلوا وفداً منهم إلى المعبد..

كان كاهنُ المعبدِ رجلاً عجوز، مُلْتَحِياً، طويلَ القامة. فتَحَ للوفْدِ بوابةَ المعبدِ المزخرفة، المضاءة بالشموع، واستقبلَهُ في قاعةٍ يتصدّرها تمثالٌ ضخم..

قال أكبر رجلٍ من الوفد:

-أيها الكاهن، ألا تعلم كيف نكسب صداقةَ البحر؟

هزَّ الكاهنُ رأسَهُ، فارتجفتْ لحيتُهُ، وتمايلَ لهبُ الشموع القريبة من التمثال. وبوقارٍ، حرّكَ شفتَيْه:

-أعلم كيف يكسب الإنسان صداقة البحر..

-ما دمْتَ تعلم، فلماذا تَدعُنا نُلاقي كلَّ تلك الكوارث؟: سأل واحدٌ من الوفد.

صمتٌ مخيف ساد في القاعة، لم يقطعْهُ غيرُ خطواتِ الكاهن الذي دخلَ إلى غرفة أخرى، ثم خرج ومعه حمامة..

جلس الكاهن على كرسيّه، حاضناً الحمامة بيدَيْهِ، وقال:

-إنّ البحر يطلب أُضحيةً.

-نحن مستعدون: بصوت واحد، قال أفرادُ الوفْد.

-ولكنّها أُضحيةٌ بشرية.. عليكم أنْ تضحّوا بشخصٍ منكم كلَّ سنة.

ارتبكَ رجالُ الوفد. تشاوروا في كلامِ الكاهن، ثم وقف كبيرُهُم ليقول:

-نحن موافقون.. فمَنْ منّا سيكون الأُضحية الأولى؟

قال الكاهن:

-هذا ما سيقرّره التمثال. سأُطلِقُ الحمامة في فضاء القاعة، ستدور ثلاث مرّاتٍ حول رؤوسنا، وستقف على رأس التمثال.. فإذا تحرّكَ رأسُ التمثال نحو اليمين ونزفتْ عينُهُ اليُسْرى دماً، فيعني ذلك أنّ البحر يريد دائماً ابنةَ واحدٍ من أهل المدينة، وإذا تحرَّكَ رأسهُ نحو الشمال وذرفتْ عينُهُ اليُمْنى دمعاً، فهذا يعني أنّ البحر يريد دائماً ابنَ واحدٍ من أهل المدينة.

-وما المقصود بـ(دائماً)؟: استفْهَمَ رجلٌ متوسّط العمر.

-أي، على أهل المدينة أنْ يضحّوا كلَّ سنةٍ بفتاة إذا تحرّك رأسُ التمثال نحو اليمين، بينما يضحّون كلَّ سنة بفتىً إذا تحرّكَ رأسُ التمثال نحو الشمال.

ولما قبِلَ الوفْدُ بهذا الحل، أطلق الكاهن الحمامة..

 

رفّتِ الحمامةُ البيضاء المكحّلةُ بسوادٍ شفيف في فضاء القاعة، دارتْ ثلاثَ مرات حول الرؤوس، وما إنْ وقفتْ على رأس التمثال، حتى استدار نحو اليمين ونزفتْ عينُهُ اليسرى دماً سالَ على وجه التمثال وذقنهِ وخصْرهِ وقدمَيْهِ..

شكَّل الدمُ بقعةً كبيرة..

ولم يتوقف النزيف حتى طارتِ الحمامة عائدةً إلى الغرفة.

-وكيف سنختار الأضحية؟

أجاب الكاهن:

-بعد ثلاثة أيام، وقبل الغروب بقليل،

تجمعون كلَّ فتيات المدينة على أحد الشواطئ، وسأطلقُ الحمامة.. والفتاةُ التي تقف الحمامة على رأسها ستكون الأضحية المباركة.

رضي الوفد بهذا القَدَر. ودّعوا الكاهن، وبمنتهى الحزن، رجعوا من حيث أتوا..

كان الناس ينتظرون.. وصَلَ الوفْدُ، وأخْبرَ سكان المدينة بالحلّ..

ثلاثةُ أيام سوداء مرّتْ على المدينة.. خلالها، لم يخرجْ أحدٌ من بيته.. كلُّ عائلة كانت تودّع بناتِها الوداع الأخير..

انتهتِ المُهْلَةُ،

وفي اليوم الثالث كانت فتياتُ المدينة مجتمعاتٍ على الشاطئ الرملي.. بينما اصْطَفَّ أهل المدينة مثل سور عظيمٍ حول الفتيات..

كان الأهل يجهشون بالبكاء.. والفتيات كُنَّ ينظرْنَ بحُزنٍ وخوف.. وحدَها ابنةُ الملك كانت تبكي..

بعد قليل،

سيكون الغروب ضيفاً على البحر والجبال والغابات والصحارى والقرى والمدن..

وصل الكاهن ومعه الحمامة..

ازداد الرعبُ في قلوب الجميع، ما عدا فتاة واحدة بدأت تبتسم.. وبين سكونِ الناس وصوتِ البحر، أطلق الكاهنُ الحمامة..

حلّقتِ الحمامة بعيداً.. فوق المراكب الراسية، فوق أشجارِ الغابة القريبة، فوق الرؤوس..

كانت أشعّةُ الغروب تتخلّل أجنحة الحمامة وتصل إلى الموج وعيونِ الناس.

بسرعة أكبر، حلّقت الحمامة فوق رؤوس الفتيات.. حلّقت مرتين، وفي الثالثة حطّتْ على رأس الفتاة المبتسمة.. فصرخ أبواها وركضا إليها..

كانت الفتاة ابنة وحيدة لعائلة فقيرة.. علّمتْها أمّها الصبر، ووالدها الصياد علّمها كيف لا تخاف البحر..

وقبل أن يصل والداها إليها، رمَتِ الفتاة نفسَها في الموج و.. سبحتْ..

موجةٌ تغطّيها، موجةٌ تقذفُها، وموجةٌ تسحبُها إلى أعماقها.. سبحتِ الفتاةُ حتى غابتْ عن العيون. أُمُّ الفتاةِ كانت تذْرو الرمل على رأسها وتصرخ.. ووالدها كان يبكي بحُرقةٍ وهو يحدّق في الموج.. كان أهل المدينة يهوّنون مصاب الرجل والمرأة.. وكانت أشعة الغروب تخْفُتُ تدريجياً.. تخفُتُ حتى تغيب الشمس ويظهر الليلُ كجثّةٍ هامدة..

لم يكنْ يضيءُ العتمةَ سوى مشاعل قليلة..

وبينما همَّ الجميع بالعودة إلى منازلهم، هدَرَ البحر، ولمَعَ من موجاتهِ ضوءٌ هائل كأنه القمرُ يسقط الآن من مكانه ليسبح..

التفتَ الناس إلى البحر.. لم تمُتِ الفتاة، بل، تحوّلتْ إلى حوريّةِ ضوءٍ تتقدم نحو الشاطئ.. تذْرفُ دمعاً يصير لؤلؤاً..

ركض والدا الفتاة إليها، لكنها.. عادتْ إلى أعماق البحر.. حاول أبوها الصيادُ أنْ يرميَ نفسَه في الماء.. أمسكتْهُ زوجتهُ وأمسكَهُ الناس.. حينَها، صاح الكاهن:

-هيا.. وليأخذْ كلٌّ منكم نصيبَهُ من اللآلئ.

بعدما جمع كلٌّ منهم ما كيفيه من اللآلئ، غادر الجميعُ الشاطئ اللؤلؤيَّ عائدين إلى المدينة..

كانوا موكباً حائراً يعبرُ الطرقات..

منذ تلك الليلة،

لم يعُدِ البحر يُغرقُ الكثير من البشر والمراكب، ولم يعُدْ بحاجة إلى الأضاحي..

منذ تلك الليلة،

وحوريةُ الضوءِ تزور مدينتَها (مدينة اللؤلؤ) كلَّ سنةٍ مرَّةً.. تبكي، تاركةً دموعها لآلئ على الشواطئ وفي المحار..

-حكايةُ جدتِكَ اختصرتْ كلَّ كلامِ الموج يا عصام.

-هل أعجبتْكِ..؟

وقبل أن أجيب،

يقترب البحر منا.. باستحياءٍ ينظر إلينا.. يرشقنا بموجةٍ خفيفة، ثم يعود إلى مكانه.. هناك.. خلف الجبال، لِيُلاطِمَ الصخور والشواطئ، ويوزّع على الرمال والحصى والفضاء حكاياته الكثيرة..

 

hh

 





 

 

أين أمّي؟

 

غداً عيد الأمّ.

وها هي (ساندي) تجلس حائرة بين كتبها، تفكر كيف ستشتري لأمِّها هديةً وهي لا تملك نقوداً.

أبوها يعمل بإخلاصٍ وجد ونشاط، ومع ذلك، عائلتها فقيرة.

كانت (ساندي) تلميذةٌ مجدةٌ ومهذبة ومحبوبة من مدرّساتها وصديقاتها.

كانت صديقتها (ندى) قد اشترتْ لوالدتها خاتماً ذهبياً أحضرتْهُ معها إلى المدرسة لتُريَهُ لزميلاتها. كان الخاتم يلمع مثل شمسٍ تتوسّطُ الموجَ. تحسّرتْ ساندي وهي تُحدّق في الخاتم المتوهّج، وفي هدايا صديقاتها الأخريات. (فاطمة) اشترتْ قميصاً حريرياً لأمها. (عبير) اشترتْ عطراً. و(ريما) اشترتْ حقيبةً جميلة. وحدَها (عنود) اشترتْ لأمها كتاباً.

ما زالت ساندي في غرفتها حزينةً، تنظر حولها، فيقعُ بصرها على قصة (سندريلا) تتناول القصة وتبدأُ تقرأها، وما إنْ تصل إلى الفقرة التي تظهر فيها الساحرة لسندريلا، حتى تُغلقَ القصة، وتحلم بزيارة الساحرة كي تطلب منها هدية لأمها.

لن يكلّفَ طلبي أكثر من كلمتَيْن تنفخُهما الساحرة على عصاها لتكون هديتي موجودة: همستْ ساندي لنفسها بحزن، وعادتْ لتفتحَ القصة، ثم ارتفع صوتُها: أيتها الساحرة، أرجوكِ اخرجي من قصة سندريلا إليّ. لن أطلب منكِ غير كتاب لأمي، أو فستانٍ بسيط:

قالت ساندي وهي تفتح قصة سندريلا وتخاطب الصفحة التي رُسِمَتْ فيها الساحرة.. فجأة، تخرج الساحرة من الصفحة.

الساحرة بفستانها الجميل، وبتاجها الذهبي المُرصَّع باللؤلؤ والعقيق، وبصَوْلَجانها السحري تقف على طاولة ساندي المسحورة بحضورها. لا تُصدّق ساندي ذلك، فتنظر إلى الصفحة، فتجدها بيضاء، فعلاً غادرتِ الساحرة مكانَها.

تدلك ساندي عينَيْها قائلةً:

-هل أنتِ ساحرةٌ حقيقية؟

-أظنُّني كذلك يا عزيزتي، أتسمعين صوتي؟

-نعم، أسمعكِ، وما دمتِ قد استجبتِ لي في الحضور، فأرجوكِ أن تُلبّي لي طلباً بسيطاً.

-لقد خرجتُ لألبي لكِ طلبك:

قالت الساحرة وأشارتْ بصولجانها اللامع إلى علبة ألوان ساندي، وإلى ورقة كرتون مقوى، ثم اختفت بالسرعة التي ظهرتْ فيها ذاتها.

حدّقتْ ساندي في الصفحة، فرأتِ الساحرة في مكانها تقف جامدةً أمام سندريلا.

-أين الهدية؟ صاحت ساندي في وجه الساحرة، ثم وضعتِ القصة على الطاولة وشرعَتْ تبكي..

لم تغادر الساحرة مكانها مرةً ثانية.

مسحتْ ساندي دموعَها، وانتظرتِ الساحرة دون أمل.

بعد لحظات،

فكرت ساندي بإشارات صولجان الساحرة، فقفزتْ إلى علبة الألوان، أحضرتْها مع ورقة الكرتون المقوى، وبدأت ترسم.. لم تنهض ساندي عن طاولتها إلا بعدما رسمتْ وردةً وقلباً وطفلةً تُقدّم لأمها هدية.

ابتسمتْ ساندي للبطاقة التي أصبحت جاهزةً، وبعد منتصف الليل ذهبتْ إلى فراشِها لتحلمَ بفرح أمها.

في الصباح،

ارتدت ساندي ثيابها، حملت حقيبتها، وذهبت إلى المدرسة..

ها هي وصديقاتها في الاستراحة. تفتح ساندي حقيبتها، وتُخرج البطاقة..

-أوه، ما أجملها يا ساندي، من أين اشتريتِها؟ بصوت واحد قالت صديقاتها.

-لم أشترِها، بل أنا التي صنعتُها.

-حقاً، أنت رسمتِها! يا لك من فنانة. قالت عنود.

-أنتِ لستِ متفوقة فقط، بل أنت فنانة يا ساندي. قالت ندى وريما وعبير وفاطمة.

ضحكت ساندي من كل قلبها لِما أنجزتْهُ، فضحكت معها صديقاتها.

-أقترح أن ترسمي بطاقاتٍ وتبيعيها يا ساندي. قالت عبير.

-فكرة جيدة. قالت فاطمة.

-وأنا أول من ستشتري منك يا ساندي. قالت ندى وهي تُخرج من جيبها بضع أوراق نقدية.

عندئذٍ، أخرجتْ كلُّ صديقات ساندي أوراقاً نقدية.

عدّت ساندي النقود، فوجدتْها كافية لشراء فستان بسيط لأمها.

-أنا موافقة، وغداً سأحضر لكلٍّ منكنَّ بطاقة.

لم تعرف ساندي كيف انتهى ذلك اليوم المدرسي، كما لم تعرفْ كيف كانت واقفةً أمام أحد المحلات، تنظر إلى الفساتين وأسعارها.. بين تلك الأزياء تشاهد فستاناً مناسباً، فتدخل لتشتريه قائلة في نفسها:

اليوم سأصنع كثيراً من البطاقات، وسأرسمها بمهارة فنية بحيث تُعجَب بها زميلاتي.

ساندي الآن تخرج من محل الأزياء وهي فرحة بهديتها التي لم تدفعْ فيها كلَّ ما معها من نقود.. وبينما تركض في الشارع المليء بدكاكين الحلوى والملابس والألعاب، يُلفت نظرها دكان لبيع الورد، فتدخل وتشتري وردة جميلة، ثم تركض قاصدة البيت..

.. كانت حذرةً من السيارات، حذرةً من أنْ تصطدمَ بأحد المارة، حذرةً من أنْ تسقط..

تصل ساندي إلى البيت وهي تُنادي:

-ماما، ماما، كل عام وأنت بخير.

لا أحد في البيت.

ليس من عادة والدة ساندي الخروج في مثل هذا الوقت من البيت.

-تُرى، أين أمي؟ صاحت ساندي وأجهشت في البكاء.

أكثر من ساعة وهي تنتظر. خطر على بالها أن تسأل الجيران عن أمها. للأسف جميع الجيران لم يروا والدتها طوال هذا اليوم.

عادت ساندي إلى البيت وهي تنادي بأعلى صوتها:

-ماما، ماما، أين أنتِ يا أمي؟

وما إنْ دخلتْ ساندي البيت حتى وجدتْ أمَّها ترتدي الفستان الذي اشترتْهُ لها.

ركضت الفتاة إلى أمها ضاحكة.

أحضان الأم كانت أكثر دفئاً وجمالاً من كل حدائق الورد في العالم.

-كم هو جميل عليك. قالت ساندي.

-إنه جميل فقط لأنك أنتِ التي اختَرْتِهِ، يا روحي.

قبّلتْ ساندي يد والدتها، وذهبتْ إلى غرفتها لتُحضر بطاقتها التي رسمتها.

ها هي ساندي تعود حاملةً الوردة والبطاقة.

تُقبّلها أمُّها شاكرةً، وتقول:

-لماذا نسيت هديتي التي أحضرتُها لك؟

-عفواً أمي، لم أنتبهْ، أين هي؟

-هناك، على الطاولة.

تركض ساندي إلى هديتها المغلَّفة بورقٍ ملونٍ لامع. تفتح جزءاً من الغلاف، فتجد كتاباً، وبينما تستمرُّ ساندي في خلْعِ الورق، تقول:

لم أتوقّعْ أن يكون لي هدية في مثل هذا اليوم. يا لكِ من إنسانة رائعة يا أمي.

في هذه الأثناء،

تدخل الأم المطبخ لإعداد ما يلزم للاحتفال.

بينما ساندي تقفز من شدة الفرح وهي تقول:

-الله، ما أجمل هديتك يا أمي.. الله، مجموعة قصص بعنوان (الفصول المجنونة)..

 

???

النايُ والحوريّة

 

كان يا ما كان

   في سالف العصر،

                 أو في هذا الزمان..

كانت هناك قريةٌ ساحليةٌ جميلة، يوقظها غناءُ الأطيار والعصافير والبلابل، وأشجارُها المتنوعة، اعتادتْ على أصوات الحيوانات، وعلى أصوات الناس، وعلى هدير البحر ورائحتهِ المالحة.

..مشهدُ البحرِ رائعٌ في كل الأوقات، وفي كل الفصول.. والأمواجُ دائماً تحمل المراكب

لم ترجع شباكُ الصيادين، يوماً، بلا سمك.

وكانت في هذه القرية ابنةٌ وحيدة لأبوين فلاّحين، تقضي أوقاتها بين المدرسة والحقول والشاطئ.

وكلّ صباح،

تستيقظ مع صياح الديك، تُطعم الدجاجات، وتعلف الغنم، ثم تذهب إلى المدرسة. وحين تعود، تتناول وجبة غذائها بسرعة، تكتب وظائفها بعد ذلك، تلحق بوالديها إلى الحقل. وعندما لا تجد ما تساعدهما به، تحمل النايّ وتذهب إلى الشاطئ.. تلعب بالرمل والحصى. تصنع أشكالاً مختلفة.. وإذْ تتعب، تجلس على الرمال القريبة من الموج، وتعزف على نايها ألحاناً مُحزنةً حيناً، ومُفرِحةً حيناً آخر..

وفي أحد الأيام،

وحيدةً، جلستِ الفتاةُ على الشاطئ، وأصابعُها الناعمة تتحرك على فتحات الناي.. هنا، لحظةُ ما قبْلَ الغروب منعشة، والمراكب الراسية تميل مع الموجات، والمراكبُ البعيدةُ تغيب رويداً، رويداً، عن ناظريْها

وبينما تعزف..، نُحسّها تُفكر بحكايةٍ أُمّها التي رَوَتْها لها منذ فترة، حيث شابُّ الحكاية أراد أن يصبح أغنى إنسانٍ في العالم، فلبّتْ رغبتَهُ جنيةٌ أو ساحرة، وجعلتْ من أناملهِ لغزاً، كان كل ما يلمسه يتحول ذهباً، حتى الخبز والطعام الذي سيأكله تعزف وهي تقول في نفسها:

=أنا أكره الطمعَ والجشعَ والأنانيةَ وحُبَِّ المال. وكلّ ما أريده أنْ أجد شيئاً في هذه الحياة يكون أهمّ من كل شيء. أعرف أنّ الأرض مهمّة، والبحرَ مهمّ، والطبيعة مهمة، لكنني أريد أن أكون إنسانةً مهمّةً أكثر ممّا أنا عليه الآن.

تعزف الفتاة بكل حواسها وكأنها تعزف كلّ ما تفكر وتحلم به.

وبينما هي منسجمة مع الألحان والبحر وما يجول في نفسها، تشعر بصوت ما يناديها، لم يكن صوت أمها ولا أبيها.

-أنت.. هل تحبين المغامرات؟

-أوه، ما أجملكِ، أنتِ حورية البحر، أليس كذلك؟: سألتِ الفتاةُ، وهي تقفز نحو الموج.

-نعم، أنا حورية البحر، هل ترغبين برحلة إلى أعماق البحر؟

=بالتأكيد، لكنْ أرجوكِ أنْ أعودَ إلى هنا بعد ساعة، أخشى أنْ أُسبّبَ المتاعبَ لِوالديّ.

-لن تستغرق رحلتُنا أكثر من ساعة: قالت الحوريةُ الجميلة وهي تُبعد شعرَها عن جبينها، وترفع ذيلَها فوق الماء، ثم تسبح مقتربةً من الفتاة التي غطّتْ نايَها بالرمل، ومشتْ حتى غمر الموجُ ركبتَيها.

-هاتِ يدكِ: قالت الحورية للفتاة.

أعطتِ الفتاةُ يدَها للحورية التي ألبستْها خاتماً قائلة:

=لن تستطيعي الغَوْصَ والعودةَ إلى مكانِكِ إلاّ بهذا الخاتم السحريّ، فانتبهي جيداً، وكوني حريصةً عليه كإصبعٍ من أصابعك.

-يا لهُ من خاتم رائع: قالت الفتاة.

-هل أنتِ جاهزة؟: سألتها الحورية.

-هيا إلى أعماق البحر..

وضعت الحورية أصابعَ إحدى يديها بأصابع إحدى يديّ الفتاة، ونزلتا تحت الموج. الأسماك بزعانفها وألوانها وأحجامها المختلفة تمرُّ قرب الصديقتين، وقناديل البحر تضمُّ أذرُعها ثم تبسطها.

الموج هادئ في الأعماق.

وصلت الحورية والفتاة إلى شِعاب مرجانية كثيفةٍ وطويلة. مرجانٌ أبيض ومرجان أحمر، بينما تمرّ أسماك صغيرة ملونة.

كلّ ما في البحر من مياه وحيوانات ونباتات، كان صديقاً للحورية، يُسلّم عليها، ويسألها عن صحتها وأحوالها ويُرحّب بصديقتها الجديدة..

بين تلك الشِعاب المرجانية توجَدُ فسحةٌ تُنيرها محاراتٌ مفتوحة. تجلس الحورية مع الفتاة في تلك الفسحة، فتفتح المحاراتُ أغلفتها وتُغلقها، وكأنها تعزفُ ألحانَ الفتاة التي كانت تعزفها على نايها قبل وصولها إلى هذه الأعماق.

تضحك الفتاة، وتقول:

- إنها ألحاني.

تقول لها الصدفاتُ والحوريةُ:

-لولا هذه الألحان، لما كنتِ الآن بيننا.

نحن دعوناك لزيارتنا لأننا فهمنا ما تحلمين به.

لم تتوقّع الفتاة ذلك، ففرحتْ كثيراً، وقبّلتِ الحوريةَ والمحارات.

- إليكِ هذه الأسهم الثلاثة وهذا القوس: قالت ملكةُ المحارات.

مستغربةً، أخذتِ الفتاةُ القوسَ والأسْهُم.

-لا تخافي ولا تستغربي، فهذه الأشياء ستحقق حلمكِ: قالت الحورية.

-وكيف؟ سألت الفتاة.

بهدوء أجابت ملكة الأصداف:

-ستوصلك الحورية إلى كهفِ البحر، ستجدينَهُ مغلقاً بصخرة كبيرة، في الصخرة ثقبٌ، عليكِ أنْ تصيبي سهماً في ثقب الصخرة، ولديك ثلاث محاولات بعدَد الأسهم، فإذا لم ينجحْ سهمكِ الأول، فستتحجّرُ قدماك، وإنْ لم ينجح سهمك الثاني فسيتحجر جسمك حتى الصدر، وإنْ لم ينجح سهمك الثالث، فستتحجّرين كلّكِ، وستصبحين مستحاثّةً بحريّة.

-وإذا نجحتُ من السهم الأول: قالت الفتاة بِتَحدٍّ.

-عندما تنجحين بأيّ سهم من هذه الأسهم الثلاثة، فستبتعد الصخرةُ عن فوهة الكهف، وستدخلينه بسرعة، لتحضري ماهو موجود فيه.

-هل سأجد في الكهف حلمي وهو مختبئ مني؟ ما هذه الخرافة، لا، لا أريد أن أغامر، بل أريد أن أعود إلى الشاطئ. أُفضّل أن أعيش حياتي مع أمي وأبي في قريتي الجميلة، لا أريد أن أصبح مستحاثةً بحريّة: قالت الفتاة بعصبية، وهي تهمّ بالمغادرة.

لكن حورية البحر حاولت إقناعها:

-أنت شجاعة، ولا أظنك ستفشلين، كما أني لا أظنك ستهربين.

ترددت الفتاة، وحاولت استجماع قوتها لتسأل:

-وما الشيء المهم الذي سأغامر من أجله بحياتي؟إذا كان مالاً، فأنا لا أريده.

=لا إنه أهم من كل شيء تفكرين به: قالت ملكة الأصداف.

فكّرتِ الفتاة مليّاً.. وبكل إرادتها اختارتْ أنْ تتابعَ الطريقَ الذي يُوصلها إلى الحلم. قبلتِ الفتاةُ المغامرةُ وسبحتْ مع الحورية إلى الكهف البحريّ المتثبّت بقاعِ البحرِ كحوتٍ كبير. أمام صخرة الكهف عظامُ بشرٍ كثيرين، وأشخاصٌ متحجّرون كمستحاثاتٍ بحرية، بعضها رخْوٌ، وبعضها صلبٌ.

- آهٍ، أيتها الحورية، يبدو أنك خدعتِ أناساً كثيرين.

لوت الحورية ذيلها، وقفت أمام الفتاة معاتبة:

- أنا لا أخدع أصدقائي، أنت الوحيدة التي أتيت بها إلى هنا.

- هؤلاء المساكين المتحجرون؟: سألت الفتاة بقسوة.

- حضرهم سمك القرش، وأغلبهم من الصيادين الذين كانوا يرمون شباكهم، فيشدّها سمك القرش، ويحضرهم إلى هنا، منهم من غرِق، فدفنّاه، ومنهم من أعطته ملكةُ الأصداف الأسهم والقوس، علّه يستطيع الخروج والعودة. لم أكن أنا موجودةً في هذا البحر.

- صدقّتك، فهل ستتركينني وتعودين، أم سأبدأ وأنت معي؟: بثقة قالت الفتاة.

- لأثبت لكِ طيبة قلبي وصدق نواياي، فأنا سأساعدك حتى لو تحجّرتِ.

- كيف؟ بانفراجٍ سألت الفتاة.

- هاتِ الخاتم.

- كيف أعطيك الخاتم الذي سيساعدني في العودة؟.

- إذا ظلّ الخاتم في إصبعيك فسيتحجّر معك، أمّا إذا كان معي وتحجّرت، فبمجرّد أن ألمسك به فسيتلاشى الحجر عنك، وتعودين كما أنتِ.

اقتنعت الفتاة بصدق الحورية وإخلاصها، فناولتها الخاتم، ووقفت كفارسٍ في مكان مناسب من ثقب صخرة الكهف.

وقبل أن تضع السهم الأول في القوس، نظرتْ إلى المقبرة البشرية الراقدة في أعماق البحر.

وضعت السهم في القوس. حدّقت في الثقب، و.. أطلقتْ لكنّ السهمَ اصطدم بالصخرة، وسقط قرب جمجمة ما

                 تحجّرتْ ساقا الفتاة.

                 وببطء، بدأ الدمع يتساقط من
                 عينيها..

-لا تأبهي، هيا حاولي ثانية: تصرخ الحورية.

بشجاعة، وضعتِ الفتاة السهم الثاني في القوس، وشدّته بقوّة، ثم أطلقته..

اصطدم السهم بحافّة الثقب.. كاد يدخل، لكنه سقط، و.. تحجّر صدر الفتاة حتى إبطيها

-اطمئني، فالخاتم سيعيدك: بفرح وتشجيع قالت الحورية.

هذه المرة، بفرح تطلق الفتاة سهمها الثالث والأخير، وإذْ به يصيب الثقب..، فتتزحزح الصخرة العملاقة..، يذوب الحجر عن قدميّ الفتاة وصدرها، وقبل أنْ تدخل الفتاةُ الكهف، تُعيد الحورية الخاتمَ إليها قائلة:

-سندخل معاً.

تدخل الصديقتان الكهفَ البحريّ.

لم يكن فيه غيرُ صخورٍ ملوّنة، ونباتاتٍ مضيئة وغريبة.

لم تترك الحورية يدَ الفتاة.

وبعد مسافة، رأت الفتاة شيئاً، فصاحتْ:

- لقد وجدتُ حلمي.

على صدى صوتها، اجتمعتْ كائناتُ البحر من سمك ومرجانٍ وسراخس، حتى المحارات وملكتهم، وكذلك قنافذ وقناديل البحر.

تحمل الفتاة ذاك الشيء اللامع، تحدق فيه، فتراه قلماً ذهبياً، وبينما تتفحّص القلم، يأتيها صوتُ الحورية:

- الأجمل من الذهب في هذا القلم أنه يستطيع قراءة أفكارنا، وإذا لم تصدّقي، فاضغطي الزرّ الأعلى في القلم، وستكتشفين كيف يقرأ ما تفكرين به الآن.

وما إن تضغط الفتاة على الزرّ الأعلى للقلم، حتى ينطق:

- أنتِ يا عزيزتي تفكرين كيف بوساطتي ستكتشفين وتفضحين المنافق والكاذب والغشاش.

بسرعة تقول الفتاة:

- صدقتَ يا عزيزي.. ففي هذه اللحظة بالذات، كنتُ أفكر بما قرأته لي.

- هل أدركتِ أين يكمن حلمكِ؟ أين تكمن أهم الأشياء في الحياة؟: سألت ملكة المحار.

- لقد أدركتُ أنّ العلم والعملَ والصدق والحرية أهمّ ما في الحياة.. شكراً لكم جميعاً..: قالت الفتاة العائدة مع كائنات البحر إلى السطح.

كان الجميع يرقص حولها، ويودّعها بمحبة.. كلهم كانوا راغبين بعودتها إليهم.

تصل الفتاة الشاطئ تعيد الخاتم السحريّ إلى الحورية، تقبّلها، وتتفقان على زيارة أخرى.

رفعت الفتاة نايَها من الرمال، وركضت بسرعة عائدة إلى بيتها، وبيدها القلم الذهبيّ الكاشف، الكاتب، والقارئ، بيدها أغلى وأهمّ شيء في هذه الحياة، لم تستغرق رحلة الفتاة في أعماق البحر أكثر من ساعة، لكنّها قابلةٌ لأن تُحكى على مدى الأيام.. أليس كذلك؟.

¯­

الخنساء في الحديقة

 

اعتدنا أن نذهب كل يوم جمعة إلى مكان نختاره معاً. كأن نزور أقرباءنا، أو أصدقاءنا، أو نذهب إلى منطقة أثرية نتعرّفُ من خلالها على حضارتنا، أو نقضي وقتاً جميلاً وممتعاً في مكان طبيعي قريب من مدينتنا..

وحينما تختلف أسرتي على المكان الذي سنذهب إليه، نلجأ للقرعة، كلّ فرد منا يكتب رغبته على قطعة ورق صغيرة ويطويها، ثم نخلط جميع الأوراق خلطاً عشوائياً، ونترك أصغرَ طفلة في عائلتنا تسحب ورقةً من بين هذه الأوراق. وعلى الجميع القبول بالمكان المسجّل على هذه الورقة.

حدث واختلفْنا في يوم الجمعة هذا.

أبي يريد الذهاب إلى بيت أخيه، وأمي تفضّل بيت أختها، وأخي (أيهم) يريد زيارة جدي وجدتي، وأنا أريد زيارة حديقة مدينتنا الكبيرة المسمّاة بـ (حديقة العظماء). وأختي (أحلام) مصرّة على القيام برحلة خارج المدينة.

كتب كلّ منا رغبته على ورقة صغيرة. خلطتُ الأوراق، وقلت لصغيرتنا نسرين:

- اسحبي لنا ورقة.

- لي شرط: قالت نسرين..

سألناها جميعنا:

=وما هو؟.

ضاحكة أجابت نسرين:

-على صاحب الورقة التي سأسحبها أنْ يشتري لي قطعة بسكويت وقطعة شوكولاته.

صحْنا جميعاً بفرح:

-موافقون.

أبصارنا مفتوحة على آخرها وهي تراقب يدَ نسرين التي أخذت إحدى الورقات المطوية وناولتها لأمّي.

لم تبتسم كثيراً أمي وهي تقرأ الورقة. هذا يعني أنّ رغبتها في المكان الذي اختارته لن تتحقق.

-ماذا في الورقة يا أمي؟: قلتُ أنا وأخي أيهم وأختي أحلام.

بصوت لطيف، قالت أمي:

-إنها رغبتك يا (آية).. حديقة العظماء.

بفرحٍ لا يوصف، قبّلتُ نسرين:

-هاه.. هيه.. لكِ اليوم أطيب قطعة بسكويت وشوكولاته.

وبسرعة هائلة هرع كلّ منا ليرتدي ثيابه.

ماما وبابا وأخي أيهم أصبحوا جاهزين.. ونسرين الواقفة على باب البيت الخارجي تستعجلنا:

-هيا يا آية ويا أحلام. لقد تأخّرنا.

بسرعة أخرجُ مع أحلام من الغرفة، وننطلق مع العائلة.

الطقس معتدل. وشوارع المدينة مزدحمة بالسيارات وبالناس المنشغلين بعطلتهم.

نسرين تتوسّط أمي وأبي، ونحن نسير خلفهم. من شارع إلى آخر، ونحن نمزح ونضحك. وفي أحد الطرقات استوقفنا زجاج محل ألعاب. كانت خلف زجاج العرض دُمى كثيرة.. قطار صغير يدور حول سكّته.. نمرٌ ورديّ يستند على سيارة كبيرة و(ميكي) يجلس رافعاً إحدى ذراعيه وكأنه يودّع الجميع. عروسٌ ترتدي فستانها الأبيض الفضفاض تقف وراء القطار الصغير وهي تفتح عينيها الزرقاوين. وفي إحدى الزوايا يركب جحا على حماره بهيئة مضحكة جداً. بينما في مساحة أخرى يقف ثلاثة أبطال من مسلسل الأطفال (افتح يا سمسم).. "أنيس" ممدد في سريره وكأنه يعدّ الخواريف كي ينام و"بدر" المسكين ينظر في وجه "كركور"..

- أوه.. إنه أنتَ يا أيهم: قلتُ لأخي وأنا أشير إلى كركور.

بعجل قال لي أيهم:

وذاك أنت يا آية.

ثم ضحك وهرب بعدما أشار إلى جحا وحماره.

ضحكنا جميعنا واجتزنا الشارع.

لم نشعر كيف وصلنا الحديقة..

فعلاً إنها حديقة عظيمة.. بابُها منقسمٌ إلى نصفين: واحد للدخول، والثاني للخروج. أعمدةٌ أسطوانية تنتصب خلف الباب الكبير. مدخل مرمريّ على جنبيه أشجار ضخمة. الحشائش الطويلة تتمايل. ولونها الأخضر يتباهى بألوان الأزهار، منها البنفسج، والأقحوان، والقرنقل، والشقائق، الزنبق، والياسمين الأبيض والأصفر، و.. روائح عطرية يختلط فيها عبيرُ الريحانِ مع عبير الورد مع روائح أشجار الزيزفون وهي تُدلّي أغصانها المزدهرة.

صوتُ مياه النوافير يضفي على الطبيعة جمالاً أخّاذاً..

زقزقة العصافير في كل مكان.. والفراشات تطير بخفّة عجيبة.

استقبلتْنا الحديقة بمنحوتة حجرية، تقف كشخصية وقورة على قاعدة كتب عليها:

"تمثال الشيخ الرئيس ابن سينا".

انعطفنا نحو اليمين.. أطفال كثيرون يأتون بصحبة أهلهم لزيارة هذه الحديقة.

أيضاً، يجيء لزيارتها عربٌ وأجانب من مختلف البلدان.

نعبر مساحة أخرى نصب فيها تمثال الشاعر "أحمد بن الحسين" المشهور بـ (المتنبي). ورغم أنه منحوت من حجر، إلاّ أننا شعرنا بالشرر الذي في عينيه وهو يتطلّع نحو السماء بكبرياء وفخر.

تمثال آخر يقابل تمثال المتنبي.. ولا يفصل بينهما غير مساحة عشب صغيرة، في وسطها نافورة ماء. هذا التمثال يقف أمام تمثال المتنبي متحدّياً.. وكلماتُ قاعدته تقول: الشاعر (الحارث بن سعيد الحمداني) الملقّب بـ (أبو فراس الحمداني)..

كل شيء في هذه الحديقة يكاد ينطق..

مازلنا نمشي وكأننا في زمن آخر

من هذا السحر، يأتينا صوت والدي:

-في زيارتنا السابقة تحدّثنا عن حياة (ابن سينا) و (المتنبي) و(أبو فراس الحمداني) وها نحن اليوم نقف أمام تمثال امرأةٍ عظيمة عاشت جزءاً من حياتها في عصر ما قبل الإسلام، وقضت الجزء الأخير من عمرها في عهد الإسلام.

تمثال المرأة ينتصب بشموخ حزين.

قالت أمي:

- لا تقرؤوا بعيونكم، إقرأْ لنا يا أيهم المكتوب على قاعدة التمثال.

يرفع أيهم صوته قارئاً:

=الشاعرة (تماضر بنت عمرو الشريد) الملقبة بـ (الخنساء)..

-سنتعرف اليوم على الخنساء كشاعرة وأمّ وأخت، قال أبي وتابع:

=كما قرأتم، فإنّ اسمها (تماضر) ونسبها يرجع إلى قبيلة (مضر) العربية. كانت امرأةً ذكية. تتمتّع بنسبٍ وجمال وأخلاقٍ عالية، ولشخصيتها المتفردة، المتصفة بالشجاعة والصدق والإخلاص والبلاغة، خطبها كثيرٌ من الفرسان، منهم الشاعر (دريد بن الصّمّة)، لكنها لم تقبل بغير ابن عمها (رواحة بن عبد العزيز السّلّمي) الذي أنجبت منه أربعة فرسان استشهدوا في معركة (القادسية) التي قادها البطل (سعد بن أبي وقاص).

يصمت والدي قليلاً، وكأنه يسترجع صدى تلك الحرب التي انتهت بانتصار جيش (سعد) على الفرس.

تستغلّ أمي سكوت أبي وتقول:

=ما تزال الخنساء رمزاً للأخوة، فلقد رثت أخاها صخراً بأبيات يبكي معها الحجر:

يذكّرني طلوع الشمس صخراً

 

 

 

وأذكرهُ لكلّ غروب شمسِ

 

ولولا كثرةُ الباكين حولي

 

 

 

على إخوانهم لقتلتُ نفسي

 

وما يبكون مثل أخي ولكنْ

 

 

 

أعزّي النفس عنه بالتأسّي

 

 

 

 

ومع آخر كلمة أنشدتها أمي، نسمع صوت حركةٍ غريبة تصدر من تمثال الخنساء.. بتعجب تقول أحلام:

-انظروا.. دمعٌ.. نعم دمعٌ يتساقط من عينيّ التمثال..

وبينما نحدّق لنتأكّد مما قالته أحلام، لا ندري كيف حرك التمثال يده، ومسح دموعه، ثم تكلّم معنا:

-يسعدني أنّ عصركم لم ينسني. أنا فخورة بكم مثلما أنتم فخورون بي. لن أدعكم تبحثون عن سيرتي في بطون الكتب، سأخفّف عنكم بعض الوقتِ والجهد، فهل تقبلون؟

باندهاشٍ أجبناها:

-وكيف لا نقبل..

-في فترة ما قبل الإسلام، أو ما تُسمّى بـ (الجاهلية)، فقدتُ أخي صخراً ومعاوية نتيجة عادات الثأر التي كانت منتشرةً في تلك الأيام. كنتُ أحبهما كثيراً، وكانا يحبّانني كثيراً، وبعد موتهما ساءتْ حالتي، حتى دعاني، يوماً، عمر بن الخطاب (رض)، وقال لي معاتباً:

-ألا تعلمين أنّ أخويك في النار؟.

قلتُ: