العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

الجزء الأوّل :
                بين الواقع والخيال

 

أنصاف الحكايات

أبو نشوان مدرّس للغة العربية وآدابها من شعر وقصة ومسرحية. حين ينهي دوامه المدرسي، يمر على دار الحضانة التابعة للاتحاد النسائي، ويصطحب ولده الوحيد نشوان.

أما أم نشوان فهي عاملة في معمل السكر، ودوامها أطول من دوام زوجها بثلاث ساعات، لذلك لا ينتظرها زوجها وابنها على الغداء، بل يتغديان فور وصولهما إلى البيت.

بعد الغداء يستلقي الأب في السرير ليستريح من إرهاق العمل، منتظراً مجيء زوجته لكي تهتم بنشوان فينام (الأب) كما تعوّد. يستلقي نشوان بجانب أبيه ويطلب حكاية. أبوه يحفظ الكثير من الحكايات التي يحبها الأطفال، ويقدر على اختراع بعضها أيضاً. لكن نشوان استهلك محفوظات أبيه كلها، فكان الأب في كل يوم يخترع حكاية جديدة، فتكون أحياناً موفقة جميلة، وأحياناً متعثرة وغير مقنعة.

في منتصف الحكاية، كان الأب ينام من التعب ومن نعاس ما بعد الغداء.

وفي اليوم التالي بعد الغداء كالعادة، كان نشوان قليلاً ما يطالب أباه بإكمال الحكاية السابقة، وغالباً ما يعفيه من ذلك ويطلب حكاية جديدة. وكان الأب يظن أن ابنه يهمل الحكايات التي لم تعجبه أو أنه ينساها.

××××××××××

عندما صار نشوان في الصف الثالث، أخذه أبوه إلى مكتبة بيتهم وهو يقول:

-منذ اليوم يا نشوان، سوف تخلص من حكاياتي المتعثرة، التي أخترعها لك كل يوم بعد الغداء.

اعترض نشوان مبتسماً:

-لكنها جميلة.

-اسمعْني يا ولدي حتى النهاية. أنت الآن تقرأ جيداً ولا تحتاج إلى من يحكي لك الحكايات. وهذا القسم من مكتبتي مخصص لأدب الأطفال، وفيه عشرات من أجمل مجموعات الشعر والقصص والمسرحيات.

-أعرف ذلك. وأنا أحاول أن أقرأ منها منذ أصبحت في الصف الأول، لكنني الآن أقرأ فيها بشكل أفضل.

أمسك الأب رأس ابنه بكلتا يديه وهزَّه قائلاً:

-نشوان أيها الخبيث، تقرأ منذ سنوات ولا أدري؟!

ضحك نشوان وأبوه بسرور وانتهت تلك المفاجأة. لكن نشوان من ذلك اليوم ركز اهتمامه على مطالعة الأدب العربي والأجنبي المترجم، وفي خلال بضع عشرة سنة كان قد قرأ كل ما في مكتبة البيت من كتب الأدب للصغار والكبار، وبدأ يتردد على المركز الثقافي العربي، فيقرأ فيه أو يستعير الكتب منه ويقرأها في بيته. وكان بعد قراءة أي كتاب يعبر لأبيه عن رأيه بما قرأه، إعجاباً كان أم عدم إعجاب، وكان في بعض الأحيان يقترح تصحيحاً لما لا يعجبه، فكان الأب يبتسم ويقول:

-الكتاب على مسؤولية كاتبه، وإذا استطعت أن تصبح كاتباً فاقترح على نفسك ما تشاء.

××××××××××

مضى على بدايةِ هذه الحكايةِ بضعٌ وعشرونَ سنة. وأصبحَ نشوانُ طالباً في جامعةِ حلب، في الصفِّ الثالثِ من قسمِ اللغةِ العربيّةِ وآدابِها. ها هو يدخلُ على أبيهِ فرحاً وفي يدهِ رسالةٌ مفتوحة. ألقى الأبُ نظرةً متفحِّصةً على الرسالةِ وعلى ابنِهِ من خلفِ النظارةِ البصريةِ التي يضعُها الأبُ من عشراتِ السنين، والتي تزدادُ سماكةً سنةً بعدَ سنة.

-ما لَكَ فرِحاً وما هذهِ الرسالة؟

-أرسلَها إليَّ اتحادُ الكُتّابِ العرب.

-ما علاقتُكَ بهم يا ولدي؟ ماذا يريدون؟

-لقد وافقوا على طبعِ مجموعتي القَصَصيّةِ ونشرِها باسمي وعلى حسابِهم أيضاً.

دهِشَ الأبُ دهشةً عظيمةً وسألَ ابنَه وهو ينهض:

-أنتَ ألّفتَ مجموعةً قصصيّة؟!

-أربعةٌ وخمسونَ قصّة قصيرةً موجَّهةً للكبار.

أقبلَ الأبُ على ابنِهِ يعانقُهُ ويقبّلُهُ وهو يقول:

-مبروكٌ عليكَ يا ولدي، ألفُ مبروك.

ثم ابتعدَ عنهُ سائلاً بعتبٍ ومحبّة:

-كيف أصبحتَ كاتباً دون أن أعلم؟

-الفضلُ لحكاياتِكَ في طفولتي، وخصوصاً أنصافَ الحكايات، أي التي كنتَ تنامُ في منتصفِها.

-ولماذا أنصافُ الحكاياتِ تلكَ بالذات؟

-لأني كنتُ أكملُها بنفسي وأنتَ نائم.

××××

والآنَ يا قرّائي الأعزّاء، لو توقّفْتُ أو نِمْتُ أنا في منتصفِ هذه الحكاية، فكيف يمكنُ أن تكملوها؟

 

¼ ½¼ ½


 

 

الفَراشات

جاءت القابلةُ([1]) العجوزُ تحملُ إلى الْمَلِكِ أوّلَ أولادِه، وهما توءمانِ متشابهانِ وُلِدا تلكَ الساعةَ بفارِقِ لحَظاتٍ معدودة. كان التوءمانِ في ثيابٍ متماثلة، والعجوزُ مرتبِكةً وخائفة، وأرادَت أن تغطّي مشكلتَها بالْمُزاح:

-احزِرْ يا مولايَ أيَّهما وُلِد قبلَ الآخرَ..

كانت العجوز قد شَهِدَتْ ولادتَهُ هو من بطنِ أمِّه، ويحترمُها كأنها جدّتهُ، فابتسمَ لِمُزاحِها
ثم قال:

-أراكِ مرتبِكةً وتَمزحينَ فما المشكلة؟

-أعطِني الأمانَ فأشرحُ المشكلة.

-هل أنا جبّارٌ بطّاشٌ فتطلبي الأمان؟! أخبريني بالمشكلةِ كي أحلَّها.

-لا أحدَ يحلُّها يا مولاي. لا أحدَ يعرِفُ أيُّ التوءمينِ ولِدَ قبلَ الآخَر، لا أنا عرفتُ ولا أمّهُ ولا الخادمات.

-عجباً، كيف يكونُ ذلك؟!

-المَخاضُ([2]) كانَ شاقّاً ومُربِكاً وفوجئنا بالطفلِ الثاني دونَ أن نتوقّعَه، ولو توقّعْناهُ لأعدَدْنا ثياباً من لونٍ مختلفٍ تُميّزُه، وهكذا ألبسْناهُ ثوبَ أخيهِ كما ترى..

فكّرَ الملكُ الحكيمُ لحظةً ثم قالَ يُطَمْئنُ القابلة:

-لا ترتبكي ولا تقلقي، رُبَّ ضارَّةٍ نافعة.

-كيف لا أقلقُ يا مولاي؟! أكبرُ الإخوةِ هو الذي يرثُ العرشَ- بعدَ عُمرٍ طويلٍ- ونحنُ لا نعرفُه.

-لا داعي لأن نعرِفَه. لا نحنُ  ولا الحكماءُ الثلاثةُ الذين يساعدونني في إدارةِ المملكة.

-ما هدفُكَ من هذا كلِّه؟

-لقد حاولتُ أن أكونَ عادلاً طولَ عمْري وأريدُ لخليفتي أن يكونَ أعدَل. وعندَما يكبرُ التوءمان، سأختارُ الأفضلَ منهما لِيَخلُفَني في الْمُلك..

×××××××

بعدَ ستِّ سنواتٍ توفّيَ الملكُ وفاةً مفاجِئة، فاجتمعَ الحكماءُ الثلاثةُ لاختيارِ وريثِ العرشِ من الطفلين التوءمَين، على أن يبقى تحتَ وصايةِ الحكماءِ الثلاثةِ وإشرافِهم حتى يكبرَ ويصبح قادراً على الحُكم.

قالَ أحدُ الحكماء: أرى أن أحدَ التوءمينِ أطولُ قليلاً من الآخَر، وأقترحُ أن نُجريَ القُرعةَ عليهما بهذا الدينارِ الذهبيّ؛ الصورةُ للأطولِ والنقشُ للأقصر.

قالَ الحكيمُ الثاني: بل نسألُ أمَّهما أيُّهما تفضّل.

فقالَ الحكيمُ الثالثُ: كلاّ. نحن وحدَنا نقرّرُ شؤونَ المملكة؛ وعندي فكرةٌ أفضلُ لاختيارِ وليِّ العهد.

قالَ الحكيمانِ الآخَران: إن أعجبَتنا فكرتُكَ وافقْناكَ عليها ونفّذناها في الحال.

تهامسَ الحكماءُ الثلاثة، ثم أمروا فانطلقَ الطفلانِ يلعبانِ في حديقةِ القصرِ الملكيّ، وأخذوا يراقبونَهما من النافذة.

كان الطقسُ ربيعاً، والفَراشاتُ تتنقّلُ بينَ الشجَيراتِ والأزهار، وبدأ الطفلانِ يطاردانِ الفراشات.

قالَ الحكيمُ الثالث: الآنَ عرَفْتُ مَن أختارُ لولايةِ العهد، استدعوا الطفلين إلى هنا..

جاءت المربِّياتُ بالطفلين، وسألَ الحكيمُ الثالثُ الطفلَ الأقصرَ: ماذا كنتَ تفعلُ حينَ تتعبُ فراشةٌ وتحطُّ على شجرةٍ أو زهرة؟ قالَ الأمير: أتوقّفُ وأتفرّجُ عليها؛ أفكّرُ في شكلِها وألوانِها.

ثم سألَ الطفلَ الأطوَل السؤالَ نفسَهُ فأجاب: أُمسِكُها وأضغطُ عليها، كي أعرفَ هل هي هشّةٌ أم قاسية.

همسَ الحكيم ُ الثالث لزميلَيه: إن كانَ يفعلُ هذا بالفراشاتِ الآن، فماذا سيفعلُ بالناسِ في المستقبل؟

وعلى الفَورِ أعلنَ الحكماءُ الأميرَ الرحيمَ وريثاً للعرش.

 

4 4 4

 

شاعرُ الشعب

 

كان الملكُ غاضباً ثائراً حاقداً مقهوراً بكلِّ معنى الكلمة. صبَّ غضبَه عنيفاً على قائدِ الجيشِ واصِفاً إيّاهُ بالجبن والتخاذل، وقرّعَهُ باللومِ تقريعاً شديداً، وأطلقَ في وجهِهِ حُمَماً ناريّةً من التهديدِ والوعيد، وكانَ مما قالَهُ في تلك الساعة:

-للمرةِ الثالثةِ ينهزمُ جيشُنا أمامَ الأعداءِ وأنتَ المسؤولُ، فماذا ينقصُ جيشَنا ويمنعُهُ من النصر؟ عدَدُهُ كبير، وسلاحُهُ جيّدٌ، وتدريباتُهُ عنيفةٌ متواصلة، فماذا يحتاجُ بعدَ هذا لينتصر؟

ظلّ قائدُ الجيشِ صامتاً لا يدري ما يقول. أمّا الوزيرُ الذكيُّ فبادرَ يقول: مولايَ الملكَ المعظّم، جنودُنا يفتقرونَ إلى الحماسةِ الوطنيّة. والحماسةُ يا مولايَ ليست طعاماً نطعمُهم إيّاهُ ولا سلاحاً نزوّدُهم به. الحماسةُ شعورٌ في النفْس، والشعورُ يُضرِمُهُ الشِّعرُ كما تُضرِمُ النارُ الحطب.

قال الملكُ متحمّساً للفكرة: أحضروا شاعرَ الشعبِ الآنَ في الحال.

بعدَ ساعةٍ واحدةٍ كان الشاعرُ في حضرةِ الملك، فأمرَهُ بحزمٍ ووضوح: اذهبْ إلى جنودِنا الآنَ في مواقعِهم على الجبهة، وأنشدْهم شعراً يُضرِمُ فيهم حبَّ الوطنِ والحماسة لانتصاره.

قال الشاعرُ بثقةٍ واحترام: أمرُ مولاي. فقال الملك: اسمعْ أيها الشاعر: إذا انهزمَ جيشُنا فسوف أقطعُ رأسَك، أمّا إذا انتصرْنا فلَكَ منّي جائزةٌ ضخمةٌ من الذهب.

قال الشاعر: لن أفكّرَ الآنَ في الجائزة، وسأُلْهِبُ قلوبَ جنودِنا بحبِّ الوطن.

وانطلقَ الشاعرُ إلى تجمّعاتِ الجنودِ على جبهةِ المواجهةِ مع العدوْ، وبدأ يُنشدَهم قصائدَ رائعةً تعصِفُ بقلوبِهم عصفاً، وتُضرِمُ مشاعِرَهم إضراماً، فكانوا يستعيدونَها ويستزيدونَ منها مرّةً بعدَ مرّة.

لكنّ مُخبِراً من رجالِ الأمنِ السرّيينِ أسرعَ يهمِسُ للملكِ والوزير: هذا الشاعرُ خائنٌ وعميلٌ للأعداء. إنه لا يعلّمُ جنودَنا أناشيدَ تدعو إلى سحقِ الأعداءِ وتمزيقِهم وشُربِ دمائهم بدلَ الماء، بل يُلهيهم بقصائدَ سخيفةٍ تافهةٍ تتغنّى بجمالِ النساء، كي يُفسِدَ عندَهم إرادةَ القتالِ ويتسبّبَ في الهزيمة.

اشتعلَ الملكُ غضباً وأمرَ باعتقالِ الشاعر، كي يُحاكمَ صباحَ اليومِ التالي أمامَ الشعبِ ويُقطَعُ رأسُهُ بِجُرمِ الخيانة.

بعدَ ساعاتٍ قليلةٍ وتحت جُنحِ الليل، صارَ الشاعرُ سجيناً مكبّلاً بالأغلال، متّهماً بأنه خائنٌ ومحرِّضٌ على التخاذُلِ([3]). لكنه كان واثقاً من نفسِهِ ومن أشعارِه، فنامَ ليلتَهُ بينَ اليأسِ والأمل.

في صباحِ اليومِ التالي، تجمَّعَ الناسُ في ساحةِ العاصمةِ، ليشهَدوا محاكمةَ شاعرِهم وقطعَ رأسِه. وعندَ الضُّحى جاءَ حرّاسُ السجنِ يقتادونهُ مُكبَّلاً بالأغلال، وحضرَ الملكُ في موكِبٍ عسكريٍّ مَهيب([4])، يتقدّمُهُ الطبّالونَ والزمّارونَ ويحيطُ به الوزيرُ وقائدُ الجيشِ والحاشيةُ([5]) والحرسُ المسلّحون. وأمامَ الموكبِ كلِّهِ يسيرُ السيّافُ شاهراً سيفَهُ الضخمَ الرهيب.

توقفَ الموكبُ في جانبٍ من الساحةِ وهتفَ الوزير: باسمِ الوطنِ والعدالة، نعاقبُ هذا الشاعرَ بجريمةِ الخيانة، لأنهُ لم يحرّضْ جنودَنا على الحماسةِ الوطنيّة.

كانت صدمةً هائلةً للناس، فقد اعتادوا على حبِّهم للشاعرِ وحبِّهِ لوطنِه، فبدؤوا يهتِفونَ بأصواتٍ قويّةٍ مختلِطة: أخبِرونا ماذا فعل؟ ماذا فعل؟ فرفعَ الوزيرُ يدَهُ وصاحَ رئيسُ الحرسِ: اسكتوا، فسكتَ الناسُ مترقِّبين.

قال الملكُ للشاعر: ماذا أنشدْتَ الجنودَ أيها الشاعر؟

قال الشاعر: أنشدتُهم عن جمالِ الأرضِ والينابيعِ والشجرِ، عن أزهارِ الربيعِ وفراشاتِه اللطيفة، عن ابتسامات الأطفالِ ولذّةِ الخبزِ الساخن، عن حنانِ الأمّهاتِ وكَدْحِ الآباءِ وحِكمةِ الأجداد. أليس هذا هو الوطنُ يا مولايَ بل أروعُ ما في الوطن؟

ارتبَكَ الملِكُ واحتارَ فيما يقول. لكنّ الوزيرَ الذي لا يكذّبُ رجالَ أمنِهِ السِريّينَ هتفَ بالشاعر:

-والنساءُ الجميلاتُ أيّها الشاعر، ألَمْ تتغزَّلْ بجمالِ النساء؟

-وهل تريدُ أن أتغنّى بجمالِ الشجرِ وأنسى جمالَ البشر؟ أليسَ جمالُ النساءِ بعضَ جمالِ الوطن؟

وأدركَ الناسُ حاجتَهُ للمساعدة فصاروا يهتفون:

-أشعارُهُ وطنيّة. أشعارُهُ ليست خيانة.

هذه المرّةَ احتارَ الملكُ والوزيرُ كلاهُما، ونظرَ كلّ منهما إلى الآخَر كأنه يسألُهُ: ما العمل؟ وأخيراً هتف الملك:

-اسمعْ أيها الشاعر: لقد وعدتُكَ بالثّوابِ إذا انتصرْنا، وبالعِقابِ إذا انهزمْنا، وإلى أن تقع المعركةُ ونعرفَ نتيجتَها ستبقى في السجن.

ثم أمرَ رجالَ الحرس:

-خذوه.

وأسرعَ الوزيرُ يخاطبُ الشعب:

-وأنتم تفرَّقوا، كلٌّ إلى عملِه.

×××××

بعدَ أيّامٍ قليلةٍ هجمَ جنودُ الملكِ على الأعداء، ولم تمضِ بضعُ ساعاتٍ حتى كانت جيوشُ الأعداءِ تنهزمُ مسحوقةً مشتّتة، وكانَ جنودُ الملكِ يرفعونَ راياتِ النصرِ ويهتِفونَ هُتافاتِ الفرحِ العظيم. ثم استسلمَ قادةُ الأعداء، ووقّعوا ميثاقَ صلحِ دائمٍ وعدَمِ اعتداء.

وفي غَمْرة احتفالِ القصرِ المَلكيِّ بالنصرِ أمرَ الملكُ فأحضروا الشاعرَ من السجنِ حُرّاً من الأغلال، وخلالَ الطبولِ والزمورِ تقدَّمَ الملكُ وسْطَ حاشيتِهِ وألقى للشاعرِ بكيسٍ مخمَليٍّ فيه خمسُمئةِ دينارٍ من الذهب.

أخذَ الشاعرُ الكيسَ وانحنى للملكِ قائلاً: أمرُ مولاي. فانبرى الوزيرُ يوبِّخُه:

-هكذا أيّها الشاعرُ تقولُ كلمةً واحدة؟!

قال الشاعر:

-خيرُ الكلامِ ما قلَّ ودلَّ.

فهتفَ بهِ الوزيرُ بلهجةٍ آمرة:

-بلْ يجبُ أن تنشئَ قصيدةً طويلةً وتشكرَ مولانا على عدالتِه.

قالَ الشاعرُ هادئاً وواثقاً بنفسِه:

-لو انهزمَ جيشُنا لقطعتم رأسي فأينَ العدالة؟ وهل أنا مُجبَرٌ على ضَمانِ انتصارِ الجيش؟

ذُهِلَ الجميعُ من هَولِ المفاجأةِ وتابعَ الشاعر:

 

- وهل يُضمَنُ النصرُ بمئة قصيدةٍ أو ألفِ قصيدة؟

قال الملكُ وهو يرتعِشُ من الغضب:

-لو أنّ من أخلاقِ الملوكِ أن يتراجعوا عن عطاياتهم لسحبْتُ منكَ المكافأة، فخذْها وانصرِفْ دونَ كلام.

قال الشاعر: أمرُ مولاي. وسوف أوزّعُ الذهبَ على الناسِ باسمِك، كي يُفرِحوا الأطفال.

 

Y Y Y

 

وطنُ الفقراء

 

كانَ في قديمِ الزمانِ طفلٌ في السابعةِ من العُمْرِ يتيمُ الأبوينِ اسمُهُ (أسعد)، يعيشُ معَ جدِّهِ في قريةٍ كبيرةٍ خصبة، أقطعَها([6]) الملكُ لخازِنِ أموالِه.

جاءَ مرّةً إلى جدِّهِ يقول: اليومَ تشاجرتُ مع ابنِ الخازنِ في ساحةِ القرية.

قالَ جدُّه: لا يا أسعدُ، لا تتشاجرْ مع أحد.

قالَ أسعد: ابنُ الخازنِ قالَ لي ولكلّ أولادِ الفلاحين: هذه القريةُ وطنهُ هو لأنّ أباهُ يملِكُها، وليست وطنَنا.

قال الجدُّ بألمٍ عميق: هذا صحيح. أمّا نحنُ الفقراءَ فلنا وطنٌ آخَر.

سألَ أسعد: أينَ يا جَدّي، أينَ وطنُنا؟

قال جدّه: ستعرفُهُ في الوقتِ المناسب.

بعدَ مدّةٍ حصدَ الفلاحونَ القمحَ وجمعوا المحصولَ على البيادر، فقالَ أسعدُ لجدِّه:

-هذا البيدرُ كلّه لنا، ما أكبرَه وما أجملَه!!

أجابَهُ الجدّ:

-هذا وطنُنا، صنعناهُ بكدِّنا وعرقِنا بالليلِ والنهار.

قالَ أسعدُ مستغرباً:

-هذا محصولٌ وليس وطناً.

فأجابَ جدُّه:

-هذا وطنُنا لأنّ فيهِ كلَّ أسبابِ حياتِنا: إن أكلْنا بعضَهُ وبِعْنا بعضَه، نحصلْ على الغذاءِ والكساءِ والدواءِ والسعادة.

وصمتَ لحظةً ليتأكّدَ مِن أن حفيدَهُ يفهمُ ما يقولُ، ثم تابَع:

-وإن خبّأْنا من هذا البيدرِ ما يزيدُ عن حاجاتِنا، نضمَنْ،ْ حياتَنا في سنواتِ الجفافِ وأمراضِ النباتِ وفسادِ المواسم.

قال أسعدُ بحماسة: هيّا ننقله ونخزِنُه.

فأجابَ الجدُّ بابتسامةٍ لم يفهمْ أسعدُ مغزاها: اصبِرْ يومينِ أو ثلاثةً وبعدَها ننقلُ ما تشاء.

بعدَ أيامٍ ثلاثة، جاءَ الخازنُ يرافقُهُ جنودٌ مسلَّحون. وقفوا عندَ بيدرِ الجدِّ وأسعد. أخذوا ثلُثَ المحصولِ حِصّةً للملك، ثم أخذوا الثُلثَ الثاني حِصّةً للخازن، ثم أخذوا ثُلُثَ الثُلُثِ الباقي ضريبةً عن بيتِ أسعد، الذي صنعَ الآباءُ والأجدادُ لبِنَهُ من طين القريةِ وبنوهُ بالسواعدِ الكادحة.

أشارَ الجدُّ إلى بيدرِهِ الذهبيِّ المسلوبِ وقالَ لحفيدهِ: هل عرفتَ الآنَ أين وطنُك؟

 

ü û ü

المِصباح السحري

هجمَ لصوصٌ متوحّشونَ على بلادِ النخيلِ الأسمرِ جيوشاً جيوشاً، فدمّروا البيوتَ وأحرقوها وقطّعوا الأشجارَ واستعبدوا الناس.

ذهبَ الناسُ إلى زعماءِ البلادِ يطالبونَهم بتوحيدِ الجهودِ للخلاصِ من هذا البلاء.

قالَ الزعماء: نحنُ جميعا أضعفُ من الأعداء، وبدلَ أن تفكّروا في محاربتِهم والتعرّضِ لمزيدٍ من الخسائرِ والمصائب، أطيعوهم فتسلموا وتعيشوا.

عادَ الناسُ من عندِ الزعماء خائبين، وبدؤوا يفكّرونَ في مصيبتِهم من جديد. فجأة برزَ منهم رجلٌ يقول: أنا وجدْتُ الحلّ. تطلّعَ الناسُ إليهِ ملهوفينَ وغيرَ مصدِّقين. وتابعَ الرجل: إنهُ علاءُ الدين، هو عالِمٌ عظيم منّا وفينا. وأضافَ كمن يذيعُ سرّاً: وعندَهُ مصباحٌ سحريٌّ يخدمُهُ ماردٌ جبّار.. فانطلقَ الناسُ فوراً يتهاتفون([7]): إلى علاءِ الدين. إلى علاءِ الدين.

كانَ علاءُ الدين أشهرَ الناسِ في بلادِ النخيلِ الأسمر؛ مفكّرٌ قديرٌ وطبيبٌ بارعٌ وكيميائيٌّ مجرِّب. وحينَ رأى الناسَ قادِمينَ خرجَ إليهم واستقبلَهم  بترحيبٍ واحترام. لكنّهُ عندما عرفَ قصدَهم خيّبَ آمالَهم المتحمّسة. قالَ إنه لا يملكُ أيَّ شيءٍ سحريّ، لا المصباحَ الأسطوريَّ ولا بساطَ الريحِ ولا خاتمَ سليمان، وأنّ مصباحَهُ الغريبَ الشكلِ هو مصباحٌ كحولِيٌّ يستخدمُهُ في تجاربِ الكيمياءِ وصُنعِ الدواء. وفجأةً أدهشَهم بالعبارةِ التالية:

-لكنّكم تقدِرونَ على محاربةِ الأعداءِ دونَ مساعدةٍ من أحدٍ ودونَ قوّةٍ سحرية.

قال زعيمُ جماعةٍ من أولئكَ الرجال:

-نحن عُلَماءُ يا علاءَ الدينِ، لا نقدِرُ أن نحارب.

سألَ علاءُ جماعةً ثانية:

-وأنتم أيّها السادة؟

أجابَ أحدُهم:

-نحنُ صُنّاعُ هذه البلاد، نصنعُ كلّ لوازمِ المعيشةِ والعمل: الملابسَ والمعاولَ والمحاريثَ والأسلحة، وبعضُنا خدمَ في الجيشِ وحاربَ أيضاً. لكنْ إذا انشغلْنا بالحربِ فمَن يصنعُ الأسلحة؟

 

نظرَ علاءُ الدينِ إلى جماعةٍ من الشبابِ ذوي وجوهٍ مُسمَرّةٍ وعضلاتٍ مفتولة، فبادرَهُ أحدُهم على الفَور:

-نحنُ شبابٌ أقوياء، كنّا جنوداً حين هجمَ الأعداء، لكنّ قادتَنا تخلَّوا عنا وجرَّدَنا الأعداءُ من الأسلحة، فكيفَ نحاربُ بلا قادةً ولا أسلحة؟

التفتَ علاءُ الدينِ نحو آخِرِ جماعةٍ من زوّارِهِ سائلاً:

وانتم أيّها السادة؟ ألا تقدرونَ على الإسهامِ في محاربةِ أعدائكم وأعداءِ البلاد؟

أجابَ زعيمُ الجماعة: نحنُ فلاحونَ كما ترى، نقدرُ أن نزوّدَ الناسَ والجنودَ بكلِّ ما يحتاجونَ من الغذاء. لكننا لم نجرّبِ الحربَ ولم نتعلّمْ فنونَ القتال.

 

ابتسمَ علاءُ الدينِ للجميع وهو يقول:

-تملِكونَ هذهِ القُدُراتِ كلَّها وتريدونَ مصباحاً سحريّاً لقهرِ اللصوص؟

 

%%%

 

الأعداء

 

على الضفّةِ الشرقيّةِ لنهرِ الأردُنِّ في قديمِ الزمان، كانت تقومُ إمارةٌ عربيّةٌ يحكمُها قائدٌ عسكريٌّ اسمُهُ (سيفُ الدين). وكانَ لـه ولدٌ وحيدٌ في السابعةِ من عمرِهِ هو الأميرُ (همّام).

كانَ همّامٌ منذُ صِغَرِهِ شَغوفاً([8]) بالحكايات. وكانت مُربيّتُهُ تُرضي شغَفَهُ بقِصَصٍ من عالَمِ الخيال: عن جزيرةِ الغيلانِ وحوريّة البحرِ والبساطِ الطائرِ وما إلى ذلك. فلمّا بلغَ همّامٌ السابعةَ من عمرِهِ بدأت المربيّةُ تضيفُ إلى قِصصِ الخيالِ أحاديثَ عن الواقعِ الذي يعيشُهُ ويحيطُ به، وتحدثُهُ عن أعداءِ بلادِهِ الذينَ جاؤوا من وراءِ البحار، واحتلّوا الأراضيَ الواقعةَ غربَ النهرِ من إمارةِ أبيه. لكنّها كانت تبالغُ في الحديثِ عن عدوانيّةِ الأعداء، وفي وصْفِهم بأقبحِ صِفاتِ الخطورةِ والفظاعة.

××××

كانَ (همّامٌ) ذكيّاً سريعَ التعلّمِ قويَّ الخيال. وعندَما كانت المربيّةُ تحدّثُهُ عن الأعداءِ كانَ يُحلِّقُ بخيالهِ، ويتخيّلُهم في صُوَرٍ مشابِهةٍ للغيلانِ التي تصوِّرُها الحكايات. لكنهُ لم يكنْ يصدِّقُ خيالَهُ ولا يقبلُ أن يسمعَ عن أعدائهِ سَمعاً دون أن يراهم بنفسِه. كان يريدُ أن يعرِفَ ما همُ الأعداءُ في الحقيقة؟ وما أشكالُهم وكيف يتصرّفون؟

××××

تسلّل ذاتَ يومٍ إلى ضفّةِ النهرِ واختبأَ بينَ الشجَيرات. كانَ أطفالٌ وفتيانٌ صغارٌ من الأعداءِ يلعبونَ على الضفّةِ ويسبحون.

اقتربَ من الضفّةِ أكثرَ متخفّياً بينَ الأعشابِ الطويلةِ وأدهشتْهُ المفاجأةُ فقالَ في نفسِه: أولادُ الأعداءِ يشبهونَ جميعَ الأولاد. أصابعُهم ليست مخالِب. أنوفُهم ليست مناقيرَ ضخمةً وليس لهم أذنابٌ كالقرود. إنهم يضحكونَ ويمرحون، ويتبادلون الرشَّ بالماءِ أيضاً!! هل خدعَتْني مربيّتي؟ ما الخطيرُ وما الفظيعُ في هؤلاءِ الأولاد؟

خرجَ من بينِ الأعشابِ واقتربَ مكشوفاً ووقفَ على حافّة الضفّةِ، ليسمعَ جيّداً كلامَ الأعداءِ لعلّهُ يفهمُ منه شيئاً، وأزعجَهُ أن يسمعَ منهم لغةً قبيحةً غريبةً غيرَ مفهومة. لكنّ أحدَهم ساعَدَهُ وحقّقَ لـه رغبتَه: اتّجهَ إليهِ وهو يسبح، ثم توقّفَ في وسطِ الماءِ وخاطبَهُ بلغةٍ عربيّةٍ مكسَّرة: اسمعْ أيُّها العربيّ، أهلُنا قتلوا أهلَكُم وطردوهم من غَربِ الأردنّ، ونحنُ سنطردُكم من شَرقِهِ حينَ نكبَر، وسوف نُقيمُ دولتَنا من الفراتِ إلى النيلِ ونعيشُ بسلام.

نظرَ هَمّامٌ إلى بُرجٍ صغيرٍ على الضفّةِ التي يحتلّها الأعداء، وقد ارتفعَ فوقَهُ علمٌ يتألّفُ من مساحةٍ بيضاءَ يحدُّها خطّانِ أزرقان، وعرَفَ أنّ هذينِ الخطَّينِ يرمُزانِ إلى نهرَينِ كبيرين. فرجَعَ إلى قلعةِ والدِه، وقد عرَفَ بنفسِهِ حقيقةَ الأعداء.

 

øú÷

 

اللؤلؤة

 

((حادثةٌ تخيّلَها الأديب الأميركيّ جون شْتاينبِك، وافترضَ أنها تجري في أحد الشواطئِ الأميركية. وها أنا أتخيّلُ مثلَها تحدثُ في الخليج العربيّ قبل اكتشافِ النفط وتطوّر الحياة))

××××

يعيشُ سعدٌ مع زوجتِهِ في قريةٍ صغيرةٍ على شاطئِ الخليجِ العربيّ، يحترفُ سكّانُها الغوصُ لاستخراجِ اللؤلؤ. إنهم قومٌ من فقراءِ العرب، أمّا قُراهم فهي أعشاشٌ من سعَفِ([9]) النخيل، مكسوَّةً بطبقةٍ رقيقةٍ من الطين لسدِّ الفَجوات.

والغوّاصون رجالٌ أقوياءُ الأجسام، يستأجرُهم تجّارُ اللؤلؤِ عندَ اشتدادِ حرِّ الصيفِ وهو موسمُ اللؤلؤ، ويأخذونَهم في مراكبَ خاصّةٍ، ويبتعدونَ عن الشاطئِ مسافاتٍ طويلةً حيثُ المَغاصاتُ([10]) الغنيّةُ بالْمَحارِ (أي الصَدَف).

يهبِطُ الغوّاصونَ إلى أعماقِ الخليجِ فيجمعونَ المحارَ ويُخرجونَهُ إلى سطحِ المركَب، حيث يقومُ عمّالٌ آخَرونَ بفتحِهِ تحتَ رِقابةِ التاجِرِ ربِّ العمل، ويستخرجونَ ما في بعضِهِ من اللؤلؤ. وفي نهايةِ الموسمِ يوزِّعُ ربُّ العملِ على العامِلينَ أجوراً متفاوِتةَ المقاديرِ من التمرِ والأرزِّ وطحينِ القمح، مؤونةَ غذاءٍ قد تكفيهم طيلةَ العام.

مِن هؤلاءِ الغوّاصينَ سعدُ بنُ حمدان. غوّاصٌ فقيرٌ يشتهرُ بقوّة الجسمِ وطولِ البقاءِ تحتَ الماء، وبالمهارةِ في معرفةِ مَحارِ اللؤلؤ. لكنّ قدراتِهِ هذه لا تجعلُ أجورَهُ أكثرَ من زملائهِ إلا قليلاً، الأمرُ الذي يزعجُهُ بالليلِ والنهار، إذ يرى نفسَهُ يتسبّبُ للتجّارِ بالغنى ويبقى من الفقراء.

مرّةً بعد انتهاء الموسمِ وانصرافِ المراكِب، قرّرَ سعدٌ أن يقومَ بمغامرةٍ في الخليجِ ويجرّبَ حظّه. سبحَ مسافاتٍ طويلةً رغمَ وجودِ أسماكِ القرشِ المفترسة، ووصلَ إلى إحدى المغاصات. وبينَ الأملِ في العثورِ على بعضِ اللؤلؤِ والخوفِ من القرشِ المفترس، حصلَ أخيراً على مَحارةٍ شديدةِ الضخامة.

استلَّ سِكّينَهُ وفتحَ المحارةَ تحتَ الماء، فوجدَ فيها أكبرَ لؤلؤةٍ رآها أو سمعَ عنها في حياتِه، فأخرجَها من لَحمِ المحارةِ ووضعَها في جعبتِهِ وصعِدَ إلى سطحِ الماء، واتجهَ سابحاً إلى الشاطئ.

بدأ جسمُهُ يتشنّجُ وسطَ الماء، ولعلّ ذلك لاشتدادِ خوفِهِ على حياتِهِ من أسماكِ القرشِ بعدَ أن صارت الثروةُ في جعبتِهِ. وفجأةً ساعدَهُ الحظُّ باقترابِ سِربٍ من الدلافينِ أعداءِ سمكِ القرش، فانخرطَ بين الدلافينِ يسبحُ معها مقترباً من الرمل، ثمّ غادرَها سابحاً بكلِّ عزمِهِ إلى الشاطئ.

جلسَ على الشاطئِ يستردُّ أنفاسَه، ثم فتحَ الجعبةَ واطمأنَّ على اللؤلؤة، وأطبَقَ عليها بجُمعِ يدِهِ وسارَ إلى كوخِهِ متظاهراً بعدمِ الاهتمام، كي لا ينتبِهَ إليهِ أحدٌ فينكشفُ سرُّه.

في الكوخ قالَ لزوجته: هذه اللؤلؤةُ ستجعلُنا أغنياءَ وتخلّصُني من العملِ بالأجرة، فلا تخبري أحداً عنها على الإطلاق. أخاف أن يعلَمَ اللصوصُ فيسلبوني إيّاها، أو يعلمَ التجّارُ أربابُ العمل، فيتهموني بسرقتِها خلالَ الموسم.

قالت زوجتُه: بالعكسِ يا سعد. أخبِرْ جميعَ أهلِ القرية، إنهم قومُنا، وبهم تحمي نفسَكَ من اللصوصِ ومن اتّهام التجّار.

قال سعدٌ مصرّاً على رأيِه: كلاّ، كلاّ. السكوتُ أفضل. ومعَ الفجرِ أنطلقُ بها إلى مدينةِ دُبَيّ، فأبيعُها وتنتهي الحكاية.

كان في الكوخِ المجاورِ ثلاثةٌ من حُرّاسِ مركَبِ الغوص، وهم رجالٌ شَرِسونَ مسلّحونَ بالسيوفِ والخناجر، يستأجرُهم التجّارُ طيلةَ الموسم، فيحرسونَ اللؤلؤ على السفينةِ وفي الطريقِ إلى مدينة دبيّ، ثم ينتظرون حتى الموسمِ القادم.

من خلالِ السَعَفِ والطينِ سمعَ الحرّاسُ حِوارَ سعدٍ وزوجتهِ، وقرّروا أن يسلُبوه اللؤلؤة.

عندَ الفجرِ انطلقَ سعدٌ إلى مدينةِ دُبَيّ مشياً مع الشاطئ، وانطلقَ الحراسُ الثلاثةُ خلفَه بعدَ مدّة، ليمارسوا فعلَ اللصوصِ وقطّاعِ الطرق.

وعلى الشاطئِ الرمليِّ الخالي من الناس، التفتَ سعدٌ إلى ورائهِ ليطمئنّ، فرأى الحرّاس الثلاثةَ مسرعينَ إليهِ فأحسَّ بالشرِّ وبدأ يركض.

ركضَ اللصوصُ خلفَ سعدٍ وكانت مطاردةً عنيفة.

توقّفَ سعدٌ لحظةً يفكّرُ: أينَ الْمَفرّ؟ البحرُ عن يمينِهِ والصحراءُ أمامَه وعن يسارِه، واللصوصُ خلفَه بسيوفٍ مرفوعةٍ لامعة. أيقنَ أنهُ إن أعطاهم اللؤلؤةَ فسوف يقتلونَهُ لا محالَة فهو خصْمٌ وشاهِد. فألقى اللؤلؤةَ في البحرِ بكلِّ ما يستطيعُ من قوّة.

في نفسِ اللحظةِ وصلَ اللصوصُ إليهِ فقالَ: غوصوا واسترجِعوها.

قالَ أشدُّهم شرّاً وعدوانيّة: بل تغوصُ أنت وتأتينا بها، أو نقتلُك.

قالَ سعدٌ في نفسِهِ: هذا بالضبطِ ما أريدُه. وقذفَ نفسَه في البحرِ وسبح وسبح، ثم غاصَ تحتَ الماءِ وابتعدَ قدْرَ استطاعتِه.. وما زالَ يسبحُ ويغوصُ حتى وصلَ إلى قريتِه، ونادى على قومِه وحكى الحكاية.

أمّا اللصوصُ فكانوا يتابعونَهُ على الشاطئ حتى صاروا على مَقرُبةٍ من القرية. وعندَما شاهدوا اجتماعَ الغوّاصين، أدركوا أنهم قد انكشفوا فهربوا مسرعين.

وعانقَ سعدٌ رجالَ قومِهِ فرِحاً بسلامته.

 

???

 

جابِرٌ وجُبَير

 

((كتبوا هذه الحكاية قبلاً أكثر من مرّة، وكلّ مرّة بشكل جديد، وهذا ما أحاوله الآن، ولعلّي أوفَّق))

رُزِقَ الملِكُ ثلاثَ بناتٍ ولم يُرزَقْ بولدٍ واحد، فأصبحَ قلِقاً يخشى أن ينتقلَ عرشُهُ إلى أقاربِهِ بعدَ وفاتِه. وكلَّما مرَّ الزمنُ وكثُرَت بناتُ الملك، تفاقَمَ([11]) بهِ القلقُ حتى صارَ همّاً يُفسِدُ حياتَه، وتعاظَمَ سعيُهُ للحصولِ على الولد.. تزوّج كثيراً وطلَّق كثيراً وخلّف خمساً وستّين بنتاً.. وأخيراً جاءهُ الولد.

حينَ حُمِلَ إليهِ الولدُ فرِحَ لحظةً ثم انتابَهُ هَمٌّ عظيم: الطامعونَ بالعرشِ كثيرونَ وربّما يفكّرون في اغتيالِ([12]) الأميرِ أو تسميمِهِ ليرِثوا العرش، فهل يتركُهُ يعيشُ تحتَ الخطر؟ أم يدبِّرُ لـه عيشةً آمنةً ريثما يكبرُ ويصبحُ قادراً على الإمساكِ بالْحُكم؟

أمرَ الملكُ فأرجعوا الطفلَ إلى والدتِه. ثم استدعى وزيرَهُ لعلَّهُ يجدُ لـه تدبيراً يطَمئنُهُ على ولدِه.

جاءَ الوزيرُ سريعاً واستمعَ برَويّةٍ([13]) إلى الملِك، وفّكرَ مليّاً([14]) ثمّ قال:

-وجدْتُها.. وهي حيلةٌ قديمةٌ عندَ الملوكِ في مثلِ حالتِك.

قالَ الملك:

-فما هي؟

قالَ الوزير:

-نبدِّلُ الأميرَ سِرّاً بوليدٍ لأسرةٍ من الشعب، فينشأُ ابنُ الشعبِ في قصرِكَ على أنهُ ولدُك، وينشأُ الأميرُ عندَ الأسرةِ الشعبيةِ بعيداً عن الخطر. وبعدَ عشرينَ سنة نكشِفُ الحقيقةَ للناس، وننصِّبُ الأمير وليّاً للعهد.

قالَ الملك:

-نِعْمَ التدبيرُ يا وزيرَ الذكاء. فكيف ومتى يكونُ ذلك؟

قالَ الوزير:

-يجبُ أن يتِمَّ ذلك بأسرعِ وقتٍ ممكن، وبشرطِ أن لا تنتبِه الخادماتُ والمربِّياتُ للمسألة.

فقالَ الملك:

-لكنّ خادماتِ الملكةِ والمربِّياتُ رأينَ الأميرَ فورَ ولادتِهِ وحملْنَهُ إليّ.

قالَ الوزير وهو يضحك:

-مسألةٌ بسيطة. سندبِّرُ بديلاً في مثلِ عُمرِ الأميرِ ومثلِ لونِه، وتأمُرُ جلالتُكَ بِحَجْبِ الأميرِ عن الخدمِ والمربِّياتِ أربعينَ يوماً بحُجَّةِ حمايتِهِ من العينِ الحاسدة..

فضحكَ الملِكُ وتابع:

-وبعدَ أربعينَ يوماً تتغيّرُ ملامِحُهُ ولا ينتبِهُ أحد.

-أستأذِنُ يا مولايَ لأبدأَ البحثَ والتدبير.

وخرجَ الوزيرُ مسرعاً منهمِكاً يفكِّر، وأمرَ الملكُ فوراً بحَجبِ الأميرِ عن الجميعِ إلا والدتَه، حجباً يبدأُ الآنَ ويمتدُّ أربعينَ يوماً، بقصدِ حمايتِهِ من العينِ الحاسدة.

××××

بعدَ أيّامٍ ثلاثةٍ لا أكثر، أقبلَ الوزيرُ على الملكِ متلألئَ الوجهِ فرحاً وهو يقول:

-أبشِرْ([15]) يا مولايَ أبشِر. وجدْتُ ما قالَه الشاعر..

فقاطعَهُ الملك:

-دعني من الشعرِ وهاتِ الكلامَ الْمُفيد.

قالَ الوزير:

-الكلامُ المفيدُ في بيتِ الشعرِ فاصبِرْ أرجوك.

ألَحَّ الملكُ وقد فقدَ صبرَه:

-انطِقْهُ بسرعةٍ، خلِّصْني.

 

فأنشدَ الوزير:

وعلِمْتُ حينَ العِلْمُ زَينٌ للفتى

 

 

 

أنَّ التي ضيَّعتُها كانت معي

 

 

 

 

قالَ الملكُ بانزعاجٍ وإصرار:

-سَمِعتُ ولم أفهمْ فماذا تعني، وما التي ضيّعْتَها واكتشفتَ أنها معك؟

قالَ الوزير:

-منذُ تلكَ الليلةِ استدعَيتُ المخبِرينَ السرّيين، وأمرتُهم بالبحثِ والاستقصاءِ([16]) في بيوتِ الشعبِ عن طفلٍ وُلِدَ لِتَوِّهِ([17]) أو منذُ أيام، على أن يبقى البحثُ سرّاً لا يعرفُهُ أحد. واليومَ وجدْتُ الضالّةَ المنشودةَ([18]) في قصري أنا: زوجةُ البستانيِّ عندي أنجبَت ولداً يومَ وُلِدَ الأمير. وقد أغريتُها وزوجَها ببعضِ الذهب، فقبِلا بالمبادلةِ عشرينَ سَنة وبِكَتمِ السرّ.

أشرقَ وجهُ الملكِ وارتاحَ في جلستِهِ وقال:

-أحسنتَ أحسنت، الآنَ اطمأنَّ بالي.

وعلى الفَورِ أحضروا الطفلَ والطبيبَ الكحّال([19])، فوشَمَ([20]) ذراعَ الطفلِ بشعارِ([21]) الملكِ ليتميَّز به طولَ عمرِه، ثم أخذتهُ زوجةُ البستانيِّ إلى بيتِها بعدَ أن وضعَت محلَّهُ طفلَها، وأطلَقَ الملكُ على ابنِهِ اسمَ "جابرٍ" وعلى ابنِ البستانيِّ اسمَ: جُبَير.

××××

في أسرةِ البستانيِّ نشأ الأميرُ جابر، فلَقِيَ الحُبَّ والحنانَ من الأبوينِ والأولاد، ونشأ مثلَهم على حبِّ العملِ والتحلّي بمكارِمِ الأخلاق.

ونشأَ جَبَيرٌ في قصرِ الملكِ نشأةَ الأمراء، عِنايةٌ ولَعِبٌ وتعليم، ثم رياضةٌ وفروسيّةٌ وسِباحةٌ ورِمايةٌ للسهامِ ومبارزةٌ بالسيف. وقد بَرَعَ في ذلك كلِّه، لكنه كان يشعرُ بشيءٍ ينقُصُهُ وهو حُبُّ الأبوين. وكلّما تقدَّمَ الزمنُ ترسَّخَ شعورُهُ بأنه غيرُ محبوبٍ فنشأَ لا يشعرُ بالحبِّ نحو أحد. وعندَما كبِرَ كان مثالاً للأميرِ الحازمِ والعسكريِّ الماهِر، لا عيبَ فيهِ إلاّ قسوةُ قلبِهِ وجَفافُ عاطفتِه.

××××

وما أسرعَ ما يَمرُّ الزمنُ، خصوصاً في الحكايات. وهكذا وجدَ الأميرانِ المزيَّفُ والأصيلُ نفسَيهِما في حفلةٍ ملَكيّةِ حاشدة، وأمامَ حقيقةٍ جديدةٍ أعلنَها الوزيرُ بعدَ أن كشفَ عن ذراعِ الأميرِ جابر، وأظهرَ للجميعِ وَشْمَ الملكِ على ساعدِه..

انحنى جابرٌ لأبيهِ تحيّةَ احترامٍ وقال:

-والدي ومولايَ المعظَّم، لئن سرَّني أني غدَوتُ أميراً ووليّاً لعهدِك، فقد أحزنَني فِراقُ أبويَّ الكريمينِ الواقفَينِ أمامَك، البستانيِّ الطيّبِ وزوجتِه، اللذينِ عشتُ بينَهما أجملَ سنواتِ عمري، متمتّعاً بالحبِّ والعملِ والفضيلة. وإني أعاهدُهما أمامَكَ وأمامَ الجميع، أن أبقى وفيّاً لهما ولإخوتي منهما طولَ الحياة.

أشرقَ وجهُ الملكِ فخراً وإعجاباً وقال:

-أحسنتَ يا ولدي أحسنت. هذه حقّاً أخلاقُ الأمراء.

أمّا جُبَير، الذي خسِرَ كلَّ شيءٍ وهوى من قِمّةِ المجدِ في لحظةٍ واحدة، فواجهَ الصدمةَ بقسوةِ القلبِ التي تربّى عليها، وحدّقَ في وجهِ الملك وهو يقول:

-أمّا أنا، فلن أبقى في هذه المملكةِ بعدَ اليوم.

فعاجلَهُ الوزيرُ موبِّخاً:

-أهكذا تشكرُ مولاكَ على نعمتِه؟

قالَ جُبير:

-هل أشكرُه لجعلي عُرضةٍ للقتلِ عشرينَ سنة؟ أم لجعلي سخريةً للناسِ بقيّةَ حياتي؟

قالَ الملكُ باحتقار:

-أنت وقحٌ وبلا أدب.

أجابَ جُبير بجفاف:

-هذهِ تربيتُكم ولا ذنبَ لي.

وانصرَفَ صُلبَ القامةِ جامدَ النظرةِ لا يلتفتُ إلى أحد. وحين مرَّ بوالدَيهِ صرخَت أمّهُ تستوقفُه:

-ولدي جُبير، ودِّعْنا على الأقلِّ فنحنُ أبوكَ وأمُّك.

فنظرَ إلى والدَيهِ قائلاً دونَ أن يتوقّف:

-وهل أعرفُكما؟

وتابعَ حتى خرجَ والجمعُ صامتون. أمّا والدته فسالَت دموعُها وهمسَت لزوجِها:

-لننصرفْ نحنُ أيضاً.

فأجابَ زوجُها:

-فقد خسرنا ولدنا لكننا كسِبْنا أميراً وفيّاً رحيماً نشأَ على يدَينا، وسوفَ يكونُ أفضلَ ملك. هذا عزاؤنا عن الخسارة.

 

D®S

 


 

 

الليمونات الثلاث

 

كان في قديمِ الزمانِ مملكةٌ صغيرة، أرضُها خيِّرةٌ وأهلُها طيّبون. أمّا الملكُ واسمُهُ "مَيمونٌ"، فكانَ جبّاراً لا يعرفُ الرحمة، ويخافُهُ أصدقاؤهُ قبلَ أعدائه، لكنّ فيهِ نقطةَ ضَعفٍ واحدةَ هي حبُّه الجنونيُّ للّيمون، فإذا رأى ليمونةً ولو تافهةً ضعُفَت إرادتُهُ وصارَ يتلهّفُ عليها كالمحروم، فإن كانَ حينذاكَ مكتفياً من أكلِ الليمون، فإنه يطبِقُ كفَّهُ على تلكَ الليمونةِ لا يترُكُها كأنها كنزٌ من الكنوز.

وقد بلغَ من حبِّه للّيمونِ أن جعلَ صورةَ الليمونةِ شعاراً للمملكة، يُنقَشُ على علَمِها وثيابِ الأسرةِ المالِكة، وثيابِ الوزيرِ وقادةِ الجيشِ وقبّعاتِ الجنود. ثم تمادى في ذلك فأمرَ ببناءِ قصرٍ ملكيٍّ جديدٍ على شكلِ نصفِ ليمونة، وسمّاهُ قبل أن يُبنى: قصرَ الليمونة.

استغرقَ بناءُ القصرِ سنتين، وبدأ الملكُ يستعدُّ لافتتاحه، فدعا الملوكَ المجاورينَ والأمراءَ وقادةَ الجيش، والأغنياء وكبارَ التجّار، وأقامَ في القصرِ احتفالاً لم تعرِف البلادُ أضخمَ منهُ ولا أشدَّ إسرافاً وترَفاً. فبعدَ الموائدِ العامرةِ بما لذَّ وطابَ من الطعامِ وشرابِ الليمونِ بالعسل، رقصَ الجميعُ رقصةَ الليمونة، وهي رقصةٌ ابتكرَها معلّمو الرقصِ عندَ الملكِ مَيمون، لتكونَ الرقصةَ الجديدةَ والوحيدةَ المسموحُ بها في بلادِهِ بعدَ الآن.

في نهايةِ الحفلةِ أمرَ الملكُ ميمونٌ بتوزيعِ الهدايا على الضيوف. وفوجئَ هؤلاء بالخدَمِ يحملونَ إليهم أطباقاً مليئةً بثمارِ الليمونِ الكبيرةِ الناضجة، وحين مدّوا أيديَهم إليها، اكتشفوا أنها جواهرُ ضخمةٌ وسبائكُ ذهبيّةٌ صِيغَت([22]) على شكلِ الليمون.. وهكذا بلغَت كُلفةُ الحفلةِ سبعةَ ملايينَ من ليراتِ الذهب.

ردّ الضيوفُ على نعمةِ الملكِ بالثناءِ والتمجيد، وسمّاهُ أميرٌ مجاورٌ لبلادِهِ "ملكَ الليمون"، فازدهى ميمونُ بهذا اللقب، وأعلنَ أمامَ الجميعِ تسميةَ مملكتِهِ "مملكة الليمونة" بعدَ أن كانَ اسمُها "المملكة الميمونة"([23]).

××××

في الخريفِ التالي، وثمارُ الليمونِ فجّةٌ([24]) صغيرة، اجتاحَت المملكةَ كارثةٌ رهيبةٌ لم تشهدْ مثلَها على الإطلاق؛ موجةٌ مفاجئةٌ وقاسيةٌ من الثلجِ والصقيع. وتكاثفَ الثلجُ طبقاتٍ صلبةً فوقَ طبقات، وبدأ الناسُ يعانونَ من البردِ وقلّةِ الوَقود.

ما كانَ الملكُ المستدفئُ في قصرِهِ يهتمُّ بالناسِ ولا بالبلاد، بل كان دماغُهُ يتقافزُ في رأسِهِ بهَمٍّ واحد: ما مصيرُ أشجارِ الليمونِ وهي لا تحتملُ البردَ ولا تصمُدُ للصقيع؟

كان خوفُ الملكِ في محلّه. وبدأت أشجارُ الليمونِ تيبَسُ وتموت.

تحوّلَ قلقُ الملكِ إلى هلَعٍ وبدأ يتحرّكُ في كلِّ اتجاهٍ كوحشٍ حبيسٍ في قفص، ويوَسوِسُ كالمجنونِ بكلمةٍ واحدة: الليمون.. الليمون..

كان يملِكُ مخازنَ من سبائكِ الذهب، ويقدرُ أن يستوردَ من الممالكِ المجاورةِ ما يشاء، لكنه كان يخشى أن يشمَتَ الملوكُ المجاورونَ ويقولوا: ملِكُ الليمونِ محتاجٌ إلى الليمون..

رغمَ هذه المخاوفِ الأليمة، فإن الملكَ لم يفقِدْ عقلَهُ تماماً ولم يَعدَمْ التدبيرَ والحلةَ، فأمرَ مزارعي مملكتِهِ بتدفئةِ أشجارِ الليمونِ بكلِّ الوسائلِ الممكنة، ووعدَ بمكافأةٍ مقدارُها ليمونةٌ من الذهبِ ثمناً لكلِّ ليمونةٍ ينتجُها أيُّ إنسانٍ في المملكة.

××××

كان في المملكةِ فلاّحٌ كهلٌ عركتهُ الحياةُ وعلّمتهُ التجارب، وهو منذ طفولتِهِ مثالٌ للذكاءِ والنشاطِ وحُبِّ الشعرِ والحكايات. كان أبوهُ فلاّحاً فقيراً يملِكُ أرضاً صغيرةً ويعيشُ منها. أما الفتى فقد دفعَهُ الفقر وحبُّ المغامرةِ إلى أعمالٍ مختلفةٍ عديدة. اشتغلَ صيّاداً وبحاراً وجندياً وحدّاداً وفي كلِّ مهنةٍ تخطرُ على البال. مع هذه الأعمالِ كلِّها كان يجمعُ الناسَ حولَه، فيحرّكُ وجدانَهم ويثيرُ خيالَهم بما يقصُّهُ عليهِم من مغامراتٍ وما يخترعُهُ من حكايات، وكانَ يضيفُ إلى روعةِ الحكاياتِ جمالَ الشعرِ والغناء.

حينَ توفّي أبوه، هجرَ أرضَهُ الصغيرةَ الجرداءَ وانطلقَ يتجوّلُ بينَ الناسِ كالطيرِ الْمُهاجرِ: شاعراً شعبياً وقصّاصاً متجوِّلاً في القرى والحاراتِ الشعبية الفقيرة.

لكنّهُ عادَ فلاّحاً بحادثةٍ مُضحِكةٍ مُبكِية: لقد عرَفَ الملكُ ميمونٌ بأمرِه، ورأى أن الانشغالَ بالأدبِ من شعرٍ وحكاياتٍ ليس عملاً منتجاً بل تضييعٌ لوقتِ الشعب، فأمرَ الشعراءَ والقصّاصين أن يعملوا بزراعة الليمون. وهكذا عادَ شاعرُنا فلاّحاً في أرضِ أبيه لكنْ بأمرٍ ملَكي.

ماذا فعلَ ذلكَ الأديبُ الفلاّحُ لينقِذَ أشجارَ الليمونِ في بستانِه؟ فكَّرَ وفكَّرَ ثم تذكَّر: في الحربِ يُضحّي بعضُ الناسِ بأنفسِهم ليعيشَ الآخَرون، فلِمَ لا يضحّي ببعضِ أشجارِ الليمونِ لينقذَ الباقي؟

حملَ بلطتَهُ فوراً ومعَهُ حطَبةٌ مشتعلةٌ واتجهَ إلى الأشجار. قطعَ واحدةً ضعيفةً مصفرّةً ودسَّ تحتَها الحطَبة المشتعلة. وما زالَ ينفخُ وينفخُ حتى أخذت الشجرةُ تشتعل. كانَ اشتعالاً صعباً بطيئاً لكنّهُ كثيفُ الدُّخانِ وهو المطلوب.. ولفَّ الدخانُ الدافئُ الأشجارَ يُدفئُها ويحاربُ الصقيع.

استمرَّ صاحبُنا يضحّي بأشجارِهِ ثلاثينَ يوماً، أحرقَ فيها تسعاً وتسعينَ شجرةً هي كلّ أشجارِ بستانِهِ إلاّ شجرة..

وأخيراً رحلَ الصقيعُ واتجهَ الطقسُ إلى التحسّن، وانفردَت في أرضِ البستانِ شجرةُ ليمونٍ ضخمةٌ واحدة، تحملُ ليموناتٍ ثلاثاً كبيرةً خضراء مصفرّةً تقارِبُ النضوج.

بعدَ شهرٍ من الزمنِ صارت الليموناتُ صفراءَ برّاقةً كنجومِ السماء، تتألّقُ فوقَ شجرةٍ حيّةٍ واحدةٍ تعيشُ بفضلِ تسعٍ وتسعينَ شجرةٍ ضحيّة.

وحانَ وقتُ القِطافِ وامتدّت أناملُ الفلاّحِ إلى الثمارِ مرتعشةً حنونة. قطفَها ووضعَها في كيسٍ قماشيٍّ صغيرٍ علّقَهُ في حزامِه، وانطلقَ نحو قصرِ الليمونةِ في عاصمةِ المملكة، التي تبعُدُ مسيرَ ثلاثةِ أيّام.

×××××