العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

الشّوارب

 

وقف صهيب أمام صورة جدّه المعلّقة على حائط الصّالون، والمؤطّرة بإطار مذّهب لمّاع.

كان الجد يضع طربوشاً أحمر، لـه شرّابة سوداء، عيناه لوزيتان أنفه إجاصي، أمّا شارباه فكانا كثيفين ومعقوفين، كجناحي سنونوة.

مدّ صهيب أصابعه إلى شفته العليا، جسَّها، كانت ملساء ناعمة، قطّب جبينه، وقال مخاطباً الصّورة:

-جدّي.. من أين اشتريت شواربك؟

ابتسم الجدّ، قال:

-الشّوارب لا تباع، عندما تكبر ستنبت لك شوارب.

-لقد كبرت، صرت في الصّفّ الرّابع

-ما زلت صغيراً، لا تستعجل، ستمرّ الأيّام، ويصبح لك شوارب كشواربي.

استدار صهيب بنزق، شاهد زينب- أخته التوأم- نائمة على الأريكة وشعرها الأشقر الطّويل ممدد على المخدّة.

لمعت عيناه، أحضر حقيبته، فتحها، أخرج مقصّاً صغيراً وصمغاً.

مشى على رؤوس أصابعه، وضع أذنه على باب غرفة نوم والديه، سمع شخيراً، قال:

-إنّهما نائمان، سأغتنم الفرصة، قبل أن يصحوا من قيلولتهما.

اقترب من زينب، بهدوء وحذر، ماسكاً المقصّ ذا الشّفرتين الحادّتين، قبض على خصلة شعر صغيرة، وقصّها.

تنفّس بعمق، ذهب إلى المرآة، وضع صمغاً على شفته العليا، وبدأ يلصق الشّعرات المقصوصة.

بعد قليل، كان لصهيب شاربان طويلان أشقران.

نفخ صدره كديك، ومشى متبختراً، عائداً إلى صورة جدّه.

-انظر يا جدّي، لقد صرت رجلاً.

تنهّد الجدّ، قال:

-ألم أقل لك لا تستعجل، لماذا لا تسمع الكلمة؟ أنت ما تزال صغيراً وضعيفاً.

غضب صهيب، قال:

- بل أنا كبير وقوي، انظر.

ركض إلى الطاولة، أزاح عنها الزهريّة، أمسكها من طرفيها، وما إن رفعها حتى اختلّ توازنه، فسقط، وسقطت فوقه.

هرع إليه الأبوان فور سماعهما الصّوت، بينما جلست زينب تعرك عينيها.

أزاح الأب المنضدة عن صغيره، اطمأن على سلامته، وطلب منه أن يحكي له ما جرى.

كانت زينب تعود للنّوم، عندما كان أخوها يروي قصّته، فجأة سمعت عبارة:

-اقتربت من زينب، أمسكت خصلة من شعرها، وقصصتها.

نطّت زينب كأرنب، ركضت إليه باكية صائحة:

-قصصت شعري؟! سأنتف شواربك شعرة شعرة.

-اتركي شواربي.. آخ.. آخ..

أمسكت الأم زينب، أدخلتها غرفة النّوم، قائلة:

-لا تبكي يا حبيبتي، سيطول شعرك، تعالي، سننام معاً.

اقترب الأب من صهيب، قال:

-اسمع يا صغيري، عندما كان جدّك في مثل سنّك، لم يكن لـه شوارب لكن عندما كبر، قوي جسمه، ونبت شاربه، انظر إلى شاربك المنتوف لقد سقط على الأرض لأنّه مزيّف، المفروض أن تأكل وتدرس لتكبر وتصبح "شابّاً مشورباً"، قويّاً بجسمه وعقله.

اقتنع الصغير بكلام والده، وراح ينتف ما تبقّى من شاربه المزيّف، بينما كان الجد يضحك، وهو يفتل بأصابعه شاربيه الكثيفين والمعقوفين، كجناحي سنونوة.

ÄÄ

 

المتاهة

 

رياض.. يحبّ قراءة مجلاّت الأطفال، ويجد متعة في صفحة التّسليات. فما إن يمسك المجلّة، حتى يفتح على صفحة التسليات، ويبدأ بحلّ المتاهة. والمتاهة – كما تعرفون- عبارة عن طرق متعددة، متعرّجة، كلّها مقفلة سوى طريق واحد مفتوح.

كان رياض يمسك بالقلم، ويسير عبر الطّرق، ليكتشف الطريق المفتوح. مرةً.. يدلّ الطّفل الذي يحمل بيده إبريق الماء على الطّريق الموصل إلى الأصيص، ليسقي الوردة الجميلة الحمراء.

ومرة.. يساعد الطفلة ذات الجديلتين الحلوتين، للوصول إلى لعبتها التي ترتدي ثوباً مزركشاً بالزّهور والفراشات.

اليوم.. حدث أمر مثير؟!

فتح رياض كعادته على صفحة التسليات، نظر إلى متاهته، فرأى في طرفها الأول صيّاداً يرتدي لباساً جميلاً، وبيده بندقيّة لمّاعة، وفي طرفها الثاني، أرنب صغير لونه أبيض.

أمسك القلم، وبدأ يكتشف الطريق، فجأة.. توقّف خائفاً، تذكّر أنّ الصّياد سيطلق النّار على الأرنب، ويقتله.

ارتجفت يده، لكنّه استطاع التخلّص.

أتعرفون ما فعل؟ سأقول لكم:

تظاهر رياضٍ أنّه توقّف لأن الطريق مسدود، الحقيقة أن الطّريق لم يكن مسدوداً، هو سدّه،
رسم خطاً بالقلم فانسدّ، أمّا الطريقان الثّاني
والثّالث فكانا مسدودين.

وضع رياض القلم، نظر إلى الصّياد، فوجده ينظر باتّجاهه غاضباً مصوّباً البندقيّة نحوه.

خاف رياض، وبدأ يرتجف.

لكن.. ما إن نظر إلى الأرنب، حتّى هدأ، وتحوّل خوفه إلى سعادة كبيرة، فأرنبه الحبيب، كان مسروراً جدّاً، حتّى إنّه صار ينطّ فرحاً..

 

¢¢¢

ردود سريعة

 

الصّديقة (ريم الكاتب)، ليتك تبذلين جهداً في تحسين خطّك، الخاطرة الّتي أرسلتها ملأى بالأخطاء الإملائية، ننصحك بالمطالعة، أهلاً بك صديقة للمجلّة.

ألقت ريم مجلّة الأطفال جانباً، ركضت إلى خزانتها، وأحضرت النسخة الثّانية لخاطرتها، ثمّ ذهبت إلى المطبخ، وقالت لأمّها غاضبةً:

-ماما.. هل هذه الخاطرة سيّئة؟!

مسحت الأم يديها المبلّلتين بالمنشفة، ثمّ جلست على الكرسي وبدأت تقرأ بصوت مسموع:

البحر

البحر كالسّماء الصّافية، و...

توقّفت الأم فجأة، قرّبت الورقة من عينيها، ثمّ نظرت إلى ريم وقالت:

-ما هذه الكلمة يا ريم؟ إنّها غير واضحة، فخطّك رديء.

تلعثمت ريم، بلعت ريقها، وقالت:

-هدير.

تابعت الأمّ القراءة:

وهدير أمواجه مثل صوت الرّعد، إنّه كبير جداً جداً، وعندما تصطع. ومرةً ثانية توقّفت تسأل:

-ما هذا يا ريم؟ كيف تستبدلين حرف السّين في كلمة تسطع بحرف الصّاد؟!

احمرّ وجه ريم، بينما تابعت الأم القراءة:

عندما تسطع الشمس على وجهه، يلمع مثل المرايا، الأطفال يسبحون كأنّهم أسماك صغيرة، إنّ البحر المالح هو الذي يشعرني بالانتعاش.

توقّفت الأم عن القراءة، مسحت على شعر صغيرتها، قالت:

-يجب أن تهتمّي بدراستك، وتقرئي قصصاً كثيرة، وأعدك أن أشتري لك كلّ أسبوع مجلّة أطفال.

وفعلاً.. صارت ريم تقرأ المجلاّت التي تحضرها أمّها، إضافة لاهتمامها بدروسها.

بعد عدة أشهر، وما أن فتحت ريم على صفحة الرّدود السّريعة حتّى خفق قلبها، ركضت فرحة إلى أمها، وقالت:

-ماما.. ماما، اقرئي ردّ المجلّة على قصّتي الأخيرة.

أمسكت الأم المجلّة، وقرأت:

-الأديبة الصّغيرة (ريم الكاتب)، أنت موهوبة، ترقّبي نشر قصّتك الجميلة في العدد القادم، وشكراً.

***

كلمات متقاطعة

 

أمسكت مزنة مجلّة الأطفال، وبدأت تقلّب صفحاتها، وما أن وصلت إلى صفحة التسليات، حتّى انتبهت إلى المربّع الكبير، الذي يضمّ مربّعات صغيرة بيضاء، وأخرى سوداء.

وضعت مزنة المجلّة جانباً، وتوجّهت إلى منضدتها، لتحضر قلمها الأسود ثمّ بدأت تقرأ السّطور الأفقيّة كي تحلّها.

1-الاسم الأوّل لخليفة أموي.؟

قطبت مزنة جبينها، وقالت:

-إنّهم كثير، سأطمس مربعات هذا السّطر بالأسود، وأنتقل إلى السّطر الثاني.

2-حرف جر.

-نسيت حروف الجر، سأطمس هذا السّطر أيضاً، فربّما يكون السّطر الثالث أسهل.

3-من الأمراض السّارية؟

-أف.. ما هذه الأسئلة؟ سأطمسه أيضاً وأنتقل إلى المربّعات العمودية.

1-عاصمة دولة عربية.

-وكيف أعرفها وأنا لا أحبّ أن أنظر في الخرائط؟ سألوّن المربعات بالأسود، وأنتقل إلى العمود الأخير.

5-كلمة مشابهة لكلمة جهل.

فكّرت مزنة طويلاً، ثم قالت:

-هذه اللّعبة مزعجة، سأطمس المربعات الأربعة المتبقية.

وفور انتهائها، لاحظت أنّ المربع الكبير، بدا كلّه أسود مظلماً، فجأة.. عرفت أنّ الكلمة المشابهة لكلمة جهل، هي ظلام .

???

صفحة تعارف

 

دخلت مها بوّابة العمارة مسرعة، نطّت على الدّرج برشاقة مدّت سبّابتها، وضغطت زرّ الجرس، فرنّ رنيناً طويلاً.

-على مهلك.. على مهلك، سأفتح، مالأمر؟

-افتحي يا ماما.. افتحي.

فتحت الأمّ الباب، وقبل أن تستفسر من صغيرتها عن سبب تسرّعها، سألت مها:

-ماما.. أين علاء؟

-في الصّالة، ما الأمر؟

ركضت مها نحو الصّالة، وهي تفتح حقيبتها.

كان علاء يعلّق صدّارة المدرسة على المشجب، حين دخلت مها لاهثة، تقول:

-علاء.. لقد نشروا صورتينا في مجلّة الأطفال، تعال لترى.

رمى علاء الصّدارة على الكرسي، اقترب من أخته، قائلاً:

-صورتي منشورة، أين؟ أرني إيّاها.

قلبت مها على صفحة التّعارف، قالت:

-تفرّج، هذه صورتك، وهذه صورتي، لاحظ، لا يوجد أحد من أصدقائنا الأطفال يضع نظارة سواي، أتعرف؟ كنت لا أطيق وضعها، لكنّها تبدو رائعة بإطارها المدوّر، آه كم أبدو جميلة.

أمسك علاء المجلّة، تأمّل صورته مبتسماً، ثم قام متوجّهاً إلى خزانته، مخرجاً مقصّه الصّغير.

سألته مها بدهشة:

-لماذا المقصّ يا علاء؟

-سأقصّ صورتي، لألصقها على دفتري.

-لا تفعل، ستشوّه الصّفحة.

-هذا ليس شأنك، الصّفحة ملأى بالصّور، وأنا لا أحبّ أن يزاحمني أحد.

-لكنّهم أصدقاؤك.

-أنا لا أعرفهم.

-تعرّف عليهم، انظر، كلّهم ظرفاء.

قطّب علاء جبينه، زمّ شفتيه، وبدأ يقصّ صورته.

بعد قليل، وحينما انتهى من لصقها على صفحة بيضاء، اقتربت منه مها، وقالت:

-انظر يا علاء، صورتك تبدو حزينة، لقد كانت أجمل قبل القصّ، مؤكّد أنّها تشعر بالوحدة والملل، كان عليك ألاّ تقصّها.

فكّر علاء بكلام أخته، تأمّل صورته، وفجأة.. انتزعها ثمّ أحضر لاصقاً شفّافاً، ولصقها في مكانها من جديد..

فرحت مها، نظرت إليه بمودّة، عانقته، قالت:

أحسنت، لقد أعدت للصّفحة جمالها، ولوجهك إشراقه.

نظر علاء إلى الصّفحة، فرأى وجوه الأطفال، فرحة ضاحكة، كأنّها تقول له:

-مرحباً بصديقنا الجديد.

§?§

قلم الرّصاص

 

سمع قلم الرّصاص صوت أنين، نظر حوله، فشاهد الورقة التي كان يرسم فوقها منذ قليل، تتلوّى بألم.

تعجّب القلم، وسأل مستفسراً:

-ما بك يا صديقتي، لماذا تتألمين؟

تململت الورقة، وقالت:

-لأنّك ظالم، وقلبك أسود، فالأقلام ترسم الخطوط برقّة وانسياب أمّا أنت، فترسم بوحشيّة، انظر إلى شكل العصفور الذي رسمته، ألا ترى أنّك خدشتني أثناء الرّسم، إنّني أتألم، بينما تستلقي أنت مرتاحاً ولا ينقصك سوى أن تغنّي.

شعر قلم الرّصاص بالحرج، وقال:

-عذراً يا صديقتي، إنّ خدشي إيّاك ليس ذنبي، لأنّ اليد التي تمسكني بقسوة هي السّبب، فأنا أشعر بالاختناق من شدّة الضغط ومع هذا أصبر، في سبيل أن يرسم الأطفال رسوماً حلوة.

اقتنعت الورقة بكلام القلم، وابتسمت راضية، ثمّ اقتربت منه، كأنّها تريد أن تسمعه تغريد العصفور المرسوم فوقها.

 

$$$


 

 

نقاش

جلس نبيل وليلى إلى مائدة الإفطار متقابلين

نظرت ليلى إلى باقة الورد أمامها، قالت:

-الله.. ما أحلى الورود، إنّها تفتح الشّهيّة.

تلمّظ نبيل، قال:

-صحيح، لكن أين الطّعام؟ أنا لا أرى سوى ملعقتين.

ثم مدّ يده ليمسك الملعقة، لكنّه توقّف وقال:

-انظري يا ليلى، الملعقتان تشكلان رقم سبعة.

تعجّبت ليلى، قالت:

-تقصد ثمانية.

-لا.. سبعة يا كسولة.

غضبت ليلى، قالت:

-قلت لك ثمانية يا غبي.

تعالت الأصوات، سبعة، ثمانية، كسول، غبيّة.

فجأة.. حضرت الأم ممسكة بيدها صحناً مليئاً (بالفول المدمّس). وضعت الصّحن على الطّاولة، قالت:

-لمَ الصراخ... عيب.. ما القصة؟

قال نبيل محتدّاً:

-أليس هذا هو الرقم سبعة؟ وأشار إلى الملعقتين.

ضربت ليلى الطاولة بقبضتها الصغيرة، قالت:

-بل ثمانية.. ثمانية، ألا تفهم؟!

ضحكت الأم، قالت:

-طيّب.. ليجلس كلّ منكما مكان الآخر، ويقرأ الرّقم.

وفور تبادلهما، سألت الأم:

-اقرأ يا نبيل.

خجل نبيل، وتمتم قائلاً:

-ثمانية.

-وأنت يا ليلى، اقرئي.

حكّت ليلى رأسها، قالت:

-سبعة.

أمسكت الأم الملعقتين، وقدّمتهما لصغيريهما، قائلة:

-كان يجب أن تتناقشا بهدوء، لتصلا إلى نتيجة سليمة، الآن.. تفضّلا بالأكل، قبل أن يبرد الفول.

ابتسم الصغيران، وراحا يأكلان بشهيّة.

���

لعبة التخيّل

 

وضع يزن دفتر الرّسم وعلبة الألوان على المنضدة وجلس قبالة أخته سارة، ليلعبا لعبة التخيّل.

قال يزن:

-ابدئي يا سارة، وحدّدي حرفاً، كي أرسم شكلاً يشبهه.

فكّرت سارة قليلاً، قالت:

-لنبدأ من الحرف الأوّل، الألف.

أمسك يزن القلم الأخضر، ورسم شجرة سرو، يقف على رأسها طائر جميل، ثمّ قال:

-شجرة السّرو هي الألف، والطائر يمثّل الهمزة.

ابتسمت سارة راضية، وقالت:

-حدّد لي حرفاً، وسأرسم له شكلاً مناسباً.

دفع يزن الدّفتر باتّجاه سارة، وقال لها:

تخيّلي شكلاً لحرف الباء.

حكّت سارة رأسها، ثمّ أمسكت بالقلم البنّي، وراحت ترسم زورقاً صغيراً، وبدل النقطة، رسمت سمكة صغيرة.

صفّق يزن قائلاً:

-ما رأيك أن نصطاد هذه السّمكة بالصّنارة؟

صاحت سارة:

-الصّنارة المعقوفة، تشبه حرف الحاء!!

رسم يزن الصّنارة أمام الزّورق، فجأة، نطت سارة فرحة، وقالت:

-أ.. ح.. ب، الله – أُحِبْ- ما أروع هذه الكلمة.

نظر يزن دهشاً إلى الصّفحة، فتخيّل أنّها تمتلئ بالأزهار والعصافير والأشجار.

 

 

<<<
 

ميزان الحرارة

 

على حائط ممّر طويل، وبجانب ساعة نحاسيّة الأرقام، عُلّق ميزان حرارة زئبقي.

مرةً.. حاول الميزان أن يرتاح، لكنه لم يستطع، التفت إلى السّاعة قال:

-ساعة، هل سيبقى الطقس متقلّباً؟ أنا لا أستطيع الرّاحة، بطني الكبيرة تؤلمني، فكلما ارتفعت درجة الحرارة أو انخفضت، تحرّك زئبقي واندفع عبر عنقي الطوّيل، لماذا لا تبقى الحرارة ثابتة؟

تكّت السّاعة عدّة تكّات، قالت:

-إذا بقيت الحرارة ثابتة، فلن تتغيّر الفصول، ولن يتبدّل اللّيل والنّهار.

-لكنّني تعبت لكثرة الصّعود والهبوط.

-ميزان.. اسمع هذه القصة:

ذات يوم كُسر أحد مسنناتي، أنت لم تكن قد علّقت بجانبي بعد لقد توقفت مدّة ثلاث وعشرين ساعة، في البداية فرحت، لأنّ عقاربي داخت لكثرة الدّوران، لكن، بعد فترة قصيرة شعرت بالملل، لأنّني لم أعد أشير إلى مواعيد الاستيقاظ والطّعام والنّوم.

صار وجهي المدوّر شاحباً ومريضاً، لم أشعر بالحياة تعود إلي إلاّ بعد أن تمّ إصلاحي، وعدت إلى عملي.

فكرّ الميزان ذو العنق الطّويل، بكلام السّاعة، وقال:

-أشكركِ يا صديقتي، لقد شجّعتني على العمل، سيبقى زئبقي يرتفع وينخفض:

مع كل بزوغ شمس وطلوع قمر.

مع كل هبوب ريح وهطول مطر.

ááá
 

الحمار يغني

عند الفجر، نطّ الدّيك على سطح الخم، صفّق بجناحيه الملونين، وصاح:

-كوكو.. كوكو..

فتح الحمار عينيه الكبيرتين، ضرب الأرض بحافره، وقال غاضباً:

-اخرس أيّها الدّيك، ما هذه العادة؟ كلّ صباح توقظ الحيوانات بصوتك البشع، لقد قطعت مناماً جميلاً كنت أراه.

تضايق الدّيك، فصار لون عرفه كالدّم، لكنّه ضبط نفسه، وقال:

-وماذا رأيت، يا حمار؟

-رأيت بيدرنا مزّيناً بالمصابيح، الحيوانات تجلس حوله بشكل دائري، البطة، الكلب، المعزاة، أنت ودجاجاتك، إضافة إلى ابني الصّغير (جحّوش) أمّا أنا- الحمار- فكنت أقف على ظهر البيدر، واضعاً في عنقي طوقاً من الورد كنت أغنّي، بمناسبة عيد الحصاد، بينما كانت الحيوانات تتمايل طرباً.

ضحك الدّيك حتّى كاد يقع من فوق الخم، وقال:

-حمار.. ما هذا الكلام، كيف تسمح لك الحيوانات بالغناء، وصوتك من أنكر الأصوات.؟ على كل حال إنّه حلم لا أكثر.

غضب الحمار، نصب أذنيه على شكل رقم 11- وقال:

-ديك.. الزم حدودك، واعرف مع من تتكلّم، أنا مطرب، أباً عن جد، صوتي جميل ومؤثّر، حتى أنّني أستطيع أن أجعل كل من يسمعني يرقص فرحاً.

ابتسم الدّيك ابتسامة خفية، قال:

-طيّب.. إذا كنت صادقاً، أسمعنا صوتك، وسنرى.

هزّ الحمار رأسه، فتحرّكت أذناه الطّويلتان كمروحتين، أغمض عينيه، أخذ نفساً عميقاً، وراح ينهق.

سمعت الحيوانات نهيق الحمار، فراحت تفكّر في طريقة للخلاص.

البطّة.. ركضت إلى المستنقع، وغطست تحت الماء كي لا تسمع شيئاً.

الكلب.. ترك بيت الحراسة، وجرى إلى مسكبة البصل، قلع بصلتين، وأدخلهما في أذنيه.

المعزاة.. أمسكت أذنيها الطوّيلتين بأظلافها، وربطتهما تحت ذقنها كي لا يتسرّب إليهما الصّوت.

أمّا الدّيك، فقد دخل القن، مغلقاً الباب خلفه.

فجأة.. خرج صاحب المزرعة من بيته، ركض صوب حماره صائحاً:

-هش.. هش، صرعتنا.

فتح الحمار عينيه، وبدل أن يشاهد أصدقاءه يرقصون فرحين رأى صاحبه يقترب منه عابساً، حاملاً اللّجام بيده.

 

¯¯¯¯

أحلام عصفورة

 

بطلة قصتنا عصفورة،  والقصة حدثت منذ عام، وبدأت.... في صباح خريفي جميل، وقفت العصفورة زقزوقة على شجرة كينا قبالة إحدى المكتبات، كثيراً ما كانت زقزوقة تقف على تلك الشجرة دون أن تثيرها الصحف و المجلات  الملونة.

هذا اليوم..... تغيّر حالها.

هاهي ترفرف أمام واجهة المكتبة بعصبية، تصعد... تهبط... تنقر الزجاج بمنقارها و... تقرأ خبراً مصوراً نشرته إحدى الصحف على صفحة الغلاف.

يقول الخبر:

"فاز البلبل  كناري بجائزة أجمل عصفور في العالم، وقد أُهدي قفصاً ملكياً صنع من الذهب  الخالص، وسيتم وضع القفص والكناري في غرفة زجاجية مطلة على نهر الورد ليتفرج الناس عليهما.

حزنت زقزوقة، حطّت على غصن قريب من الواجهة، ناظرة إلى البلبل بحسد. فجأة... حطَّ رفيقهازقزوق بجانبها، وقال مبتسماً:

ـ صباح الخير يا حلوة، كيف الحال؟

ردّت زقزوقة بفتور:

ـ بخير..

 قال زقزوق... بدهش:

ـ ما بك يا رفيقي، هل رماك أحد الأولاد بحجر؟

ـ لا...

ـ طيّب ما القصّة... خبّريني؟

انتفضت زقزوقة، وقفت قبالة رفيقها، قالت:

ـ ألست جميلة؟

ـ بل.. أنت أجمل عصفورة في العالم.

 ـ إنَّك تجاملني.

لم يصدّق زقزوق ما سمع، لماذا تكذِّبه... لماذا تصرخ في وجهه؟!...

تمالك نفسه، وقال بهدوء:

ـ زقزوقة... مابكِ.. خبّريني؟..

أشارت بجناحها إلى المجلّة، قالت:

ـ انظر... ذاك أجمل عصفور في العالم ولست أنا كما تدّعي، لقد صنعوا لـه قفصاً من الذهب الخالص، ووضعوه في أحلى مكان... على ضفة نهر الورد ضمن بيت من الزجاج كي يراه الناس ويمدحوه، وفوق كل هذا نشروا صورته في الصحف والمجلاّت.

هزَّ زقزوق رأسه، قال:

ـ هاها... الآن عرفت السبب، أرجوكِ... لا تنزعجي، يكفي أنك في عينيَّ أحلى عصفورة في العالم.

ـ هذا لا يكفي... المهم أن أصبح أحلى عصفورة في عيون الجميع.

ـ ومن قال أنك لست حلوة في عيون الجميع؟ الكل يحبِّكِ...

ـ لا تخدعني. لو كنت كما تقول لانتخبوني  ملكة للجمال بدلاً من ذاك الكناري. أفْ. ثم طارتْ... تاركة رفيقها واقفاً على الغصن كالتمثال.

انقضى ذلك اليوم.. ومرَّ بعده يوم ويومان وثلاثة و....

زقزوق يبحث عن خطيبته، على أغصان الأشجار... قرب نافورة الماء، وفي شقوق الحيطان. يسأل عنها حتى العصافير الصغيرة ذوات المناقير اللينة دون أن يعرف أنَّها تقف على سلك كهرباء في طرف المدينة. ومع من؟  مع طائر سنونو.

إنها المرة الثالثة التي يتحادثان فيها، يقفان على السلك نفسه، وكالعادة تبدأ هي الحديث:

ـ متى ستسافر جهة الجنوب.. أقصد إلى نهر الورد؟..

ـ سأهاجر بعد يومين، إلى تلك المنطقة الدافئة، بدأت أشعر بالبرد، ألم أخبرك بذلك من قبل؟...

ـ بلى... لكنني أحببتُ أن أذكركَ، أرجوك مُرَّ على...

ـ سأمرَّ على ذلك الكناري..... والله سأمر، سأسأله عن وجبات طعامه... وشرابه، مواعيد نومه واستيقاظه.

ـ ولا تنسَ أن تسأله: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.

ـ حاضر.... وسأخبرك الجواب في الربيع المقبل.

ـ على كل حال سأذكرك قبل رحيلك بساعة.

 

وقبل الرحيل بساعة، يلمح زقزوق رفيقته واقفة مع طائر السنونو، إنهما يتحدثان... يزقزقان... ويتعانقان عناق الوداع.

أحسّ زقزوق بقلبه ينكسر، طار إليها بعد أن رحل طائر السنونو، وبصوت حزين، قال:

ـ لماذا هجرتني وأحببت ذلك السنونو؟ الظاهر أن شكلي لم يعد يعجبك...

ردّت زقزوقة بانزعاج:

ـ إنَّه مجرّد صديق.

رفرف زقزوق فرحاً، قال:

ـ إذاً ما زلت تحبينني... آه... سنتزوج في الربيع القادم، سأبني لك أحلى عش.

ـ لا...

ـ ماذا قلتِ؟!..

 

ـ أقصد أننا لن نتزوج قبل أن أفوز بجائزة أجمل عصافير العالم، فهمت... أم أشرح لكَ.

ـ لكن...

ـ لا تحاول إقناعي. أنا مصمّمة.

ثم طارت... وتركته.

وتدور الفصول.. ينتهي الخريف... فيأتي الشتاء، يرحل الشتاء، فيقبل الربيع.

تبتسم الشمس... تتفتح الزهور... تنتشر العطور... تزقزق العصافير.... و..... ترجع أسراب السنونو بعد غياب طويل.

تدور في سماء  المدينة فرحانة، تشدو أغنية الدفء.

يضحك الأطفال وتهتزّ الأزاهير و....

تقف زقزوقة  باضطراب على سلك الكهرباء.... ناظرة إلى أسراب السنونو، علّها تلمح صديقها وقد جاءها بالجواب.

ويترك طائر السنونو سربه، يتجه إلى زقزوقة كالشهاب، يقف بجوارها، تعانقه زقزوقة قائلة:

ـ حمداً لله على سلامتك... هل قابلت الكناري.؟..

ضحك طائر السنونو، قال:

ـ هذه عادتكِ....  لا تتغيّر، تسألين مباشرة عن أموركِ، أَيْ نعم... قابلته.

ـ رائع. وماذا قال؟...

ـ اسمعي. قال بالحرف الواحد: لكي تصبحي أحلى الحلوات يجب أن تفطري بذور تين، وتتغدي نصف دودة أرض، ولا يجوز إطلاقاً أن تتعشي... كي لا تسمني، ويقل جمالك.

ـ والشراب... ماذا قال عنه؟..

ـ قال: اشربي قطرات الماء السائلة على تويجات الأزهار.

ـ تقصد قطرات الندى؟...

ـ نعم... نعم... لعن الله النسيان.

ـ ومواعيد النوم.

ـ هذه سهلة. زيدي ثلاث ساعات على ساعات نومك المعتادة.

ـ فهمت.. والآن جاء دور السؤال الأهم: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.

أطرق طائر السنونو قليلاً، قال:

ـ صراحة.... للمسابقة شرط صعب.

ـ ماهو؟..

ـ أن تعيشي في قفص، فالمتسابقون هم من طيور الأقفاص تحديداً..

ـ بسيطة. سآكل وأشرب وأنام حسب النظام الذي وضعه الكناري لمدة شهر ثم أدخل إلى أحد البيوت، فيمسكني أصحابه ويضعونني في قفص.

ـ وحريتك؟...

ـ ما فائدة الحرية؟..

ـ فائدتها أنها تشعرك بالسعادة...

ـ أغمضت زقزوقة عينيها، قالت:

ـ سعادتي الوحيدة هي أن أصبح أجمل عصافير العالم.

وتشرع زقزوقة بتنفيذ خطتها بسرية تامة، بعيداً عن الجميع. ورفيقها المسكين. يبحث عنها من شروق الشمس وحتى الغروب، همّه الوحيد أن يجدها مهما كان الثمن.

وبعد شهرين من التعب، يسمع زقزوق صدفة صوت زقزوقة.

يقف على الحائط باحثاً عن مصدر الصوت و....

يكاد يموت حزناً، لقد لمح زقزوقته حبيسة قفص صغير، قضبانه من الحديد الصدئ إنّه معلّق على حائط الشرفة، جانب حزمة من الثوم.

كان اللقاء مؤثراً، طار زقزوق إليها... رأته... ضربا بجناحيهما قضبان القفص... زقزقا... نفشا ريشيهما... حكّا منقاريهما... وبصوت مبحوح بدأ زقزوق الكلام:

ـ زقزوقة... كيف حالك يا رفيقتي؟..

ـ بخير... بخير...

وراحت تبكي.

ـ تماسكي يا حلوة... كوني قوية.... أخبريني. كيف وصلت إلى السجن..؟

ـ آه يا رفيقي العزيز، أرسلت طائر السنونو سراً إلى الكناري لأعرف سرَّ جماله، ثم فعلت مثلما يفعل، ضحَّيت بحرّيتي... لكن للأسف لم يسمحوا لي أن أشترك بالمسابقة.

ـ لماذا؟...

ـ تصوّر... قالوا إنني بشعة، معهم حق... فالقفص سبب شحوبي، لقد سئمت الحياة بداخله، لكن العجب أن الكناري أيضاً يعيش في قفص.

ـ صحيح... لكنه ولد فيه، عشَّه صحن خزفي مبطن بلبّاد، أمّا أنت فولدت في البراري فوق غصن نضر، حيث الشمس والهواء العليل، ومن المستحيل القول أن الطبيعة مثل القفص.

بكت العصفورة بحرقة، قالت:

ـ معك حق... لكن ما نفع الندم؟ يالغبائي... أصبحت أبشع عصفورة في العالم.

قال زقزوق مشفقاً:

ـ لا تقولي هذا، ما زلت أحلى عصفورة في الدنيا.

نظرت زقزوقة إلى رفيقها دهشة، تأملته طويلاً... شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تفحّصت منقاره... ريشه... عينيه، كان يبدو جميلاً... ساحراً... إنه أحلى من طائر الكناري بعشر مرّات، على الرغم من أنه يأكل في الوجبة  الواحدة خمس دودات أرض بدلاً من نصف دودة.

ÿÿÿ

حبل الغسيل

في غابة بعيدة...  على غصن مورق... حطَّ بلبل أبيض.

سمع صوتاً معدنياً يشبه البكاء.

تلفّت... شاهد حبل غسيل مشدوداً إلى شجرتين،  كان يهتز بألم.

طار إليه... وقف عليه، خاطبه مغرِّداً:

ـ حبل... مرحباً.

تنهّد الحبل قال:

ـ أهلاً بلبل، الله... ما ألطف ملامستك لي، صدقني... أتمنّى لو تلتصق بي كي لا نفترق أبداً.

انزعج البلبل، وردَّ مزقزقاً:

ـ ماذا... تريدني أن ألصق!؟... ألا تعرف أن الطيور تكره الأعواد اللاصقة كما تكره رصاص الصيّاد؟..

ـ اعذرني بلبل، لم أقصد ذلك، كل ما أردت قوله هو فرحي بزيارتك فأنا...

ـ أنت ماذا؟...

ـ أنا حزين. ذهب الجميع وتركوني معلّقاً.

ـ من تقصد؟..

ـ في السنة الماضية جاء راعٍ إلى هنا، أعجبه المرج الأخضر مثلما أعجب خرافه، نصب خيمته وثبتني كما ترى، كنت سعيداً.. لم أتضايق من ثقل الغسيل المبلول بالماء، ولا من الملاقط التي تطبق علي.. آه.... يا لها من ذكريات، تصوَّر... مرَّة نشر علي  خمسة خرفان، أقصد صوف خرفان، جزَّها  وغسلها ثمّ نشرها، شعرت لحظتها أنني كبش كبير...

كبش هائل أسطوري.

ـ طيب... وبعد..

ـ رحل الراعي  وخرافه، وبقيت مشدوداً كما ترى، وحيداً... صدئاً.. ميتاً.. لا أصلح حتى أن أكون سلك هاتف أو كهرباء.

حكّ البلبل منقاره بالحبل، قال:

ـ لا تقل هذا يا صديق، فأنت ما زلت حياً... قوياً... هل نسيت بأنك تحملني؟..

ـ لم أنسَ، جئتَ إليَّ صدفة... سمعت بكائي فزرتني. أنتم معشر الطير ترتاحون بالوقوف على الأغصان حيث الظلال، والفرق كبير بين غصن أخضر نضر، وحبل غسيل صدئ.

أليس كذلك...؟

ـ ربما كان كلامك صحيحاً قبل معرفتي بك، أمَّا الآن  فأنا سعيد في الوقوف عليك أكثر من وقوفي على أي غصن، صحيح أنك مصنوع من المعدن، لكن قلبك مليء بالحب والعطاء.

سُرَّ الحبل.... أحسَّ بالفرح يمسحه... يكشط الصّدأ عنه... ويلبسه ثوب الحياة اللامع...

 

qqq

البقرة الحلوب

 

انقضى النّهار، سار الرّعاة خلف مواشيهم، مخلّفين وراءهم موجة من الغبار المتصاعد.