العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

 

أنتَ صَديقي

وكُلَّ صباحْ

أشيلُ حقيبةَ الكتبِ

وأمّي لم تزل تُلقي

على سمعي وصّيتها

كُلِ التّفاحة الحمراء لا تنسَ

تقبّلني.

وكُلَّ صباحْ

أرى ابنة جارنا مثلي

تشيلُ حقيبة الكتبِ

واسمع أمّها توصي

كُلي التفاحة الحمراء لا تنسَي

تقبّلها.

وكلّ صباحْ

معاً نمشي على الدربِ

يسابقُ بعضُنا بعضاً

بلا تعبِ

فترقصُ بيننا البسمة

ولكنْ لم نكن نحكي

ولا كِلْمَة.

أكُلَّ صباحْ؟

سنبقى مثلما قالوا:

صبيّ أنتَ فلتلعبْ مع الصبيان

وبنتٌ أنتِ إيّاكِ...

سنبقى هكذا دوماً بلا أسماء

أنبقى هكذا غرباء؟

دنوتُ وقلتُ مبتسماً:

صباح الخير

فقالت بعد أن ضحكت:

صباح الخير

أنا ماهر

أنا ليلى

بصوتٍ واحد قلنا:

ألسنا نحن جيرانا؟

نعمْ.. كنّا وما زلنا

فتحتُ حقيبتي فَرِحاً

مددتُ يدي بتفّاحة

وإذ تفّاحةٌ أخرى

تُقَدَّمُ لي بكفّين

شعرنا حينها أنّا

تجاوزنا مخاوفنا

وأصبحنا صديقين.

 

ððð

البصمة

ـ 1 ـ

بدأت هذه القصّة عندما دلقَ رامي الحبر.

إذن... رامي دلقَ الحبرَ الأزرق، حاول فتحَ العلبة فاندلقَ عن غيرِ قصدٍ.

اتّسختِ الطاولةُ والكتبُ و... يداه.

خاف... ركض إلى صندوقِ المناديلِ الورقيّة، نَسَلَ واحدةً و... لَمحَ بصمتَه مطبوعةً على المنديل.

طبيعيٌّ أن تُطبَعَ بصمةُ إبهامِهِ على المنديل، لكنّ المُحيِّر أنّ تلكَ البصمةَ كانت على شكلِ أرنب.

أرنب؟!

نعم... أرنبٌ خائفٌ بأذنين طويلتين.

ـ 2 ـ

رجعَ رامي من المدرسة. عفواً... نسيتُ أن أصفَ لكم شكلَه.

رامي يشبه... ما هذه الورطة؟ إنّه يشبهُ جَميعَ الأولاد، أقصد أنّه لا يختصُّ بملامحَ معيّنة، فهو ليس طويلاً ولا قصيراً، لا سميناً ولا نحيفاً، آه تذكّرتُ... إنّه يملكُ بصمةً سحريةً تتلوَّنُ مثلَ الحرباء، لكنْ كيفَ تتغيّر لا أحدَ يعلم، حتّى رامي نفسُه لا يعرف.

فعندما رجع من المدرسة برفقة صديقته مها، حدّثتهُ طوالَ الطَّريق عن حياتِها القاسية بعدَ موتِ أمّها، شارحةً أنّها تعتبرُ نفسَها أمّاً صغيرةً تجاهَ إخوتِها، على الرّغم من الأخطاءِ الكثيرةِ التي تقع فيها، فالبارحة وضعت سُكَّراً للبيض المقليّ بدل الملح، وقبلَهُ بيوم ألبستْ أخاها الذّاهبَ إلى الحضانةِ حذاءَه بالمقلوب.

ضحك رامي... قال:

ـ أنتِ أمٌّ حقيقيةٌ... أنتِ رائعة.

ابتسمت مها... قالت:

ـ شكراً لك... أنتَ صديقي.

ـ عندما رجع رامي من المدرسة، بلّلَ إبهامَهُ بالحبر... بَصَمَ... كان لبصمتِهِ شكلُ وردة.

ـ 3 ـ

لم يكن رامي شرّيراً ولا مؤذياً، على العكس كانَ لطيفاً مهذباً.

لكن... لماذا ضربَ وائلاً؟

لنبدأ من عند مها، تحديداً عندما قرأت من السّبورة عبارة (مها مجنونة تضع للبيضِ سكّراً بدلاً من الملح) شعرت بالخجل... خصوصاً عندما دخلَ التلاميذُ إلى الصفِّ بعدَ الفرصة وراحوا يضحكون.

مَنْ كتبَ هذه العبارةَ؟ سألت مها نفسَها، إنّه رامي... ومن غيرهُ؟

مسحتِ العبارةَ، وقرّرتْ أن تُوبّخَ رامي بعد انتهاء الدّوام.

انتهى الدّوامُ... انصرفَ التلاميذ... انصرفتْ مها ناظرةً إلى رامي المختبئ خلفَ سيّارةٍ صفراءَ نظرةَ عتاب.

ورامي المختبئ خلفَ السيّارةِ لم يكن متخوّفاً من مها، كان كامناً لوائل.

أجل. فوائلٌ هو الصّديق الوحيدُ الذي حكى له رامي تلك الحادثةَ الطّريفة. دون أن يدري أنّه ولدٌ أحمق يحبُّ إغاظةَ رفاقهِ ولا يحترمُ شعورَ الآخرين.

رامي المختبئ خلفَ السيّارة فاجأ وائلاً... وبّخَهُ ولكَمَه.

وَرِمَتْ كفُّ رامي من تلك اللكمة، ومع هذا بلّل إبهامَه بالحبر... وبَصَمَ. كانت البصمةُ رأسَ أسد.

ـ 4 ـ

رامي يتفرّس في الأوراقِ المليئة بالبصمات...

إنّه مذهول... كلُّ بصماتِهِ متشابهة، إنّها مجرَّدُ خطوطٍ ملتفّةٍ على بعضها ولا معنى لَها.

أين اختفى الأرنب؟ أين اختفتِ الوردة؟ والأسدُ... أين هو؟!

إنّهُ ما يزالُ يبلّلُ إبهامَهُ بالحبرِ ويبصمُ، يبلّلُ سبّابته... خنصُرَهُ... بنصُرَه... دونَ فائدة.

هل كان يعيشُ حلماً؟ أم أنّهُ تحوّلَ إلى ولدٍ عاديٍّ كبقيّةِ رفاقه؟؟.

 

pyxopy

 

 

رحلة ورقية

ـ وقوف.

ـ جلوس.

وضعَ معلّمُ الرّسمِ حقيبته على الطّاولة، نظر إلى التلاميذ، وجد وجوهَهم كئيبةً.

ـ ما بكمْ؟

ـ تأجّلت رحلتُنا اليومَ بسبب المطر.

ـ لا تزعلوا. الآن سنذهبُ في رحلة.

ـ والمطر؟

ـ لن يبلّلَنا المطر!!

وفتح حقيبتَه، أخرجَ أوراقاً ملوّنةً، وعيونُ التّلاميذِ تنظرُ إليه مُتعجّبة!

أمسكَ ورقةً حمراءَ، وراحَ يثنيها من الوسط، من الزّوايا، على شكل مربع، ثمَّ مثّلت، ثمَّ.....

يبتسم قائلاً:

ـ هذا هو العنقاء.

يصيحُ التلاميذ:

ـ الطّائر الخرافيّ؟!

ـ لا تضيّعوا الوقت. اصعَدوا على ظهره... تمسّكوا ببعضكم... لا تخافوا، سألفّ رقبتَه بساعديّ، ونطيرُ إلى البحر.

كان طائراً رائعاً، جناحاه كشراعين... ومنقارُه كسهم.

 

ركبَ التّلاميذُ مع المعلّمِ على ظهر العنقاء... وطاروا.

الغيومُ حولَهم كندف القطن...

قوسُ قزح كقلادةٍ على صدر السماء... أمّا اللّقالقُ المهاجرةُ فتشبهُ رتلاً من الجنود.

أحسّوا برطوبة البحر... نزلوا.

كانتِ الورقةُ الثانيةُ ذاتُ اللّونِ الأبيض، قد تحوّلتْ إلى زورقٍ بين أصابعِ المعلّم.

ـ هيّا... جَدّفوا بأيديكم، سنسافر إلى الجزيرة.

بدأ التّلاميذ بالتجديف، الأمواجُ تؤرجحُهم... والسّمكاتُ الصغيرة تدغدغ الأصابع المغموسةِ في الماء، وطيورُ النورس تحلّق فوقهم مغنّيةً:

ـ واق... واق، واق... واق.

فيغنّون:

ـ هيلا... هب، هيلا... هب.

يصلُون إلى الجزيرة المحدّبة كظهر سلحفاة، الخضراءِ كشجرةِ جوز.

يستقبلُهم ولدٌ زنجي بضحكةٍ رنّانة، وقفزاتٍ رشيقة.

لقد صنعَه المعلّمُ من الورقة الثالثة السّوداء، إنّه لا يلبَسُ شيئاً، عارٍ تماماً كشجرةِ الشّتاء.

رسمَ المعلّمُ ورقةَ توتٍ بدلاً من السّروال، قال:

ـ الآن. العبوا مع صديقكم ورقة.

ركضَ التّلاميذُ مع ورقة حول الجزيرة، تسلّقوا الأشجارَ، أمسكوا حبالَ الّليف وتأرجحوا مثلَ طرزان، كسروا جوزاتِ الهند التي رمتْها قرودُ الجزيرة، سال ماؤها على أصابعهم، فتلامعتْ.

استمروا باللعب... حتّى غروبِ الشّمس، وعندما بحثوا عن معلّمهم، وجدُوه قد انتهى من ثني الورقةِ الأخيرةِ ذاتِ اللّونِ النّحاسي، محوّلاً إيّاها إلى جرس.

وقبلَ أن يحرّكَ المعلّمُ الجرس بيده، سمع التلاميذُ رنيناً، أفاقوا من أحلامهم، لكنّهم لم يستطيعوا التمييزَ بين رنينِ جرس المدرسة الذي يعلنُ انتهاءَ الحصّة، وبين رنينِ الجرس المصنوعِ من الورق الملوّن، والذي أعلنَ انتهاءَ أجملِ رحلةٍ ورقيّة.

] ]

حياة صحن

 

أنا صحنٌ. صُنِعتُ من مادة الميلامين، طُبعَتْ فوقي حبّةُ كرز، إنّها كالشّامة على وجهٍ أبيضَ دائريّ... عمري سنتان بالضّبط، فتاريخُ خروجي من المعمل مصكوكٌ على قفاي.

عُرضتُ في صالةِ أدواتٍ منزليّة، وُضِعتُ على رفّ زجاجيّ بين دلّةٍ مذهبّةٍ للقهوة المرّة، وبين دزّينةِ كؤوس شراب شفّافة تتلألأ كالجواهر. بقيتُ أسبوعاً فقط، اشترتْني سيّدة... عرفتُ أنّها ستشتريني... لقد نَظَرتْ إليّ بإعجابٍ، لذا سارعتُ إلى وداع الكؤوس متمنياً لَها السّلامةَ من الكسرِ والامتلاء بأحلى المشروبات، وتحديداً شراب الكرز. أمّا دلّةُ القهوةِ فقد بيعتْ البارحة.

عشتُ في المطبخ، خصّصتْني السّيدةُ لسكبِ طعامِ صغيرها لؤيّ، ولؤيٌّ طفلٌ صغير، شعرهُ أسودُ جَعْد، يزعلُ بسرعةٍ ويرضى بسرعة، وأطرفُ شيءٍ فيه، مُحاولته قلعَ حبّةِ الكرز المطبوعة على وجهي بأصابعِه اللّطيفةِ، حتّى إنه في كثيرٍ من الأحيان يأكلُ محتوياتي بسرعة كي يقطفَ الكرزةَ، لكنّه لا ينالُ سوى التوبيخِ من أمّه لأنّه وسَّخَ أصابعَه ببقايا الطّعام.

أحياناَ كنت أعاني، فإذا صبّتِ السيّدةُ بداخلي حساءً حارّاً، وهذا تصرّفٌ غير صحّي، أشعرُ بأنني أحترقُ وأذوبُ. ومِمّا يزيدُ في معاناتي تذكّري للؤي، فما إن تدخل اللّقمةُ الأولى إلى فمِه حتّى يصرخَ... ويمدَّ لسانَه، فتسارعُ السّيدةُ وتسقيه كأس ماء.

في عيد ميلادي الأوّل، صادفَ أنْ وضعتِ السيّدةُ بداخلي قطعةَ حلوى، أكلَها الصّغير بنَهَمٍ ولحسَ أصابعَه، أمّا اليوم... فبدَلَ أنْ أحتفلَ بعيد ميلادي الثاني حدثتْ مصيبة!؟

كنتُ في المصحنة، مستلقياً فوق زورقٍ زجاجيٍّ، أمسكتني السّيدةُ بإصبعيها وسحبتني، فجأةً... اصطدمتُ بمغرفةٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على الحائط، انزلقتُ من بين إصبعيها، تأرجحتُ في الهواء، سمعتُ شهقةَ السّيدة و... ارتطمتُ بالبلاط... وانكسرتُ نصفين.

في هذه اللحظة بالذّات، تذكّرت العشراتِ من أصدقائي: فناجينَ القهوة، وكؤوسَ الشّاي، وصحونَ البلّلور، وقد كُسِروا أمامي في المطبخ، تذكرتُهم كُلّهم دون استثناء، وشعرتُ نحوهم بالتقصير، صحيحٌ أنني كنت أحزنُ لكسرهم، لكنّني الآن أحسّ كم عانوا وكم تألّموا.

أفقتُ من شرودي، لقد وضعتِ السّيدةُ نصفيّ فوق بعضهما بحسرةٍ، فاتحةً الخزانةَ الّتي تحتوي علبة القمامة، وقبل أن ترميني في العلبة... ظهرَ لؤي، ركض إليّ صارخاً باكياً، أخذني بين يديه الصغيرتين، ضمّني إلى صدرهِ قائلاً: هذا صحني... سألصقُه.

شعرتُ بالسّعادةِ، فكّرتُ بطريقة أشكرُ بها لؤي، بغتةً تذكّرت...

لقد انكسرتُ في منتصفِ حبّة الكرز، ضغطتُ على نفسي محاولاً أن تِنزَّ الحبّةُ عن شرابٍ لذيذٍ...

يبلّلُ أصابعَ الصغير... ويلعقُه، ليبدو فمُه كحبّة توتٍ رائعة.

äää

الحائط

تنهّدُ الحائطُ... قال:

ـ آهٍ. من أين أبدأ... وماذا أقول؟.

أتذكّر أنّني قبل عشرِ سنواتٍ، كنت تراباً، أشربُ المطرَ وآكلُ البذورَ، لكنّ شرُبي وأكلي مختلفان عن شرابِ وطعامِ البشر، فأنا في الّربيع... أُخرِجُ من جوفي تلك البذورَ، على شكلِ زهورٍ مُلَوّنةٍ، وحشائشَ خضراء تبهجُ العين.

وأذكرُ أنّ أمَّ عدنانَ جاءت ذاتَ صباحٍ تحملُ سطلاً ومِجْرَفَةً، جرفتني... وضعَتني... في السّطلِ وأفرَغَتني أمامَ بيتِها، وبعدَ أن ملأت عِدّةَ سطولٍ على شكلِ كومةٍ، جاءتْ بالقشِّ والماءِ، عجَنتنا مع بعضنا وراحت تَبني منّا حائَطاً بينَ دارِها ودارِ جيرانِها.

بعدَ أيّامٍ تصلّبتُ، شعرتُ بأنني صرتُ قاسيا... فحزِنت.

لكنْ... في اليوم التالي، وبعد أن طَلَتني أمّ عدنانَ بالكلسِ الأبيضِ، فرِحتُ، لقد بَدَوتُ كحمامةٍ بيضاء. وبدأت قصّةُ سعادتي.

ففي الصباح، يقفزُ الدّيكُ الملوّنُ على ظهري، يصَفِّقُ بجناحَيه ويصيحُ معلِناً ولادةَ أملٍ جديد.

تُهرَعُ إليه الدّجاجات بفرحٍ... وتنبِشُ عندَ قدمي، باحثةً عن حبّاتٍ لذيذةٍ تتسابـقُ إلى نَقرِها.

ويفيقُ الأولادُ، ينادونَ بعضهم، يجتمعونَ بجانبي... ويبدأُ اللّعب.

سعفانُ ومحمودٌ، يتباريانِ بالقفزِ فوقي، يرجعانِ إلى الخلفِ، يركضانِ... ويقفزان واضعينِ أيدَيهما على ظهري، فيبدوانِ كمُهرَينِ رشيقينِ يقفزانِ العوارضَ الخشبيّةَ.

حمدانُ وخلفانُ وجدعانُ، يلعبونَ لعبةَ الاختباء، ويختبئ حمدانُ خلفي كأرنبٍ خائفٍ، فأحنو عليه كأُمٍّ.

أمّا ريمُ. فتُقبِلُ نحوي، حامِلَةً قطعةً من الفحمِ، وتبدأُ الرّسمَ على وجهي الأبيضِ، أحياناَ ترسمُ سِربَ سنونو، أو مزهريّةً، أو...

وكلّما امتلأَ وجهي بالرّسومِ والأسماءِ والأشعارِ، طلَتْني أمُّ عدنانَ بالأبيض، وهذا الطّلاءُ يُغري الأولادَ بالرّسمِ والكتابةِ من جديد، يحملونَ قطعَ الفحمِ، ويُهروِلونَ نحوي كأنّني مدرسةٌ فتحت أبوابَها لليومِ الأوّلِ.

وعندَ العصرِ، وفوق ظلّي الكثيفِ، تمدُّ أُمُّ عدنانَ سجادةً من الخِرقِ الملوّنةِ، وتنامُ قيلولتَها، وتشخر.

على الرّغمِ من كلّ ذلك، لم أنسَ صداقتي للزّهورِ والحشائشِ، فبعدَ كلّ شتاءٍ، تنتشُ البذورُ الّتي أحملُها في جوفي، فتمُطّ الحشائشُ والأزهارُ رؤوسَها من شقوقي وتكبرُ، وكم كانَ مدهشاً منظرُ إحدى الزّهورِ البنفسجيةِ الّتي نمتْ فوقَ المزهريّةِ الفارغةِ التي رسّمتها ريم، حتّى إنَّ أهالي الضّيعةِ كلّهم جاؤوا ليَروا تِلكَ المصادفةَ الرائعة.

وتمرُّ السَنونُ، وتتوالى الفصولُ، ويزدادُ تشقُّقي... وأشعرُ أنّني لا أقوى حتّى على حَملِ ديكٍ خفيفِ الوزنِ، و...

أسمعُ عدنانَ يريدُ هدمي! نعم... هدمي. فاليوم... جلسَ معَ أمِّهِ في ظلّي، أسندَ ظهرَهُ إليَّ، قال:

ـ سأهدمُ الحائطَ، إنّهُ مُتداعٍ ويكادُ ينهار.

ردّتْ أمُّ عدنان:

ـ ونبقى دونَ حائط؟‍!

ـ مَنْ قالَ إنّنا سنبقى دونَ حائط؟ سأبني بدلاً عنهُ سُوراً منَ الحجارةِ المصقولةِ.

ثمَّ دخلَ البيتَ، مُخرجاً مَهدّةً حديديّةً كبيرة.

ارتَجَفتُ خوفاً، كدتُ أنهارُ... لكنّني تماسكتُ عندما رأيتُ أُمَّ عدنانَ تنظرُ إليَّ بعينينِ حزينتين، وتقول:

ـ أرجِعِ المهدّةَ، أنا راضيةٌ بالحائط.

ـ لكنّه قديم!

ـ ابنِ لنفسِكَ بيتاً جديداً، وسَوِّرْهُ بحائطٍ من الحجر، أمّا أنا فسأرمِّمُه.

ثمَّ مسحتْ بيدها الحانيةِ على ظهري، وسَكَبتْ دمعتينِ ساخنتين.

 

زالَ خوفي...

وأقسمتُ أن أهدي أمَّ عدنانَ في الرّبيعِ القادمِ، زهرتينِ بيضاوينِ ستنبتانِ مكانَ الدّمعتينِ بالضّبط.

 

 

 

ZZ


 

 

خيوط الحليب

الشّمسُ دينارٌ ذهبيّ.

والقمرُ درهمٌ فضّي.

وحسّانُ ـ لكثرةِ ما يحلمُ برؤيةِ الدّراهم والدّنانير ـ أصبحَ وجههُ مدوّراً.

صراحةً... الدّنانيرُ والدّراهمُ مغريةٌ، نقوشُها النّافرة رائعة، الخطوطُ الكوفيّة حلوة، والأحلى لمعانُها وصوتُ رنينها.

طيّب... إذا كنتُ أنا كاتبُ القصّةِ معجباً بالدّنانيرِ على الرّغمِ من كَبرِ سنّي، فماذا سأحكي عن حسّان الصّغير عندما لمحَ أوّلَ مرّةٍ دنانيرَ ذهبيّة معَ ابنِ الملك داخلَ السوق؟

باختصار... جحظت عيناه، اقتربَ منهُ رغمَ كثرةِ الحرّاس، قائلا:

ـ ما هذه؟

ـ دنانير.

ـ ماذا ستشتري بها؟

ردّ أحدُ الحرّاس غاضباً:

ـ حصاناً... هيا.. اذهب لشأنك.

بعدَ أسبوعٍ، تقابلَ حسّانُ مع ابنةِ الوزيرِ في المكانِ نفسه، لكنّ الحرّاس كانوا أقلَّ عدداً.

لن أصفَ لكم كيفَ رأى الدّراهمَ الفضّية وبماذا شعر، فخيالكم خصب، سأكتفي بسردِ الحديث الّذي دار بينهما:

ـ يمكنني لَمسَ دراهِمكِ؟

ـ ماذا؟‍ ألم تلمس دراهِمَ في حياتك؟

قلَبَ حسّانُ شفتيه، واحمرّتْ أذناه.

ـ خُذها.

فجأةً نطَّ أحدُ الحرّاس صائحاً:

ـ ماذا يفعلُ هذا المتشرّد بالدّراهم؟ تفضّلي يا مولاتي الصغيرة... ألن تشتري الثوبَ الحريريّ المطرّزَ الذي أعجبَكِ البارحة؟

تبادلَ الصّغيرانِ النظرات، وسارا باتّجاهين مختلفين.

عادَ حسّانُ حزيناً إلى كوخِهِ في طرفِ المملكةِ، قرفَصَ بجانبِ الباب متأمّلاً أباه الذي يكسرُ الحطب، وأمَّه التي تمسكُ النّعجةَ لتحلبَها في وعاءٍ نحاسيّ.

وقفَ فجأةً، اقتربَ من الوعاءِ اللامعِ كقرصِ الشمس. آه... إنّه يشبِهُ ديناراً كبيراً من الذهب، يكفي لشراء حصانٍ أصيل.

أمسكتِ الأمُّ ضرعي النّعجةِ بكفّيها، وراحت تحلب.

خيوطُ الحليب البيضاء تصدِرُ لحناً طروباً.

الّلحنُ حرّكَ خيالَ حسّان، لقد وضعَ التاج وصارَ ملكاً، ها هو يركبُ حصانَهُ متفقّداً
أطفالَ مملكتِه.

الحليبُ يغمُرُ أرضَ الوعاء، تغيبُ الشمس ويطلعُ القمر، أوووه... درهمٌ فضّيٌ عملاق...

ـ تعالوا يا أطفال، احْملوا القمر... أقصدُ الدّرهمَ الفضّيَّ العملاق، اذهبوا إلى السوقِ واشتروا ما تحتاجون: ثياباً... حلوى... ألعاباً؟ ولا تَنسوا أن تُهدوا ابنةَ الوزيرِ اللّطيفة ثوباً حريرياً مطرّزاً بخيوطِ الذهبِ والفضة.

آه... ما أحلاكم، اصطفّوا. سأضعُ التّاجَ على رأسِ كلّ واحدٍ منكم مدّةَ دقيقةٍ، فأنتم أصدقائي.

هل أنتم جاهزون؟

وأفاقَ حسّانُ من شرودِهِ على ضحكةِ أم‍ّه الرّنانة:

ـ حسّان! أما زلتَ تحلمُ كعادتك؟ هيا... احملِ الوعاءَ، ظهري يؤلمني.

انحنى... حملَ الوعاء... ارتجّ الحليبُ وبدأت فقاعاتُ الهواءِ على حوافه بالانفجار.

وكلّما انفجرت فقاعةٌ، انفجرَ حلمٌ من أحلامِه.

اغرورقت عيناهُ بالدّموع، و....

تعثّرَ... انقلبَ الوعاءُ على قفاه، فبدا كدينارٍ صدئٍ حزين.

 

+*+

الحريّة

وراءَ البحر...

كانت توجدُ مملكةٌ، وكان مَلكُها يخصّصُ يومياً ساعتين للسّمَر، يسمعُ الشّعرَ والنكاتِ والحوادثَ الغريبة.

مرّةً... قال له أحدُ المسامرين:

ـ هل تعلمُ ـ يا ملكَ الزّمان ـ أنّه يوجدُ في مملكتِك رجلٌ لم يخرجْ من بيته منذ عشرِ سنوات؟

قال الملك متعجّباً:

ـ عشر سنوات؟

ـ وأكثر. حتّى إنّه لم يمطّ رأسَهُ خارجَ الباب.

ـ عشر سنوات؟‍!

ـ اقسمُ لك.

ـ وماذا يفعل؟

ـ يقرأ ويكتب.

ـ ومن أينَ يأكلُ ويشرب؟

ـ أخوه يأتيه بكلّ ما يحتاجُه.

حَكَّ الملكُ قفا كفّه مفكّراً، وقال:

ـ سآمُرُ أحدَ الجنودِ بحراسته، فربّما أتاهُ لصٌّ، وسرقَ ما كتبَه.

في اليوم التالي، كان أحدُ الجنودِ مُسمَّراً بجانبِ الباب، لكنّه لم يستمرَّ في الحراسةِ أكثرَ من يومٍ واحد.

فما إن أصبحَ الصّباحُ، حتّى كان الحارسُ ماثلاً بين يدي الملك، وثيابُه ممزّقة!

صاحَ الملكُ حانقاً:

ـ مَنْ فعلَ بكَ هذا؟

ـ الرّجلُ الّذي احرسُه.

وأحضرَ الملكُ الرّجلَ، ونظرَ إليه طويلاً، وقال:

ـ لماذا تطاولتَ على حارسي؟

ـ لأنّه سلَبني حرّيتي.

ـ حرّيتَك! لكنَكَ منذُ عشرِ سنواتٍ لم تخطُ خطوةً واحدةً خارجَ بيتِك.

ـ أجلْ. فعلتُ ذلك بإرادتي، لكن... عندما علمتُ بوجودِ الحارسِ، شعرتُ بأنني سجين.

فكّرَ الملكُ مليّاً، وقال:

ـ عفوتُ عنك... اذهبْ. ولن تجدَ بعدَ اليوم أحداً أمامَ بابِك.

ììì

الغسّالة

أمامَ الغسّالةِ الآلية في سلّة بلاستيكية بيضاء، وَضعت ربّةُ البيت ثياباً متّسخة ولعبتين: أرنباً بريّاً مصنوعاً من الفرو البنّي، وديكاً أبيض صغيراً، له عُرفٌ من الجوخ الأحمر.

نظرَ الأرنبُ إلى باب الغسّالة الدائريّ، فبدا له كعين مرعبة، جفنُها معدنٌ صقيل، سطحُها زجاجٌ سميك، بؤبؤها رغوةٌ وفقاعات.

خاف... نصبَ أذنيه الطّويلتين، هَمسَ:

ـ ديك. انظرْ إلى الغسّالة... اسمعْ صوتَها، لقد التهمتْ وجبةَ غسيلٍ كاملة بلقمة واحدة، وها هي تَهضمُها، آخ... الظاهر أنّها ستلتهمنا بعد قليل.

أخرجَ الدّيكُ رأسَه من كُمّ البنطال، قال:

ـ لا تذكّرني... أكادُ أموتُ فزعاً.

ـ والحلّ؟

ـ لا يوجدُ حلٌّ، سنُغسلُ ونُنشرُ على الحبل.

ارتجفَ الأرنبُ، قال:

ـ من أذنيّ طبعاً، أعرف... وستُلقَطُ من عُرفِكَ بلقّاطة.

ـ لنبقى يوماً كاملاً، لكنّنا... سنصبحُ نظيفين طيّبي الرّائحة.

ـ ألم نكنْ نظيفينِ قبل أن يلعبَ بنا الأطفالُ، والله... إنني أفضّلُ أن أدخلَ مِعدَةَ ثعلبٍ على أن أدخلَ بطنَ هذا الوحشِ المعدني.

 

حرّك الدّيكُ جناحيه، قال:

ـ أرنب، هذا قَدَرنا. والحقيقةُ أنّنا متّسخان زيادةً على الّلزوم، انظرْ إلى نفسِك.

ـ معك حقّ. لكنْ يمكن لربّة البيتِ أن تنظّفَنا في الحمّام كأولادها، نحنُ حيوانانِ، أمّا أنْ ندخلَ الغسّالة و... آه... لا أستطيعُ التخيّلَ، سأهرب!

ـ ماذا؟! أعِد كلمتَكَ الأخيرةَ لو سمحت.

ـ سَـ... أهـ... رب، هل سمعت؟ سأذهبُ إلى الحقول.

ـ لا... الظّاهرُ أنّ رائحةَ مساحيقِ الغسيلِ قد أثّرتْ عليكَ. أنتَ تُخرّف.

ـ قلْ ما يحلو لك... وداعاً.

وقفزَ الأرنبُ من السَلّة، راكضاً عبرَ البابِ المواربِ إلى الشارع؟

 

صراحةً... ظنَّ الأرنبُ أنّه نجا لمُجَرّد خروجه من البيت، لكنْ. ما إن داسَ الإسفلتَ بقوائمهِ حتّى زعقت في وجهه مزاميرُ السّيارات، ركضَ كالملسوع ناصباً أذنيه قافزاً من رصيفٍ إلى رصيفٍ، ومن ساحة إلى ساحة، حتّى وصلَ أخيراً إلى حديقة، وبلمح البصرِ دَسّ نفسَه تحت شُجيراتِ الورد، وراحَ يلتقطُ أنفاسَه.

كانت حديقةً جميلة، مليئةً بالأزهار الملوّنة المزروعة ضمنَ أحواضٍ هندسية مُنسّقة، تتوسّطُ كلَّ حوضٍ شجرةُ نخيلٍ عالية، تحتضنُ أعشاشَ عصافير.

ومِمّا زادَ في ارتياحِ الأرنب، ذلك الرّذاذُ النّاعمُ المتطايرُ من نافورة الماء الرخاميّةِ وسْطَ الحديقة.

قال الأرنبُ بصوتٍ حالم:

ـ أين الحقولُ. في أيّ جهةٍ هي؟ لابدَّ أن أعتمدَ على حاسّة الشمّ فأنا أميّز رائحتَها مهما كانت بعيدة.

أخذَ نفَساً عميقاً، وبدلَ أن يشتمّ رائحةَ البراري، امتلأتْ رئتاهُ بالدّخانِ الأسود.

نظرَ حولَه متضايقاً، رأى الأبنيةَ العالية تنتصبُ كالرّماح، شعرَ بأنّه في سجنٍ كبير.

تمنّى لو تحوّلَ إلى قطّة، لكان تَسلّقَ الشّجرةَ ورأى حدودَ المدينة.

فكّرَ أن يرجعَ إلى البيت، أن يُغسلَ ويُنشرَ مع صديقه، لكن كيف؟ لقد ضاع!

واستسلمَ للنوم.

في المنام... رأى نفسَه يلعبُ مع إخوته الأرانبِ في البراري، يدخلونَ في وكرٍ ويخرجون من آخر...

 

يقضمون الجزرَ... يتسابقون و...

تتغير زُرقةُ الفضاء فجأة، لتصبحَ حمراءَ كلونِ عُرفِ الدّيكِ الجوخيّ.

يلمحُ في السّماء شبكةً معدنية هائلة، تَهبطُ ببطءٍ نحو الأرض.

يسمعُ أصواتاً مُفزعةً تُصدرُها الحيوانات.

الشّبكةُ تَهبط.. العصافيرُ تزقزقُ مذعورةً... الأسُود تزأرُ... الذّئاب تعوي... الغزلانُ تنفرُ... أفراسُ النّهر تتركُ الماءَ وتركضُ كتلالٍ متحركة... الفيَلة تُلوّح بخراطيمها تحاربُ الهواء.

الشّبكةُ تسقطُ كأنها لطّاشةُ ذبابٍ كبيرة تَهوي فوقَ بعوضة.

والحيواناتُ تركضُ جماعاتٍ، القطُّ بجانبِ الفأر، والنّمرُ بجانب الغزال، كلّهم يريدُ الخَلاص.

 

والشّبكةُ ترتطمُ بأجسامهم، تحبسهم جميعاً، تحملهم جوّاً... تنزلُ بِهمُ البحرَ، ترفعهُم... تنزِل بهم ثانيةً، ثمَّ ترميهم في أقفاص حديدية، كلّ نوعٍ يُسجن وحدَه، القطط... الفهود.. الفيلة... و... والأرانب.

يأتي الناس متفرّجين.

ـ الله ما أضخمَ الفيل!

ـ انظر إلى الفهد، كأنّ جلدَهُ مثقوبٌ بطلقاتٍ نارية.

ـ ذاك أرنب... اضربوه.

ويفيقُ الأرنبُ مرعوباً، دون أن يدري أنّ كلمةَ اضربوه ليست مناماً، فأحدُ الأطفالِ لَمَحَهُ ونادى متعجباً:

ـ ذاك أرنب، اضربوه.

ومن بين الحجارة النازلـةِ فوقَه كالمطر، تمكّنَ الأرنبُ من الفَرار، وبدأ رحلةً جديدةً بين العجلات والأقدام.

ركضَ وركضَ حتّى كادَ يموتُ تعباً.

وبغتةً... انزلقَ تحتَ حاويةِ قمامةٍ، وقفَ يستجمعُ أنفاسَه، و...

لمحَ صديقَه الدّيكَ مَرميّاً بجانبِ أحد الأكياس، كان نظيفاً بلون الثّلج، اقتربَ منه بلهفةٍ، قال:

ـ ديك... مرحباً يا أعزّ صديق.

فتحَ الدّيكُ عينيه بصعوبةٍ، دون أن يُجيب.

ـ لماذا لا تتكلّم... ماذا جرى؟

وبمشقّةٍ كبيرةٍ... أشارَ الدّيكُ بطرَفِ جناحهِ إلى جهاز الصّوتِ داخلَ صدرِه.

ـ آهٍ... يا لصديقي المسكين، لقد رمَوكَ لأنّ جهازَ صوتِكَ تعطّلَ أثناءَ الغسيل، ولم يعد أحدٌ يسمعُ صياحَكَ الرنّان. إنّهم قُسَاةٌ، تعالَ يا صديقي الجميل... دعني أحتضنك.

وعندَ منتصفِ الليل...

وبينما كان عاملُ النّظافةِ يجمعُ القمامةَ، لمحَ تحت الحاويةِ لعبتينِ متعانقتين نائمتين.

 

ÄÄ

المستقبل

 

ـ أنا أكرهُ المدرسةَ، لن أذهبَ إليها، سأتركُها.

ورمى حقيبتَه، فتناثرت على الأرضِ، كتبٌ ودفاترُ وأقلام.

نظرتِ الأمُّ إلى صغيرها الوحيدِ بحزنٍ، قالت:

ـ لماذا؟

ـ الدّراسةُ تتعبُ رأسي.

ـ ومستقبلُك؟‍!

نظرَ صبحي إلى كتبه المرميّةِ، قال:

ـ إذا تابعتُ الدراسةَ، سيؤلمني رأسي، ربّما أجنُّ، ولن أصلَ إلى مستقبلي.

عملَ صبحي في ورشة النّجارة ثلاثة أيام، لكنّه في صباح اليوم الرّابع، رمى المطرقة، وركضَ إلى البيت.

في غرفة الجلوس، وبينما كانت أمُّه تكتبُ رسالةً إلى أبيه المسافر، دخلَ صبحي لاهثاً.

ـ ما بك؟

ـ أنا أكرهُ النّجارةَ، لن أذهبَ إلى الورشة سأترُكها.

حكّتِ الأمُّ أنفَها بغطاءِ القلم، سألت:

ـ لماذا؟

ـ لأنّها خطِرة.

ـ ومستقبلُك؟!

فتحَ صبحي كفّه، تأمّلَها، قال:

إذا تابعتُ العملَ، ربّما تُقطعُ أصابعي، كما قطعَ المنشارُ الكهربائيّ إصبعَ معلّمِ النجارة...

وقتها... كيف سأمسك بمستقبلي؟!

استمرّ صبحي يعملُ في دكّان الخيّاط شهراً كاملاً، بعثتِ الأمُّ خلالَه ثلاثَ رسائلَ إلى زوجها تشرحُ لـه حالَ وحيدِها، كتبت لـه أنّها متفائلةٌ، وأنّها كثيراً ما تُغمضُ عينيها لتتخيّلَه خيّاطاً مُحترفاً، يقصدُه الزبائن من كلّ مكان، ومع هذا لم تنسَ أن تخبرَه في نهاية كلّ رسالةٍ أنّ غيابَه طال، وأنّها مشتاقة.

اليوم. وبعد مُضِيِّ الشّهر، دخلَ صبحي البيتَ في غير موعدِه.

ـ خيراً؟‍! هل نسيتَ شيئاً؟!

ـ لا.

طيّب، لماذا أتيتَ... ما القصّة؟

ـ أنا أكرهُ الخياطةَ، لن أذهبَ إلى الدّكان، سأتركه.

أحسّتِ الأمُّ بوخزة في قلبها، كأنّ ابنها وخزَها بإبرةِ خياطة. أخذت نَفَساً عميقاً، قالت:

ـ ومستقبلُك؟

نظرَ صبحي إلى ثوبِ أمّه المزركش، قال:

ـ الخياطة صنعةٌ دقيقةٌ، إنّها مرهقةٌ للعيون، تصوّري إنّ معلّمي يضعُ على عينيه نظارةً سميكةً، سميكةٌ جداً. آه... لا يمكن أن استمرّ... ربّما أفقدُ بصري، ساعتها...

كيف سأرى مستقبلي؟!

ويكبر صبحي دونَ أن يتعلّمَ صنعةً، وكلّما شجّعته أمّه على العمل، يقول:

ـ قرّرتُ أن أنتظرَ والدي، سيأتي ومعه أموالٌ كثيرة.

ثمَّ أخرجَ كرسيّاً وجلسَ أمامَ البيت.

وتمضي الأيام والأسابيعُ والشّهور، وصبحي جالسٌ أمامَ البيتِ في أوّلِ الزّقاق، يتنقّلُ من فيءِ حائطٍ إلى فيءِ شجرة.

ومرّةً. وقفَ أمامَه متسوّلٌ عجوز، رثُّ الثّيابِ قبيحُ المنظرِ، نتنُ الرّائحة، قال:

ـ صبحي. مرحباً.

ـ كيف عرفتَ اسمي؟

ضحكَ المتسوّلُ، قال:

ـ أعرفُ اسمَكَ من زمان. لقد قرأته على أغلفةِ دفاترِكَ وكتبِكَ التي رميتَها، يومَ قرّرتَ تركَ المدرسةِ، وسمعتُه من الخيّاط والنجّار عندما رفضتَ العمل.

وقفَ صبحي مشدوهاً... تأمّلَ المتسوّلَ بفضول، صرخ:

ـ من أنتَ؟

قهقهَ المتسوّلُ، صرخَ:

ـ أنا مستقبلُك.

انهارَ صبحي على كرسيّه، غطّى وجهَه بكفّيه، وراحتِ الدّموعُ تنهمرُ من عينيه...

بينما كان المتسوّل يجتازُ الزّقاقَ الضيّقَ، بقدمينِ حافيتينِ مُشقّقتين.

 

®®®

حوار

 

في السّاعة العاشرة بالضّبط، مساءَ الثلاثاء، التقى كلبان.

لم يكن لقاؤهُما على وجبة عظام، أمام دكّان جزّار، بل مصادفةً.

كان بارود يجلس على المقعد الخلفيّ، في سيّارة جيب، ويمطّ رأسَه من النافذة.

عفواً... بارود هو اسم كلب صيد سلوقي، أبيضُ اللّون منقّطٌ بالرّمادي، قوائمُه دقيقة وطويلة، وعيناه تلمعان أكثرَ من الطّوقِ المذهّبِ في رقبته، أمّا فتحتا منخريه فتنفتحان وتنغلقان كأنّهما تشمّان رائحةً مجهولةً.

الكلبُ الآخر ـ أسميتُه الآخر لأنَّه بلا اسم ـ فهو كلبٌ شارد، متّسخ... هزيلٌ وهرِم.