العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

لماذا نتذكّر الطّفولة

كي نقطف زهر الياسمين

نضمّه عقداً

ونلبسه في أعناقنا.

كي نخربش على الحيطان

حروف أسمائنا

ونرسم

عصافيرَ ووروداً.

كي نتسلّق الأشجار

ونقطف حبّات

من الكرز الأحمر

المكحّلة بخطّ أسود

كي نركض عبر دروب الحي

نختبئ خلف الأبواب

فلا يرانا

من يخبّئ رأسه بين ذراعيه

وهو لا يزال يعدّ حتّى العشرة.

كي نرى الغيوم

تتشكّل خرافاً

وطيوراً.. وعفاريت

كي نستمتع بلمعان النّجوم

تلك التي لا نستطيع عدّها

فربّما ظهرت الثآليل

على قفا أكفّنا.

كي نضحك بأعلى صوت

ونركض بأقصى سرعة

وننام

حين نضع رؤوسنا

فوق المخدّة.

ÙÙ

أحـلام الألعاب

 

فتحت السّاعة عينيها، صباح يوم الجمعة، وبعد تثاؤبها، دقّت ثماني دقّات.

استيقظ نجيب، نظر إلى ألعابه في زاوية الغرفة، فوجدها كئيبة، على غير عادتها. عرك عينيه، جلس مسنداً ظهره إلى المخدّة، ونادى:

-صيّاح.. لماذا لم توقظني هذا الصّباح بصوتك العذب، هل أنت مريض؟

مطّ الدّيك رأسه من باب القن، قال:

-صراحة.. مللت الصّياح، كلّ صباح كو كو ريكو، كو كو ريكو، لقد بحّ صوتي والتهبت حنجرتي، أنا أحلم بالنّوم طوال النّهار، مثل صديقي الأرنب.

-ماذا؟! صيّاح يحبّ النّوم!

فجأة.. نهق الحمار الوقور بصوت عال، وقال:

-هيه.. نجيب، على ذكر الأحلام، أحبّ أن أحكي لك عن حلمي.

وقف الدّبّ الكبير ذو الفرو الأبيض، الذي يشبه القطن حرّك رأسه الكرويّ، قال:

-حمار.. اسمح لي أن أتكلّم، لأنّني كثير النّسيان، أمّا أنت فمشهور بالصّبر وطول البال، على كلّ حال، لن أطيل.

سكت الحمار على مضض، نظر نجيب إلى الدّبّ مستغرباً، قال:

-دبدوب.. هل لديك أحلام؟!

-ومن قال لك إنّ الدببة لا تحلم، أم تراك صدّقت كلام بعض النّاس أنّ الدببة غبية وبليدة، صحيح أنني كبير جداً، لكنني حسّاس.

-طيب.. بماذا تحلم؟

-حلمي الصحراء، لقد كرهت الثّلج والبرد، آه.. كم أنا مشتاق لرؤية الكثبان الصّفر، وأشجار النخيل الخضر، سأجري تحت أشّعة الشمس المحرقة، حتى يتصبب العرق من جسمي.

لم يصبر الحمار حتى ينهي الدب حديثه، فنهق من جديد، ضارباً الأرض بحافره، مشيراً إلى أنّ دوره في الكلام قد حان.

-دورك.. دورك، تفضل.

-أشكرك يا صديقي الطيب على تقديرك، وحسن استماعك، فأنا لم أنل من الناس سوى الضرب والشتائم، المهم.. عندي حلم وحيد وهو السّباحة، لا تستغرب، فأنا أحبّها مذ كنت جحشاً صغيراً تصوّر.. في كثير من الأحيان أتخيّل سطل الماء الذي أشرب منه بحيرة كبيرة، صدقني، لكنّ صاحبي القديم- سامحه اللّه لم يشجعّني. على العكس، كان يمنعني من السير حتى في الحفر الصغيرة، المليئة بأمطار الشتاء، كان يشدّ رسني بقوّة ، ليزيحني عنها، زاعماً أنّي سأنزلق واقعاً.

التفت نجيب إلى السّلحفاة، التي كانت تقف بجانب السرير، مد يده صوبها، نقر بإصبعه على درعها العظمي، فمدّت هذه رأسها ببطء.

-صباح الخير، لقد فاتك حديث طريف، لم تسمعيه من قبل، حظّك سيء.

-ومن قال لك إنّني لم أسمع؟ أنا لم أكن نائمة كما ظننت، لقد أدخلت رأسي كي أعطي لأصدقائي فرصة للتكلّم، فلا أقاطعهم، أمّا الآن وقد جاء دوري، فأنا أعلن أمام الجميع، أن الطيران أحبّ شيء إلى نفسي، لقد قطعت خلال مئة وخمسين عاماً، مسافة يقطعها الطائر بيوم واحد، أهذا عمر؟ أرجوك.. ضع لي جناحين، سأطير سأرى الأشجار والسّهول والبحار، سألعب مع الغيمات، وأراقص النّجمات، سوف

-على مهلك.. على مهلك، سأحقق أحلامكم، أمري للّه.

فرحت الحيوانات، اصطفّت أمامه، فنهض إليها منادياً:

-صياح.. تعال، سأضع لك أذني أرنب.

سُرَّ الديك بأذنيه الجديدتين، نظر إلى حقل البرسيم البعيد، وقبل أن يقفز نحوه، قال نجيب:

-صياح.. كن حذراً، الصيادون يحبّون الأرانب، حاول أن تسمع خطاهم بأذنيك الطويلتين، لتنجو من رصاصهم.

ودّع صياح أصدقاءه، وقفز مقلّداً الأرنب، قاصداً الحقل، كي ينام بهدوء.

-دبدوب.. دورك.

كانت لحظة وضع سنام الجمل على ظهره، من أسعد لحظات عمره لذا حمل قربة الماء، وجرى باتّجاه الصحراء، بغتة صاح نجيب:

-دبدوب.. دبدوب، لا داعي للقربة، فالسّنام مليء بالماء.

رمى الدب القربة أرضاً، وجرى مغنياً:

ركض الدّبْ           عرق الدّبْ

رقص.. غنّى          لحن الحبْ

-حماري الوقور، الآن ستسبح، حاول ألاّ تبتعد عن الشاطئ فالبحيرة عميقة، وأخشى عليك من الغرق.

لم يصدق الحمار أن حوافره استبدلت بأرجل بطّة، جرى إلى البحيرة، رمى نفسه في الماء، وراح يسبح كحوت صغير.

أشار نجيب إلى السّلحفاة، فمشت إليه مسرعة -لأوّل مرة في حياتها- كأنها استبدلت عجلاتٍ بأرجلها.

ضحك نجيب، قال:

- على مهلك.. ستطيرين، ولكن بشرط.

- ما هو؟

- الطّيور تشدو، وأنا أحبّ أن أسمع صوتك.

- حاضر.. سأشدو لك أعذبَ الألحان، هيّا.. ضع لي جناحين، خلّصني.

عندما طارت السّلحفاة، شعر نجيب بالوحدة، نظر جانباً شاهد طائرته الورقيّة الملوّنة مركونة في زاوية الغرفة، اقترب منها.. حملها.. ضمّها إلى صدره مغمضاً عينيه، وراح يحلم بأنّه يمتطيها يحلّق بها عالياً، حائماً حول العالم كلّه.

 

®®®

الكأس

 

استعداد، واحد.. اثنان.. انطلاق.

كان المتسابقون العشرة، يركضون بسرعة أرنب، بينما  كانت صيحات التلاميذ وهتافاتهم وتصفيقهم، تملأ فضاء باحة المدرسة.

- أسرع يا أحمد.. أسرع.

- رامي.. رامي، الحق بهم.

- هيه.. هيه.. رامز، هيه.. هيه.. رامز.

هكذا انطلقت الصّيحات من حناجر المشجّعين، الواقفين بعصبّية خلف الخطّ الأبيض، فالتّنافس كان شديداً بين أحمد ورامي، اللذين يركضان متجاورين، لكن.. وقبل خطّ النّهاية بعشرة أمتار، ضاعف أحمد من سرعته ودعس على خطّ النهاية، رافعاً يديه، وابتسامة الفوز العريضة، مرسومة على فمه.

كانت لحظة رفعه للكأس الفضّيّة، من أسعد لحظات عمره، فقد شعر بنفسه يطير عالياً، هناك.. حيث الطّيور والغيوم وقوس قزح.

كان الجميع يصفّق للفائز بكلّ انفعال وحب، باستثناء رامي، الّذي امتلأ قلبه غيظاً وحقداً.

بصراحة.. لم ينم رامي تلك الليلة، فصورة الكأس الفضيّة اللامعة كانت ترتسم أمامه دائماً، أينما التفت.

وفجأة.. لمعت في ذهنه فكرة.

فما أن طلع النّهار، حتّى فتح حصّالته، مخرجاً كلّ ما فيها من النّقود، ثمّ توجّه إلى متجر الأدوات الرياضية.

وقف أمام الواجهة الزّجاجية الأنيقة، وراح يتفحّص الأشياء المعروضة محدّثاً نفسه:

- كرة قدم، لا.. لا أريدها، مضرب تنس.. لا أحبّه، حذاء رياضي أف.. أين هي.. أين أجدها، ها.. ها، تلك هي، الكأس! إنّها الكأس الفضيّة اللامعة ذاتها.

اندفع إلى صاحب المتجر، واشترى الكأس بلا مساومة، ثمّ ركض راجعاً إلى البيت.

كانت أم رامي تغسل عندما قُرع الباب بعنف، نشّفت يديها ومضت مسرعة لتفتح.

- ماما.. ماما، باركي لي، لقد فزت بالسّباق، ونلت الكأس.

- مبارك يا بني، هات قبلة، لكن.. لماذا رجعت من المدرسة؟

- لقد صرفني المدير، قال لي بالحرف الواحد: أنت بطل يا رامي بإمكانك أن تنصرف هذا اليوم، كي تخبر والديك بالفوز، فيفرحا لك.

صدّقت الأم كلام ابنها، أمسكت بالكأس، ووضعتها على الرّف.

جلس رامي على المقعد المقابل للرف، وراح يتأمّل الكأس، لكنّه دهش عندما لم يرَ اللمعان ينعكس على سطحها، عرك عينيه، نظر إليها من جديد، لا فائدة.. إنّها لا تلمع.

بغتة.. دخل والده الغرفة، وانتبه إلى الكأس، فسأله:

-رامي.. من أين الكأس؟

-ألم تخبرك أمّي؟ لقد فزت بسباق الجري، الذي شارك فيه كل تلاميذ الصف الرابع في أثناء التصفيات، فأهدوني الكأس وسمحوا لي بيوم عطلة.

-مبارك يا بطل، ذكّرني أن أشتري لك بدلةً رياضيّة جديدة

فرح رامي من عرض أبيه، وعاد يتأمّل الكأس، بعد خروجه.

في هذه المرّة، لم يصدّق رامي ما رآه، فقد كان لون الكأس باهتاً.. شاحباً.. وقاتماً.

ذهل رامي، وضع كرسياً تحت الرّف، أنزل الكأس، انسلّ من البيت بهدوء، تاركاً الباب الخارجي مفتوحاً، وركض من جديد صوب متجر الألعاب.

- لو سمحت أريد أن تبدل لي هذه الكأس.

- لماذا يا صغيري؟

- إنّها لا تلمع.

نظر صاحب المتجر إلى الكأس دهشاً، قال:

- لكنها تلمع، انظر.. إنّها تبدو كنجمة.

- أريد واحدة غيرها.

- حاضر.. تفضّل، هذه كأس غيرها.

وصل رامي إلى البيت لاهثاً، نظر إلى أمّه، كانت لا تزال منشغلة بالغسيل، تنفّس بارتياح، صعد الكرسيّ، واضعاً الكأس الجديدة على الرف.

-الآن.. سأستمتع برؤية الكأس اللامعة.

هذا ما قاله رامي لنفسه، وهو ينزل من على الكرسي، لكن..

وللمرّة الثانية، لم يلحظ أيّ لمعة تبدو على سطح الكأس على العكس، كانت تبدو على شكل قطعة حديد صدئة.

كاد عقل رامي يطير، لماذا لا تلمع كأسه، كلمعان كأس أحمد؟

ظلّ هذا السؤال يرنّ في أذنيه، ولا يعرف له جواباً حتّى فاز في الفصل الثّاني من العام الدّراسي، بسباق الجري عن جدارة واستحقاق، رافعاً أمام زملائه الكأس اللاّمعة.

 

%%%

 

السّـــاعة

 

تَكْ.. تَكْ.. تَكْ.. تَكْ..

هذه التّكّات.. كانت تصدر كلّ ثانية، عن ساعة المنبّه الصغيرة المدوّرة التي تشبه القمر.

مع كلّ تكّة، كان عقرب الثّواني ينطّ من مكان إلى آخر، دائراً حول محوره بانتظام.

وفجأة.. صدر صوت غير منتظم.

تَكْ.. تَكْ تَكْ تَكْ. تَكْ.

أحسّت الأرقام المطبوعة على وجه السّاعة، باضطراب العقرب فنظرت إليه حائرة، وقالت:

-عقرب.. ما بك، لماذا أنت مضطرب؟

-تَكْ تَكْ. تكْ تَكْ، وكيف لا أضطرب، وحضرتكم جالسون في خلقتي؟!

-ما هذه اللهجة القاسية التي تخاطبنا بها، ماذا جرى، هل أسأنا إليك؟

-مسكينات، دائماً تتظاهرن بعدم المعرفة، طبعاً أسأتن، وإساءتكن لا تغتفر.

شعرت الأرقام بجديّة كلام العقرب، فقالت بلهجة رقيقة:

-أخي.. لو سمحت، أوضح لنا سبب انزعاجك منّا.

انتفض العقرب غاضباً، فلامس زجاج السّاعة، قال:

-لقد دخت لكثرة الدّوران، كلّ دقيقة أدور دورة، وفي النّهاية يذهب تعبي وتعب والدي عقرب الدّقائق وتعب جدّي عقرب السّاعات كلّه في الهواء، بينما أنتن تنلن التّقدير.

-ماذا تقصد؟ لم نفهم.

-سأفهمكن.. إذا سأل صاحب البيت ابنه عن السّاعة الآن بماذا يجيبه؟ تكلّمن.. سأقول لكن، يجيبه: الساعة تشير إلى السادسة وعشر دقائق.

السّادسة.. تعني حضرة الرّقم ستّة، عشر دقائق.. تعني حضرة الرّقم اثنين ذي الظّهر المحدّب، أمّا أنا.. العقرب الذي أصيب بالصّداع لكثرة الدوران، فلا أحد يذكر اسمه، أعرفتم السّبب؟

- عفواً أيّها الصّديق، أنت تبالغ، نحن لا ننكر أنّك تعمل بجدّ ونشاط لكنّ عملك لا يساوي شيئاً، إذا لم تشر إلينا، أنت وأبيك وجدّك، صحيح أنّنا نتضايق لحظات عندما تشير إلى ساعة الاستيقاظ، فيرن جرس المنبه، ويوقظنا، لكنّنا سرعان ما نفرح، عندما يذهب صاحب البيت إلى عمله من غير أن يتأخّر اسمع أيّها الصّديق العزيز، كلنا مهم لمعرفة الوقت، ولا يمكن لأحدنا الاستغناء عن الآخر.

- بل يمكن، سأمحوكن بمساعدة أبي وجدّي.

تنحنح الجدّ، وقال بهدوء.

- معك حق يا حفيدي، لابدّ من إزالتهن.

هزّ الأب رأسه، قال:

- أنا أنضمّ إليكما، فالعمل لنا، والشّكر لغيرنا.

وعبثاً حاولت الأرقام استعطاف العقارب، جرّبت أن تقاوم، لكنّها كانت تضعف كلّما مرّ فوقها أحد العقارب، ماسحاً طبقة من لونها.

لم تدم المعركة طويلاً، فما أن حلّ الصّباح، حتّى اختفت الأرقام تماماً من فوق وجه السّاعة.

شعرت العقارب بالنّصر، فصارت تدور بسرعة كبرى. لكن.. ما حصل لم يكن محسوباً.

فبينما كانت العقارب ترقص فرحة، رنّ جرس الهاتف أفاق صاحب البيت، وفور رفعه السّماعة، جاءه صوت مديره.

- صباح الخير.

- صباح النور.

- هل أنت مريض؟

- لا.. لماذا؟

- لقد تأخّرت هذا اليوم، فالسّاعة الآن التّاسعة والرّبع.

أرجع صاحب البيت السّمّاعة، نظر إلى ساعته مستاء قال:

- ما هذه السّاعة.. أين اختفت الأرقام؟ آه.. لقد أصبحت عديمة الفائدة، يالها من ساعة لا معنى لها.

ثمّ أمسكها بعصبيّة- ونهض من الفراش.

أحسّت العقارب بأنّ شيئاً ما سيحدث لها، لكنّها.. وقبل أن تفكّر في طريقة لإعادة الأرقام، وجدت نفسها مرميّة في سلّة المهملات.

 

???

 

العنكبوت والدّائرة

 

في غرفة صغيرة، وعلى سطح ورقة بيضاء، عاش المثلث والمربع والدائرة بحب ووئام.

ذات صباح، حدث أمرٌ تسبّب في نشوب خلاف ومشاجرة بين الأشكال الهندسيّة الثلاثة، وهاكم ما حدث:

تسلل عنكب طويل الأرجل إلى الغرفة الصغيرة،، تسلّق الحائط قاصداً إحدى الزوايا، ثمّ شرع ينسج خيوطه الدقيقة بمهارة ناسجاً شبكة لصيد الحشرات، وفور انتهائه، ربط أحد خيوطه بالسّقف، وتدلّى متأرجحاً ولمّا وصل إلى حافّة النافذة، صاح:

- هيه.. عنكبة، تعالي.. لقد وجدت لك مكاناً تنسجين فيه شبكتك.

اقتربت العنكبة منه، قائلة:

- بالله عليك، هل وجدت المكان؟

- اقسم لك، انظري إلى السقف، هناك ثلاث زوايا فارغة.

ابتسمت العنكبة، وقالت:

- آه.. يالك من عنكب لطيف، لقد دخت وأنا أحاول أن أنسج شبكتي على فم برميل، لكنّني لم أوفّق، بصراحة.. شكل الدائرة بشع.

امتعض العنكب، قال:

- لا تذكّريني أرجوك، فأنا أكرهها أكثر من المكنسة التي يكنسون بها بيتي.

هذا ما حدث صباحاً، والآن.. لنرجع إلى الأشكال الهندسيّة كي نرى ما جرى.

فالدّائرة.. وبعد سماعها حديث العنكبوتين، شعرت بالضّيق، والتفتت إلى صديقيها قائلة:

- يا للعنكبوتين الغبيّين، كيف يقولان إن شكل الدائرة بشع؟‍ ألم يتذكّرا الشّمس والقمر، ألم يعلما أنّ الخطّ الذي يرسمني ليّن وجميل وهو على عكس الخطوط المستقيمة القاسية التي ترسم الأشكال الهندسية الأخرى.

انكمش المثّلث والمربع على نفسيهما، وصاحا غاضبين:

- ماذا تفلسفت؟ الآن أصبحت الخطوط التّي ترسم أضلاعنا قاسية لا تعجبك؟ إيه.. دنيا، أصبحتِ تتعالين علينا.

مسحت الدائرة وجهها، قالت:

- سامحكما الله، أنا لا أتعالى على أصدقائي، ثمّ إنّني أعترف أمامكما بعدم امتلاكي لأيّة زاوية، ذلك أنّني لا أملك أضلاعاً في الأصل.

شعر المثلّث والمربّع بالزّهو، فنسيا صداقتهما للدّائرة وقالا ساخرين:

- طبعاً لا تملكين أضلاعاً وزوايا، ونرجو ألاّ تؤاخذينا شكلك لا معنى له.

زعلت الدّائرة، احمرّ وجهها، أخذت نفساً عميقاً، انتفخت قليلاً، وفجأة.. انسلخت عن الورقة، مشكّلة بالوناً جميلاً يحلّق في فضاء الغرفة.

دهش المثلث والمربّع عند مشاهدتهما البالون، وكاد عقلهما يطق عندما سمعا العنكب ينادي العنكبة قائلاً:

- هيه.. عزيزتي، متّعي عينيك بمنظر ذاك البالون الرّائع.

 

"""

الكهف

 

أشرقت الشّمس، فاغتسلت البيوت والبساتين بالنور وطارت العصافير مغنّية نشيد الضيّاء.

اندفع النّاس إلى الحقول، ليستمتعوا بيوم الجمعة، وخرجت أسرة (أبي سميح) إلى الغابة.

قضت الأسرة وقتاً ممتعاً، فبعد الغداء، تمشى الإخوة الثلاثة، سميح وفرحان ولبنى، غير بعيدين عن أبويهم، ينظرون إلى الصخور الرمادية الضخمة، والأشجار الباسقة، والحشرات الغريبة.

فجأة.. شاهد فرحان كهفاً كبيراً، فصرخ دهشاً:

- انظروا إلى تلك الصخرة، إنّها محفورة.

ضحكت لبنى، قالت:

- هذا كهف يا فرحان، الإنسان القديم سكن هنا، هكذا قالت المعلّمة.

سأل فرحان:

- وماذا كانوا يأكلون؟

- ثمار الأشجار، جذور النّبات، لحم الحيوان.

- هل كان عندهم مسدّسات يصطادون بها؟

- لا.. لم تكن الأسلحة معروفة، كانوا يضربونها بالعظام، بالحجارة وبالعصي الغليظة، ثمّ يشوونها بالنّار ويأكلونها، شاربين بقرونها.

اقترب سميح من الكهف، قال:

- هيّا ندخل.. عسى أن نجد قرن حيوان، فأنا عطشان، أريد أن أشرب.

أمسكت لبنى يد فرحان ودخلا، وما إن قالت اسمعوا- حتّى ردّد الكهف صدى الكلمة:

- عو .. عو.. عو.

انفجر سميح ضاحكاً، نادى:

-لبنى.

ردّد الكهف:

-نا.. نا.. نا..

صاح فرحان بصوت عالٍ:

-عصفور

-فور.. فور.. فور.. فور.

بغتة.. قال فرحان:

-لماذا لا نمثّل حياة الإنسان القديم؟

نطّ سميح فرحاً، قال:

-فكرة حلوة، ولكن كيف؟

حكّت لبنى رأسها، قالت:

-أنا أمثّل دور الأم، فرحان ابني الصّغير، أمّا أنت يا سميح فتمثّل دور الوحش.

-وحش؟! لكنّني لا أحبّ أن أؤذي أحداً.

-أعرف.. إنّها لعبة فقط.

ثمّ خرجت من الكهف، وبدأت تجمع الأوراق الخضراء، وتعلّقها على خصرها.

سأل فرحان:

-ماذا تفعلين؟

ردّت لبنى:

-كان الإنسان قديماً يتستّر بالأوراق، لأنّ الأقمشة لم تكن معروفة

خلع فرحان قميصه، وركض يلمّ الأوراق، ويعلّقها على حزامه، لتشكّل زنّاراً أخضر، بينما مشى سميح على أربعٍ، مصدراً أصواتاً مخيفة.

أمسكت لبنى بيد فرحان، وركضا إلى داخل الكهف.

تقدّم سميح نحو فرحان بطيئاً، قائلاً:

-هم.. هم، سآكلك أيّها الصغير، إنّ لحمك أبيض مثل الثلج.

صاح فرحان خائفاً:

-ماما.. ماما.. أنقذيني، سيأكلني الوحش.

مدّت لبنى يدها إلى جيبها، أخرجت علبة الكبريت التّي أحضرتها مع مستلزمات الرّحلة، ثمَ أشعلت عوداً، واقتربت من الوحش.

نفخ سميح على العود، فانطفأ.

صاحت لبنى غاضبة:

-يجب أن تهرب، فالحيوانات تخاف النّار.

استلقى سميح على ظهره من شدّة الضّحك، قال:

-هل أنا جبان حتّى أخاف من عود كبريت؟

سأل فرحان:

-والآن.. ماذا سنفعل؟

ردّت لبنى:

-انظر إلي.

ثمّ أمسكت قطعة فحم صغيرة، ملقاة على الأرض، وراحت ترسم على جدار الكهف رأس وحش، له أنياب طويلة، وفوق رأسه حجر كبير.

قال فرحان:

-لماذا ترسمين على الجدار؟

-اسمع يا فرحان.. جدّنا الإنسان لم يكن يعرف الكلام، لذا كان يستعين بالرّسم.

بغتة.. سمعوا صوت أبيهم ينادي:

-أين أنتم يا صغار؟

ردّ سميح:

-نحن في الكهف.

دخل الأب، قال:

-ماذا تفعلون هنا؟

حكت لبنى لأبيها حكاية اللعبة، فضحك وقال:

-أعطني علبة الكبريت يا لبنى، لأنّ النار خطرة في الغابة.

ثمّ جلس على صخرة صغيرة، وأضاف:

-فعلاً.. كانت حياة الإنسان الأولى، قاسية وخطرة، لكنّه لم يستسلم، فظلّ يعمل ويتعب، حتّى وصل إلى الحضارة التي نعيشها الآن.

ابتسم الصّغار، وعرفوا أن الإنسان يصل إلى هدفه بالاجتهاد والعمل.

 

 

HHH

الكلمات تسافر وحدها

باعد الكاتب بين سبّابته وإبهامه، تاركاً الظرف ذا الطّابع الملوّن يسقط داخل صندوق البريد الأحمر.

كان الظّلام دامساً داخل الصّندوق، حتّى أنّ الظّرف نسي وجعه بسبب سقوطه، وراح ينظر حوله خائفاً.

ورويداً.. رويداً، بدأ يرى ما حوله، نتيجة لتسلّل حزمة ضوئيّة من فتحة الصّندوق الضّيقة، فقد اكتشف أنّه ليس وحيداً، وإنّما يستلقي بجواره عشرات الظّروف.

شعر الظّرف بالسّعادة، وأحبّ أن يتعرّف على أصدقائه لكن.. وقبل أن يسلّم على أحد، أحسّ بمغص، ففطن إلى أنّ جوّ الصّندوق بارد، وربّما كان ذلك هو السّبب.

والحقيقة.. أنّ المغص لم يكن بسبب برودة الطّقس، وإنّما بسبب الخلاف النّاشئ بين الكلمات والأرقام على الأوراق السّت الموجودة داخل الظّرف.

وإليكم ما حدث بالضّبط

كانت الأوراق السّت تتضمّن قصصاً قصيرة، وفي أسفل كلّ ورقة رقم يدلّ عليها، لكنّ الكلمات انزعجن من الأرقام، وقلن لها غاضبات:

-غريب.. كيف ترضُون على أنفسكن أن يجلس كلّ رقم بمفرده وسط مئات الكلمات!؟ أجبن.. ألا تستحين؟

انكمشت الأرقام على نفسها، قالت:

-نحن لسنا ثقيلي دم، حتّى نجلس معكن بلا سبب.

-وما السّبب؟ تفضّلن أوضحن.

-السبب هو ترتيب الأوراق حتّى لا يختلط بعضها ببعض، فلا تعرف الأولى من الثّانية.

-ها.. ها، وتتفلسفن أيضاً، اسمعن.. نحن نرتّب أنفسنا بأنفسنا دون حاجة لحضرتكن.

-لا تغلطن في حقّنا، صحيح أنّ الأوراق ملأى بالكلمات، لكن الأرقام مهمّة، وكما يقول المثل: الحصاة تسند الجرّة.

-ما شاء اللّه، وتضربن الأمثال! هيّا.. اخرجن من غير مطرود فلا يمكننا السّفر معكن.

وعبثاً حاولت الأرقام إقناع الكلمات، ونظراً لقلّة عدد الأرقام، وكثرة عدد الكلمات، فقد استطاعت الأخيرات دفع الأرقام، وإخراجها من إحدى زوايا الظرف الّتي لم تلصق جيّداً.

لم يطل سفر الظرف أكثر من أيّام، فقد رُدّ إلى مركز البريد محتوياً ورقة إضافيّة، كتب عليها:

الكاتب العزيز

نرجو أن ترقّم الأوراق، كي نستطيع قراءتها بالتّرتيب وتبعثها من جديد مع جزيل الشّكر.

في اليوم التّالي.. كان الظّرف ذو الطّابع الملوّن يستلقي سعيداً داخل صندوق البريد الأحمر، يكلّم أصدقاءه، يتعرّف منهم على وجهة سفرهم، وبالطّبع لم يشعر هذه المرّة بالمغص، فقد كانت الكلمات تحكي لأصدقائها الأرقام، قصّة سفرها الأولى.

t t t

غرفــة الألعـاب

دخل أكثم إلى غرفته، فوجد ألعابه مفكّكة متناثرة.

-من فعل هذا؟! لابدّ أنّها أسماء، فهي لا يهمّها إلاّ شرب الحليب من الرّضّاعة، وتفكيك لعبي، آه.. ماذا أفعل؟

وقف أكثم حائراً، حكّ جبينه بإصبعه، وراح يفكّر بحل.

فجأة.. خطرت له فكرة.

اقترب من الدّيك ذو الذّيل الملوّن، أمسكه بلطف، وقال باسماً:

-ديك.. ما رأيك بالسّباحة، مؤكّد أنّك عرقان، فالجوّ حار، لا تشغل بالك، لن تغرق، سأضع لك رأس بطّتي، إنّها تسبح بمهارة ورشاقة.

وخلال ثوانٍ، كان للدّيك الملوّن، رأس أبيض ذو منقار عريض.

نظر الدّيك إلى أكثم غاضباً، صاح:

-واك.. واك، أريد رأسي، أنا لا أستطيع العيش بلا عرف أنا لا أهوى السّباحة، هوايتي إيقاظ النّائمين، واك.. واك.

ضحك أكثم، وراح يتأمّل ألعابه من جديد.

كان الأرنب هو الاختيار الثّاني، فقد انتزع ذيله الصّغير الذي يشبه جوزة القطن، وثبّت مكانه ذيل الثّعلب الطويل.

-افرحْ، هذا يسمّى ذيلاً، هيّا.. ارفع رأسك، وفاخر به رفاقك.

نصب الأرنب أذنيه محتجّاً، وقال:

-أريد ذيلي، أنا لا أستطيع القفز، ذيل الثّعلب كبير، أحسّ أنّني أجرّ ورائي عربة ثقيلة.

لم يستمع أكثم لكلام الأرنب، لقد أعجبته اللعبة، ها هو يمدّ يده صوب الكلب الجّاثم في ظل العربة.

أحسّ هذا بالخطر، لكنّه لم يتمكّن من الاختباء.

-آه يا كلبي العزيز، ما رأيك في أن أضع لك رقبة طويلة، لترى ما وراء السّور؟ إنّها ستساعدك على الحراسة.

نبح الكلب غاضباً، لكنّ نباحه لم يحمه من وضع رقبة الزّرافة له.

انقلب أكثم على ظهره من شدّة الضحك، حين نظر إلى حيواناته قائلاً:

-ها.. ها، لقد شكّلت حيوانات عجيبة، لا مثيل لها في الدّنيا.

لم يستطع الكلب صبراً، زمجر في وجه أكثم، وهجم عليه ناسياً أنّ رقبته قد صارت طويلة جداً.

بغتة.. اصطدم رأسه بحافّة الطّاولة الصّغيرة، وسط الغرفة، فانخلعت رقبته، وارتمى أرضاً.

شعر أكثم بغلطه، اقترب من كلبه حزيناً، وشرع يعيد حيواناته إلى وضعها الطّبيعي.

لكنّه.. لحظة انتهائه، فوجئ بها تتركه مبتعدة.

أحسّ أكثم بالوحدة والضجر، جلس جانباً، وراح يفكّر بطريقة لمصالحتها ونيل رضاها.

SSS

الطّوق الأزرق

قطّة رشا شقراء، لها طوق أزرق، واسمها لولو.

رشا تحبّ لولو كثيراً، وتدلّلها، فالبارحة غسّلتها في طست أحمر، ونشّفتها ثمّ رشّت عليها العطر.

وأوّل البارحة، خرجتا إلى الحديقة، هناك حيث الأراجيح والألعاب.

أمّا اليوم.. فقد تغيّرت طباع لولو، فهي تموء بصوت مزعج وتخمش رشا بأظافرها، وتقفز إلى الخزانة، حتى أنها كسرت زهرية ملأى بالورد.

غضبت رشا، نزعت الطّوق الأزرق عن عنق قطّتها، ثم صاحت بها:

-لولو.. أنت مزعجة، أنا أدلّلك لأنني أحبّك، فيجب ألاّ تشتّطي كي لا أكرهك.

حزنت لولو، واختبأت تحت الخزانة.

بعد ساعة، أحضرت رشا صحناً مليئاً بالحليب، ونادت لولو قائلة:

تعالي يا شقراء.. لقد عفوت عنكِ.

نطّت لولو فرحة، واقتربت من صحن الحليب.

سحبت رشا الصّحن من أمام لولو، وقالت:

-لا يمكن أن تشربي الحليب، إلاّ إذا وعدتني بالهدوء وسماع الكلمة.

هزّت لولو رأسها موافقة، فركضت إلى خزانتها، وأحضرت الطوق الأزرق، ثمّ جلست تنتظر قبالة قطّتها، الّتي كانت تلعق الحليب بلسانها الصّغير، كي تعلّق لها طوقها الأزرق الجميل.

ÕÕÕ

الهـــــاتف

دخل المعلّم الصّف، أمسك الطّباشير، وقبل أن يكتب عنوان الدرس، خرج عدنان من مقعده، وتوّجه إليه ممسكاً بيده ورقة وقال:

-تفضّل يا أستاذ، خذ هذه الورقة، لقد وجدتها في درج مقعدي، وقد كتب عليها كلمات غير مؤدّبة!

أمسك المعلم الورقة، فتحها وقرأها في سرّه، وعلامات الغضب ظاهرة على وجهه.

ساد الصّمت جّو الصف، أفواه التلاميذ مفتوحة، قلوبهم تنبض بسرعة.

كسر المعلّم الصّمت بقوله:

-ضعوا دفاتر القراءة أمامكم، وافتحوها.

أخرج التّلاميذ دفاترهم، بينما راح المعلّم يتجوّل بينهم.

فجأة.. وقف عند مروان، أمسك دفتره، قارن بين خطّه في الدّفتر والخط في الورقة، ثمّ رمقه بنظرة قاسية.

خاف مروان، واحمرّت أذناه.

قلّب المعلّم صفحات الدفتر، وإذ بورقة مقطوعة.

وضع الورقة الّتي بيده مكان الورقة المقطوعة، فاكتشف أنها قطعت من هذا الدفتر.

انفجر مروان باكياً، وقال:

-السماح يا أستاذ، لن أكرّر ما فعلته.

أمسك المعلّم أذن مروان، قال:

-كم رقم هاتفكم؟

-خمس وأربعون.. صفر.. اثنان وخمسون.

أكمل المعلّم الدّرس، وانقضى اليوم الدّراسي، وانصرف التلاميذ إلى بيوتهم.

في ذاك اليوم، كان مروان على غير عادته، فما إن دخل منزله حتّى جلس قرب الهاتف ذي اللون البنّي، والخوف ظاهر في عينيه، كان ينظر كلّ مدّة إليه، فيشعر بأنّه يشبه ذئباً مفترساً.

تذكّر ما فعله مع صديقه عدنان، وراح يحدّث نفسه:

-لماذا فعلت هذا، عدنان تلميذ مجتهد، المفترض أن أجتهد كي أنافسه، لا أن أغار منه وأكتب له عبارات بذيئة.

عضّ مروان على أظافره بقوّة، كأنّه يؤنّب نفسه، فجأة رنّ جرس الهاتف، كاد قلب مروان يقفز من بين ضلوعه كالأرنب، ركض إلى الهاتف، رفع السماعة، قال:

-الرقم غلط.. الرقم غلط.

لكنّه سمع على الطرف الآخر صوت عمّته.

-الحمد لله.. إنه ليس المعلم.

هكذا قال مروان، وزفر بقوّة، مصدراً صفيراً ممطوطاً.

-عفواً عمّتي، لم أميّز صوتكِ، سأنادي لك أمّي، إنها في المطبخ.

بعد قليل، وما إن انتهت المكالمة، حتّى عاد الرّعب يدب في قلب مروان، كأنّه النّمل.

وبينما هو في حيرة، يمشي جانب الهاتف بخطوات تائهة، إذ رنّ جرس الهاتف، رفع السّمّاعة، وقبل أن يكمل كلمة "آلو" جاءه
صوت معلّمه:

-مروان.. أرجو أن تكون قد أحسست بغلطك، أنت تلميذ مهذّب ويجب أن تبقى كذلك.. وداعاً.

أرجع مروان السّمّاعة إلى مكانها، نظر إلى قرص الأرقام فبدا لـه كأنّه وجه مدوّر، لكنه عابس.

فكّر قليلاً، رفع السّمّاعة، واتصل بصديقه عدنان.

ومع كلّ كلمة اعتذار، كان قرص الهاتف يتحول إلى وجه مبتسم وضاحك.

ÉÉÉ

فِراش من ريش

في غابة كثيفة الأغصان، اختبأ صيّاد خلف جذع شجرة كبيرة مصوّباً فوّهة بندقيّته نحو طائر جميل، يشدو على غصن قريب.

أغمض الصّيّاد إحدى عينيه، كي يحسن التسديد، واضعاً إصبعه فوق الزّناد.

حزن الزّناد على مصير الطّائر، فهمس في أذن الطلقة، قائلاً:

-طلقة.. اسمعيني، الآن سيضغطني الصّياد بإصبعه، وبالتالي سأنقرك، فأرجو ألاّ يشتعل البارود في جوفك، لأنّه سيدفع المقذوف، ويقتل ذاك الطّائر البريء.

استاءت الطّلقة من كلام الزّناد، وقالت:

-كيف لا أشتعل، ومقذوفي متلهّف كي يقتله؟

-ولماذا يقتله؟ ألا تسمعين صوته العذب؟!

-أنا لا أطرب إلاّ لأصوات الانفجارات!!

فجأة.. ضغط الصّياد على الزناد، فحاول أن ينقر الطّلقة بلطف، وما إن مسّها حتى اشتعل بارودها، وانطلق مقذوفها بسرعة البرق، مصدراً صوتاً مرعباً.

ولحسن الحظ، لم يقتل الطّائر، إنّما سقطت منه بضع ريشات على الأرض.

أخرج الصّياد الطلقة الفارغة، ورماها على الأرض بنزق ثمّ مضى يبحث عن صيد جديد.

كانت الطّلقة ساخنة، فصارت تشعر بالبرد، لأنّ ضميرها بدأ يعذّبها.

لقد آذت الطّائر من دون ذنب، والنتيجة أن رماها الصّياد كما يرمي الأطفال أكياس مأكولاتهم الفّارغة.

بغتةً.. شاهدت ريش الطّائر، فزحفت نحوه بصعوبة وعندما وصلت، استلقت فوقه، وشعرت بالرّاحة.