العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

 

خطوة موفقة على درب وعر

                                               
ميخائيل عيد

 

علامة مفرحة أن تظل تكتب وتكتب وأن تظل تتقدم..بعض الكتاب يتألق في ما يشبه الفجاءة ثم ينطفئ وبعضهم يسير وئيداً على درب الإبداع يغالب الصعاب في كل خطوة ويتقدم معبداً دربه راسخ الخطوات.. وبعضهم يبقى متأرجحاً عند الحدود الوسطى وما دونها... والمسيرة الطبيعية هي مسيرة الفريق الثاني...

الأستاذ صبحي سعيد كاتب وصحفي بدأ منذ سنوات يكرس نشاطه لأدب الأطفال... وأدب الأطفال عندنا وفي الوطن العربي محتاج إلى تضافر المزيد والمزيد من جهود المبدعين في أكثر من ميدان من ميادين الفن... والأستاذ صبحي من الذين يكتبون ويتقدمون ويعمقون تجربتهم كي تكون أزهارهم أجمل وكي تكون ثمارهم أشهى وأنفع.

في عمل الأستاذ صبحي سعيد الجديد واحد وعشرون عنواناً تتكامل مضامينها فيحار المرء في تسميتها... فهل هي أضمومة جميلة من قصص الأطفال أم هي رواية جميلة للأطفال توزعت على واحد وعشرين عنواناً؟ القصة منها مكتفية بذاتها لكن أختها التي تليها تغنيها وتزيدها اكتفاء وكمالاً...

موضوع القصص ـ الرواية واحد لكنه فسيح يتسع لهموم أبناء الشهداء في ظل الاحتلال الصهيوني ولأحلامهم بالمستقبل الذي قدم أهلهم دمهم في سبيله، وهم بدورهم يعملون من أجله غير ضانين بشيء حتى الدم.

هنا، وسط الظلام الحاقد وبين مخالب الضغائن ومع غبار أنقاض المنازل المدمرة تتألق وجوه مفعمة إنسانية وتولد شموس محبة وتتصاعد أنغام الحنان والألفة والتعاضد فكأنما الكوارث تحفز الأخيار على فعل المزيد من الخير وتدفع المحبين الشرفاء إلى إبداء المزيد من الحب والإخلاص والشرف، تصير وجوه هؤلاء ملامح تنير عالمنا الداخلي وتغنيه.

ثمة قصص تحتاج إلى أكثر من وقفة تأمل وإلى أكثر من قراءة أخص بالذكر منها قصة "الزيارة"... فهي جميلة الجميلات بين أخواتها... أو هكذا خيل لي...

العمل كله خطوة موفقة آمل أن تتبعها خطوات وخطوات على دروب الإبداع الوعرة...

??
 

حبيبتي جبلة

*************

مجموعة قصصية، أسلط فيها الضوء على بعض الآثار النفسية للطفل العربي في
فلسطين المحتلة، عِبْرَ مذكرات يكتبُها أحمد، تتشابك فيها جراح الواقع بأضاميم الحلم، عبقاً وشوكاً. فللأحلام عبير الأزهار وأشواكها. وينقلُ لنا أحمد جزءاً يسيراً من الواقع وهمومه.. ويركِّزُ على ما يراه مهمَّاً وحميماً إلى قلبه وطموحاته وتطلعاته. لقد كانت الطبيعة مركبي إلى روح الشخوص الذين حاولت أن أقدمهم إلى العالم، بجراحهم وآلامهم ومعاناتهم وطموحاتهم العفوية البريئة.

وكانت الروح القومية والإيمان الجماعي ـ أجنحتي، إلى عالمهم الواسع غير المحدود. تجري الأحداث في مدرسة لأبناء الشهداء في فلسطين المحتلة. أليست فلسطين مدرسة للجهاد والشهادة، لنا جميعاً ونحن أبناؤها؟؟ آمل أن أكون قد وفقت إلى تقديم ما هو مفيد لطفلنا العربي وأدبنا العربي.، بما يخدم طموحاتنا الحضارية والإنسانية.

صبحي سعيد

دمشق: 8/5/2004

***

شدة وتزول

أعيشُ الآن في دارِ لأبناءِ الشهداءِ، في فلسطينَ المحتلَّةِ. في بدايةِ العامِ الدراسي الماضي، أوْصَلني والدي إلى بابِ المدرسة. قبَّلني كما لم يقبلني من قبل، ثم ضمَّني إلى صَدْرِهِ وهمَسَ في أذني بشفتين مُرْتَعِشتين: (يا أحمد.. أريدكَ أنْ تكون منَ الأوائلِ). نظرتُ إلى عينيه، فرأيتُ غيوماً داكنةً سوداءَ، يُبْرِقُ فيهما وميضٌ حادٌ، يضيءُ وجهَهُ الأسمرَ. عانقني ومضى.. ولمْ أرَه ثانية إلاَّ.. في الأحلام والخيالِ. قالتْ لي أمي بعدَ أيامٍ، عِبْرَ دموعها: (أنتَ ابن شهيدٍ يا أحمد). نظرتُ عبرَ النافذةِ فرأيتُ القمرَ بدراً تحيطُهُ غيومٌ داكنةٌ متفرِّقَةٌ: رأيتُ أبي يقفزُ من غيمة إلى أخرى.. وكأنَّهُ منهمكٌ في عملٍ مُهِم.. وكأنَّهُ كانَ في الحقلِ، يسقي شجرات بستاننا وهو يُدَنْدِنُ أغنيةً مرحةً. خُيِّلَ لي أنَّني ناديتُهُ حتى بُحَّ صوتي. لا أذكرُ كيفَ نمتُ في تلك الليلةِ.. إلاَّ أنَّني أذكرُ أنني استيقظتُ مع أذانِ الفجرِ لأتابعَ دروسي وأعملَ بوصيَّةِ والدي. وقد حصلتُ على أعلى الدرجاتِ في دروسي كلها، على الرغم من الظروفِ الصعبةِ التي عشناها، بعد رحيلِ والدي. فقدْ وقَعَتْ أمي بين أنيابِ المرضِ... وعانتْ طويلاً من آلامٍ قاسية. كنتُ أنظرُ إليها وأبكي وهي تضمُّ إلى صدرها شقيقتي رشا ـ ابنة السنوات الخمس. وكانتْ عندما تسمعُ بكائي، تناديني وتَضُمُّني إلى صدرها وتقول: (شدة وتزولُ إن شاء الله! شدَّةٌ وتزول!) فإذا اشتدَّ بكائي أنَّبَتْني بحنان وهي تقولُ: (أنت رجلُ البيتِ يا أحمد.. وتبكي؟؟). تصمُتُ بُرهةً وهي تداعبُ شعري ثم تقول: (البكاء لايطعم خبزاً يابني) وكان أملي كبيراً بشفائها.. فقد كان يزورني، كل ليلة في الحلمِ، رجلٌ طويلٌ بثيابٍ بيضاءَ ولحيةٍ طويلةٍ... يتوكأُ على عصا، في مرجٍ أخضرَ، تطيرُ فوقَ رأسِهِ حماماتٌ ملوَّنَةٌ، وتحومُ حولَهُ غزلانٌ جميلةٌ، تتقافَزُ بمرَحٍ ورشاقةٍ. أسيرُ معهُ بين الأشجارِ، في مرجٍ يطْفَحُ بالأزهارِ والرياحين. أسمعُهُ يقولُ لي: (أنت حزينٌ... حزينٌ يا أحمد) ويربتُ على كتفي يُطمئنني: (شدَّةٌ وتزولُ يا بني شدَّةٌ وتزولُ) وكنتُ أتابعُ دروسي بكلِّ ما أملكُ من قوة وأعيشُ مع أحلامي في الليلِ، وأتضرَّعُ إلى الله في صلاتي: يا ربِّ! اشفِ لي أمِّي.. يا ربِّ قفْ إلى جانبِ أمي وأنتَ أرحمُ الراحمين)..

نادتني أمي ذاتَ يوم وقالتْ لي: (يا بني، لماذا لا تخرجُ وتلعبُ مع أترابك... أخرجْ يا بني إلى أصدقائك). قبّلتُ يديها وبكيتُ وأنا أقولُ: (يا أمي... الجنودُ الصهاينةُ منتشرون في كلِّ مكانٍ، يطاردون الأطفالَ من شارعٍ إلى شارعٍ، بالدبابات والسياراتِ المصفحةِ والقنابلِ المسيلةِ للدموعِ... والهراوات..) نظرتْ إليَّ طويلاً ثم قالتْ: (أنت ابن شهيد يا بني.. لا يليقُ بك الجلوسُ في المنزلِ، وأترابكَ يواجهون المحتلَّ بصدورهم.. وبالحجارة...).. ومنذُ تلك اللحظةِ لم أعدْ أجلسُ في المنزلِ إلاَّ بعدَ العشاء لأتابعَ دروسي. كنتُ أتركُ قلبي إلى جانبِ أمي المريضةِ وشقيقتي الهزيلة. ولم تكنْ أمي تَسْمَح لأحد أنْ ينشغلَ بها.. كي لا تكون عبْئاًً على أحدٍ. كنتُ أعود إلى المنزلِ فتستقبلني بشوقٍ.. أجلس إلى جانبها أتنَشَّقُ رائحتَها وأنا أحكي لها عن معاركِنا مع العدو الصهيوني... فأشعرُ أنَّها تصرَعُ المرضَ بابتساماتِ الدَّهْشَةِ والفرَحِ... ذاتَ يوم سألتني عن طموحي: (ماذا تحلم أن تكون في المستقبل يا أحمد؟ طبيب؟ محامي؟) فأجبتُها بنَزَقٍ: (ليش عمْ يتركونا نصير؟..) وأقصدُ أنَّ الصهيونية لا تتيحُ لنا أن نسيرَ إلى أحلامِنا بسلامٍ. فسألتني بغضبٍ: (ومن تقصد يا بني؟).. فأجبتُها بألم وحسرة: (الصهاينة الأشرار، وهل هناك غيرهم؟) عندئذ رمتني بنظرةٍ تشتعل بعتابٍ ولومٍ وتأنيبٍ: (يا أحمدُ تُؤخذُ الدنيا غلاباً) ومازالتْ هذه العبارةُ تومِضُ في روحي.. شعرتُ بعدَها أنَّني إلى جانبِ خالدِ بن الوليد. هذا القائدُ الذي قرأتُ عنه الكثير، فيما بعد... وفكرت به كثيراً... وأحببتُهُ حباً لا يوصف. وأظنُّ أن والدي كان يحدثني عن خالد بن الوليد كثيراً، حتى أنني سألت والدي ذات يوم: (لماذا لم تسمِني خالداً يا والدي...) وفهم والدي قصدي. ابتسم وقال: (الأسماء ليستْ كلَّ شيء... واسمكُ أحمد... أتعرفُ من هو أحمد؟) خجلتُ وتمنيتُ أن تنشقُّ الأرضَ لتبتلعني.. إلى حدٍّ أنني كدْتُ أبكي من الخجلِ.. ربتَ أبي على ظهري بقوة ليساعدني على الخروج من حرجي وخَجَلي وقال: (الرجالُ بزنودها وقلوبها... يا أحمد!). أيقظتني أمي من شرودي وشجَّعتني على الخروج، لألتحقَ بأترابي من الأطفالِ وأوصتني أنْ أكونَ معهم دائماً. قبَّلتُها وعانقتُها طويلاً ونظرتُ إلى شقيقتي بعينين تطفحانِ دمعاً. كانتْ غارقةً في نومٍ عميقٍ ترفُّ على محياها ابتسامةُ جذلى. كان بودّي أن أعانقّها... لكن أمِّي مَنَعَتني بإشارةٍ رقيقةٍ من يدها.. ومضيتُ وانضممت إلى أترابي وكأنَّني باشقٌ اشتعلُ حماسةً وشجاعةً وإقداماً. وقُبَيْلَ العشاءِ عدْتُ إلى المنزلِ، أحلِّقُ على أجنحةِ الأملِ لأحكي لأمِّي عن معاركنا.. من بعيدٍ رأيتُ منزلَنا وقدْ تحوَّلَ إلى ركامٍ. أخرجوا أمِّي وشقيقتي من بين الأنقاضِ. ولم يسمحوا لي بتوديعهما إلى مثواهما الأخير. ومنذ ذلك اليوم أعيشُ في هذا الملجأ، أتابع فيه دراستي، أستمدُّ قوتي من وصيةِ والدي وكلماتِ أمّي التي تلازمني في يقظتي ومنامي.

ÐÐÐ


 

 

أحلام أحمد وعيسى

 

جاءني اليوْمَ عمِّي ناصر إلى الدارِ. لمْ أرَهُ مِنْذُ زمنٍ بعيدٍ. أظنُّ أنَّني رأيتُهُ آخرَ مرَّةٍ وأنا في الصفِّ الأولِ. انتظرتُهُ طويلاً بشوْقٍ فلمْ يأتِ. سألتُ عنهُ فقالَ لي أبي رحِمَهُ اللهُ: (عمُّكَ يا بنيَ مُعْتَقَلٌ في سجونِ العدوِّ الصهيوني..) كنْتُ أذكرُهُ كثيراً.. وأذكُرُ أغانيه، يعزفُها لي على العودِ وأمِّي تُصَفِّقُ لـه تَصْفيقاً خفيفاً وتميلُ برأسِها طَرَباً وسروراً بعيونٍ طافِحَةِ بالفَرَحِ.

عادَ عمي بعدَ غيابٍ طَويلٍ ليجدَني في دارِ أبناءِ الشُّهداء. ضَمَّني عمي ناصر وبكى طَويلاً بصَمْتٍ. كنتُ أشْعُرُ بدموعِهِ تَنْهالُ على شعري وتَنْحَدِرُ على عُنُقي. حاولتُ أنْ أتَحَرَّرُ من بين يَديه لأنْظُرَ إلى عينيه لكنَّني لمْ أُفْلِحْ. ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ وقالَ لي بكلماتٍ هادئة: (هيَّا يا أحمد.. سنعيشُ معاً.. أنا وأنت.. سنكونُ صديقين وحبيبين..) لم أجِبْه. نَظَرْتُ طويلاً إلى ساعدِهِ المبْتورَةِ.. إنََّها يدُه اليُمنى التي يَمْسِكُ بها ريشَةَ العودِ ويعزِفُ بها. سألتُ نفسي: (هل تَحْتاجُ إليَّ يا عمي؟!) آهٍ ما أصعبَ الإجابَةَ عن هذا السؤالِ. هلْ أستطيعُ أنْ أحكي لكَ يا عمي عن صديقي عيسى في هذه اللَّحَظاتِ الحميمةِ؟؟ كِلانا في الصفِّ الخامسِ. لقدْ أرسَلَهُ اللهُ إليّ ليكونَ تَوْءَمَ روحي. عندما يَتَحَدَّثُ عيسى عن آلامِه، أشْعُرُ أنَّهُ يتحدثُ بقلبي وروحي.. وعندما يَحْكي لي عن أحلامِهِ، أشْعُرُ أنِّي أقودُ جَيْشاً كبيراً، يَهُبُّ من مكانٍ إلى آخرَ، ليُحَقِقَ العدْلَ والمساواة. آهٍ يا عمي.. لقَدْ زَرَعْنا بأَحْلامِنا العالمَ كلَّهُ وجَعَلْناهُ روضةً كبيرةً واسعةً ليكونَ جَنَّةً لكلِّ طفلٍ ذاقَ طَعْمَ القَهْرِ والظلمِ والحِرْمان واليُتْمِ والمرارةِ. يا عمِّي منصور! أنا وصديقي ندْرُسُ ونَجْتَهدُ طوالَ النهارِ، وفي المساءِ نمضي مع أحلامِنا نَحْرُثُ ونزْرَع ونسقي رياضَ أحلامِنا، ونَقْطِفُ ما لذَّ وطاب من الثمار؛ نوزعها على الفقراء والمحرومين والمساكين من أطفالِ هذه الدنيا. هي أحلامٌ يا عمي. نَعَمْ أحْلامٌ.. سنقاتلُ بها أوهامَ الصهاينة الأشرار. بالأمْسِ حدَّثَنا الأُسْتاذُ ماجد عن أوهامِ الصهاينة الأشرار. سألتُه أنْ يَشْرَحَ لنا هذه الكلمةَ بأسلوبٍ بَسيطٍ فقالَ: (الأوهامُ ـ هي أطماعُ الأشرارِ.. الأطماعُ المُسْتحيلَةُ ـ هي التي نُسَميها أوهاماً..) ونَبَّهنا الأستاذُ ماجد قائلاًُ: (يا أحبائي.. نحنُ العرب سنحرِقُ أوهامَ الصهيونيةِ بشجاعتنا وتَضْحياتِنا من أجْلِ الإنسانية جَمْعاء) ونحن يا عمي ناصر.. نطيرُ كغيومٍ ونحلِّقُ فوقَ السهولِ والجِبالِ والوِدْيان، حينَ نَسْتَمِعُ إلى أستاذِنا ماجد. لوْ تعرفُ يا عمي ناصر، كَمْ أنا فَرِحٌ بكَ.. عندما اقتَرَبْتَ منِّي، غَمَرَتْني رائحةُ أبي فَتَبَخَّرَتْ آلمي وأحزاني، وغرَّدَتْ روحي. ولَوْلا شوقي إلى أبي وأمي لغَرِقْتُ في نوْمٍ عَميقٍ وَطُفْتُ بِقاعَ الدنيا مع ملكِ الأحلامِ وأنا بين ذراعيكَ. كنتُ أتَمنى أنْ أغوصَ في عينيكَ وهُما طافحتانِ بدموعِ الشَّوْقِ والحُزْنِ والأَلمِ، في لحظةٍ تَرْقُصُ فيها الأفراحُ على أنغامِ نَبَضاتِ قلوبِ الأحِبَّةِ. كنتُ أظنُّكَ أقربَ النَّاسِ إليَّ؛ حتى أقربَ من أبي وأمي، عندما كنت تزورنا لتلعب معي وتُغَنِّي وترقُصَ لي. وأحزَنُ وأغْضَبُ عندما كنت تُغادرَنا.. وكنتُ أتَمَنّى أنْ تأخذَني معكَ إلى حيثُ أنتَ ذاهبٌ.. لقدْ أَحْبَبْتُكَ أكثرَ من والدي ووالدتي.. وأُحِبُّكَ الآنَ أكثَرَ. قَطَعَ اللهُ من بَتَرَ ساعدَك وحَرَمَكَ من العَزْفِ على عودِكَ الغالي. أينَ عودُكَ الآنَ يا عمِّي ناصر؟؟ أذْكُرُ أنَّهُ كان مُعَلَّقاً على الجِّدارِ يُزَيِّنُ مَنْزِلنا الذي أصْبَحَ كَوْمَةً من  الأنْقاضِ على يَدِ الصهاينةِ الأشرارَ. وكمْ أتَمنَّى أنْ أمضي معكَ الآنَ إلى حيثُ تشاءُ، لأكونَ خادِمكَ الأمينَ وصَديقَك الحَميمَ ورفيقَكَ الوفيَّ... ولكنْ، كيفَ أتركُ صَديقي وحَبيبي ورفيقَ أحلامي عيسى، وَحيداً في الدَّارِ؟؟ لا، لنْ يكونَ وحيداً.. فهو مَحْبوبٌ جداً من زُملائه وأصْدِقائه جميعاً، في الدَّارِ.. لكنَّنا تعاهَدْنا على أنْ نكونَ روحاً وقلبْا ويداً واحدة.. نبني ونزْرَعُ ونَجني معاً.. ولنْ يُفَرِّقَنا إلاَّ الموتُ. قَبَّلَني عمي في جَبْهَتي وقال مُوَدِّعا:

ـ سأزورُكُم دائماً!

وابتسم لي بألَمٍ وقالَ بأسى:

ـ سأتزَوَّجُ يا أحمد. وأريدُكَ أن تكونَ إلى جانبي.

قَفَزْتُ مُعَبِّراً عن بَهْجَتي هاتِفا: (ألفُ.. ألفُ مَبْروك يا عمِّي!!) وقَبَّلتُ عمِّي مُهَنِّئا مُتَمَنِّيا لَهُ التَّوفيق والنَّجَاحَ. وقَبْلَ أنْ يَمْضي، انحنى وتناولَ كيسا كانَ إلى جانبِه وهوَ يقولُ: (هذا لكُمْ جَميعا) ثُمَّ صافَحَني ومَضى. نادَيْتُه: (عمي! أرجوكَ أن تُسَمِّي أوَّلَ ابن لك عيسى على اسم صديقي) رَفَعَ يدَهُ تَعْبيراً عنْ عَدَمِ موافَقَتِه. اقتَرَبَ منِّي ثانيةً وهَمَسَ بأُذُني: (أتَمَنى أنْ يكونَ ابني صديقاً لأحمدَ وعيسى.. لكما معاً.. سأسمِّي ابني على اسمِ أبيكَ (عمر) ليكونَ أحمدُ وعيسى وعُمَرٌ روحاً وقلباً ويَداً واحدةً، يَزْرَعونَ ويبنونَ أحْلامَنا.. أحْلامَ أُمَّتِنا العربيةِ.

I I

.. وأنا ابن شهيد

 

بعد أن ودَّعت عمي، عدتُ إلى باحة الدارِ. كان صديقي عيسى جالساً إلى مقعدٍ خشبي قديمٍ، يرسُم منظراً طبيعياً. راقبتُه طويلاًُ، حتَّى كَفَّ عن الرسمِ. نظرَ إليَّ كأنَّه يسألني عن رأيي باللوحة. وحين قرأ إعجابي بلوحته اطمأن. قال لي: (انظرْ ـ وأشارَ إلى اللوحة ـ إلى هذا المرجِ الأخضرِ الذي تحيطُهُ الأشجارُ. سأرسُمُ طفلين ـ أنا وأنتَ ـ يلعبانِ... فجأةً تخترقُ الدباباتُ الصهيونيةُ المرجَ، تحرقُ وتدمرُ ما حولها فماذا نَفْعلُ، أنا وأنت؟) قلتُ بحماسةٍ ودون تردُّدٍ: (سنقاتلُ). نظرْنا فإذا بالأستاذِ ماجد يقفُ إلى جانبنا منْ غيرِ أنْ نشعرَ. نهضنا احتراماً، لكنَّهُ سلَّمَ علينا كما يسلمُ الآباءُ على أبنائهم. جلسَ معنا ودَعانا إلى الجلوسِ. قالَ كمنْ يعتذِرُ: (لا تستغربا... فأنا أزورُ الدارَ كثيراً.. وأحياناً عندما تكونون نياماً) سألته: (وماذا تفعلُ يا أستاذُ؟) شعرتُ أنني أوجِّهُ سؤالاً خشناً قاسياً لرجلٍ نرى فيه أمَّاً وأباً وصديقاً. تمنيتُ أنْ لا يجيبَ عن هذا السؤالِ الذي يفتقرُ إلى الأدبِ واللَّباقَةِ... أخذَ الأستاذُ ماجد يحكُّ رأسَهُ بسبابته وينظرُ إلينا وعيناهُ تَنْضَحان ودّاً غزيراً وهو يبْحَثُ عنْ جوابٍ مناسبٍ مقنع، ثم قالَ ببساطةٍ: (هذا بيتي أيضاً. ألا تعرفون أنني أنا أيضاً ابن شهيدٍ؟؟ ونحنُ إخوةٌ.. لكنَّني الآنَ بمقامِ والدِكم)... ثم أشارَ الأستاذُ إلى ساقِهِ: (في هذه الساق أربعُ رصاصاتٍ وفي هذه الساق رصاصتان، وهنا ـ وأشارَ إلى خاصرته اليمنى ـ دخلتْ رصاصتان وخرجتا. أربع مرات كدتُ ألتحقُ بموكبِ الشهداءِ. لكنْ لمْ تُكْتَبُ لي الشهادةُ لأتعرَّفَ إليكم...) ثم صَمَتَ برهةً وهو ينظرُ إلينا وقال: (... في النهاية.. كلُّنا شهداءٌ حتَّى نحققَ النصرَ الكامِلَ...) ... صمتَ وهو يحدِّقُ إلينا ثم قالَ بفخرٍ: (أكرَمَنا اللهُ بالشهادة... وكلُّ منْ يقاتلُ في سبيلِ الحقِّ ـ هو شهيدٌ)... ثم تناولَ الأستاذُ ماجد اللوحةَ منْ يدِ عيسى وراحَ يتأملُها. شعرتُ أنَّهُ دخل َإلى عالم اللوحةِ التي رسمَها عيسى.. واختفى بين أشجارِها وظهرَ ثانيةً يتجوَّلُ من مكان إلى آخرَ. تنهَّدَ بعمْقٍ وقالَ: (كنّا نعيشُ في قريةٍ خضراءَ كأنَّها جنَّةٌ من جنان الله... أذكرُ أنِّي كنتُ مع جدي (لأمي) وأبي نقطِفُ الرمَّانَ من بستاننا. كان جدي وأبي يقطفانِ الرمانَ وأنا ألعبُ مع خروفٍ أبيضَ كان ينطحني ويرميني أرضاً... ثم يدورُ حولي كأنَّهُ يدعوني إلى منازلته.. فأحملُ عوداً وأطارده.. يبتعدُ عني وينظرُ إلي كأنَّهُ يتحداني أن ألحقَ به. وكانتْ أمُّه النعجةُ تثغو بين الفينةِ والأخرى كأنَّها كانتْ تُحَذِّرُهُ من إيذائي. وعندما كان يتعبُ، يستلقي في الظلِّ... فأقتربُ منه وأستلقي إلى جانبه وأضعُ رأسي على ظهرِه الصوفي الناعمِ... نغفو معاً... وكنَّا نحلمُ معاً... ونلعبُ في الأحلامِ معاً، ونمضي إلى أماكنَ بعيدة... كلَّ يوم نزورُ مكاناً جديداً. كنتُ أتصورُ أني سأعيشُ عمري كلَّهُ مع خروفي وأمِّهِ التي ستلدُ لنا خرفانا ًكثيرة، فيصبحُ لدينا قطيعٌ كبيرٌ من الخرفان.. أرعاها وأدورُ بها من مرجٍ إلى مرجٍ، ومن جدولٍ إلى جدول.

كان أبي دائمَ الاستماعِ للمذياع. وذاتَ يومٍ بينما كنَّا نستعدُ لتناولِ الغداء ونحنُ في البستان، التصَقَ والدي بالمذياع وطالَ استماعُه. كنتُ أراقبُ وجههُ وعينيهِ وكأنَّهما غيومٌ في وجهِ رياحٍ عاصفةٍ.. ثم نهضَ أبي وراحَ يرقصُ ويهتفُ: (الله أكبرُ! يا الله يا الله! النصر! يا الله.. النصر!) ثم اقتربَ منِّي وهزَّني بعنف: (الحربُ.... قامتْ الحربُ يا ماجدُ.... لقدْ هبَّ العربُ لاستعادة حقوقِهم من الصهاينةِ الأشرارِ....) استيقظتُ في الصباحِ ولمْ أجدْ والدي.... ومضيتُ إلى البستان مع جدِّي... لا أدري، لماذا لم أسألْ عن أبي. كنتُ أنظرُ إلى عيني جدِّي وأراقبُ حركاته وأنا أتساءل: أين هو والدي الآنَ؟؟. لمْ يعدْ جدي ينامُ باكراً كعادته بعدَ صلاة العشاء. كان يشربُ الشايَ ويستمعُ إلى المذياعِ مع والدتي... وكانت أشدَّنا فرحاً، رغم غيابِ أبي. عرفتُ بعد ذلك أن أبي يحاربُ الصهاينة... في الجبهةِ. وكانتْ أمي ترافقنا أحياناً إلى البستان وهي تحمل أخي الرضيع، تَضَعُهُ تحت ظلِّ شجرةٍ، لتساعدَ جدِّي في أعمالِ البستان. لم أعدْ ألعب مع خروفي إلا نادراً (وحتى الآن عندما أرى خروفاً صغيراً، أطيرُ فرحاً، لكنَّ قلبي يذوبُ حزناً وأسى) كان جدي يزدادُ حيويَةً ونشاطاً، يوماً بعد يومٍ وهو يستمعُ إلى المذياعِ ويحمدُ الله بصوتٍ عالٍ كمنْ كان يبشِّرِني بانتصاراتِ العربِ في الحربِ على الصهاينة الأشرار. لمْ يتجاوزْ عمري في تلك الأيامِ ست سنوات. لم يعدْ والدي من الحرب. ومع بداية العامِ الدراسي جاءَ بي جدي إلى هذه المدرسة. كنتُ أدرسُ في الشتاءِ وأسافرُ في الصيفِ أساعدُ جدي وأمي في أعمالِ البستان.... وعرفتُ بعد مدة أنَّ والدي كان من شهداء حرب تشرين التحريرية التي حقَّقَ فيها العرب انتصارات عظيمة على الصهاينة الأشرار. نظر الأستاذُ ماجد إلى ساعته.. ثم هبَّ واقفاً معتذراً:

ـ حان وقت عشائكم... سنلتقي غداً للحديثِ عن حربِ تشرين التحريرية التي هزَّتْ الكيانَ الصهيوني وكادتْ تُحَقِّقُ النصرَ الأكبَرَ للعربِ.. لولا.....

ثمَّ تَنَهَّدَ بألمٍ وأسى مودعاً دون أن يكمِلَ جملتَهُ الأخيرةَ.

 

&&&

 

رسالة إلى خالتي

 

استلمَ صديقي عيسى رسالةً،عرفتُ أنَّها من خالتهِ في الولايات المتحدة الأمريكية.. وتابعتُهُ وهو يقرؤها غير مرةٍ.... كان يقرؤها ويتأملُ الرسالةَ طويلاً، ثم يسرحُ بأفكارهِ في الأفُقِ البعيدِ.. لمْ أعرِفْ ما إذا كانَ صديقي حزيناً أمْ سعيداً بهذه الرسالةِ. ولمْ أسألْهُ عن مضمونِها خَوْفاً من إحراجه أو جَرْحِ مشاعرِهُ. ثم اختفَتِ الرسالةُ من بين يديه أكثرَ من أسبوعٍ، ظَنَنْتُ أنَّهُ مزَّقَها أو خبَّأها. وكدْتُ أنْساها لو لمْ يقترِبْ منِّي عَصْرَ هذا اليومِ، ليقدِّمَ لي رسالةً، عَرَفْتُ أنَّ عيسى كتبَها إلى خالتِهِ، ويطْلُبُ مني أنْ أُبْدي رأيي فيها. أخذتُ الرسالةَ وأنا أنظرُ إلى عينيه. شَعرتُ أنَّهُ يُعطيني أغلى ما يَمْلُك.. ثم ابتعدَ صاحبي عني.. بدأتُ أقرأ الرسالةَ باهتمام وأتابع سطورَها بشغفٍ:

خالتي الحبيبة!

أدامكِ اللهُ ورعاكِ!

قرأتُ رسالتَكِ غيرَ مرةْ.. وغفوْتُ وهيَ على صَدْري، كما كنتُ أغفو على صدرِك أحياناً...فأخذَني ملكُ الأحلامِ على أجنحتِهِ الرحبْةِ الواسعةِ، وطفْتُ مَعَهُ في كلِّ مكانٍ زرْناه معاً... ثم جَلَسْنا في مرْجٍ أخضْرَ يَطْفَحُ بالورود ويعبقُ بالشَّذا، كأنَّنا كنَّا في بستاننا الحبيبِ، الذي سَرَقَهُ منَّا الصهاينةُ الأشرار. من بعيدٍ رأيتُ القَمَرَ بدراً كبُرْتُقالةٍ كبيرةٍ، يَسْتَرِقُ النظَرَ إلينا من بينِ الأغْصانِ، لينْصُتَ إلى أحاديثنا. كان جدِّي رَحِمَهُ الله، يعشقُ البدرَ. كان يناديني ويسألني مشيراً إلى البدْرِ: (هل رأيتَ البدرَ راقِصاً يا عيسى؟) ثمَّ يَضُمُّ رأسي إلى رأسِهِ، ويميلُ بي يُمْنةً ويُسْرَةً ونحنُ ننظُرُ إلى البَدْرُ يَتَراقَصُ بين الأغصانِ... ويسألُني: (هل تسمعُ غناءَ القَمَرِ؟).. فأجيبُهُ بسذاجَةٍ: (لا! فيَضُمُّ رأسَهُ إلى رأسي ويقولُ لي: (انصتْ) فأصغي.. فلا أسمعُ إلاَّ وشوشاتٍ تأتيني من بعيدٍ، تُدَغْدِغُ صَدْري وتُداعِبُ سَمْعي.

منذُ أيامٍ شاهدتُ نفسي في الحُلْمِ أَتَوَسَّدُ البدْرَ كأنَّهُ كُرَةٌ كبيرةٌ أتَّكِئُ عليها. كان البدرُ ليِّناً طَرِيَّاً ودافئا، يَعْبَقُ برائحةٍ منعِشَةٍ. يقولُ العلماءُ إنَّ القمرِ صحارى وجبالٌ، ليسَ فيها حياةٌ، فكيفَ جَعَلَهُ ملكُ الأحلامِ طريَّا، ليِّنا دافئا ومُنْعِشا على هذهِ الصُّورة السَّاحرَة؟؟ آهٍ يا ملكَ الأحلامِ وأنتَ تُهْديني أَجْمَلَ ما أتَمَنَّاه.. ليتَني أستطيعُ تَقْديمَ هذا البدرِ السَّاحِرِ إلى جدِّي. سأحمِلُهُ على كَتِفي ـ هكّذا فكَّرْتُ في الحُلُمِ ـ كما أحملُ البَطِّيخةَ، إلاََّ أنَّهُ كانَ كبيراً جداً، بحَجْمِ عَشْرِ بطيخاتٍ. لكنَّني حملتُهُ.. كان خفيفاً جدَّاً. رُبَّما كانَ هو الذي يَحْملُني ويطوفُ بي، ويبْحَثُ معي عنْ جدِّي. كانَ قلبْي يُناجي ويهتِفُ: (يا مَلِكُ أحلامي جِدْ لي جدِّي.. فأنتَ أشْطَرُ من خاتمِ سُليمانَ بألفِ مرَّة ومَرَّة...) رأيتُ جدي.. وكأنَّه كانَ يبحثُ عنِّي وعنْ والدي وأمِّي. كان حزيناً قَلِقاً. تَصَوَري يا خالتي، لمْ أرَ جدِّي حزيناً قطْ. كانتْ بَسْمَتُهُ أجْمَلَ منِ البدرِ التَّمام ِنَفْْسِهِ، وضِحْكَتُهُ أحلى من أنغامِ العصافيرِ وهَمْسِ الجَّداوِلِ. لمْ أرَهُ حَزيناً حتَّى عندما شاهَدَ الجُّنودَ الصَّهاينَةَ يحْرِقونَ بُسْتانَنا ويُدَمِّرونَ مَنْزِلَنا ويَغْتالونَ أبي أمامَ عينيه. لأنَّ أبي قَتَلَ مُسْتوطِنا صَهْيونياً تَسَلَّلَ إلى بُسْتاننا في ليلةٍ ظَلْماءَ، معَ لصوصٍ آخرين. وبعدَ مَعْرَكَةٍ طويلةٍ أُصيبَتْ أمي بطَلْقٍ ناري وارْتَمَتْ على الأرضِ، وكُنْتُ إلى جانبها. نَظَرَتْ إليَّ ومَسَحَتْ وجْهي بكفِّها المُدَمَّى وأغْمَضَتْ عينيها إلى الأبَد. في ليلة واحدة فَقَدْتُ أمي وأبي.. ولمْ أرَ جدِّي حزينا، وهو يرى ابنَهُ الوحيدَ قتيلا، إلى جانبِ أمي. قالَ لي جُمْلَةً واحدةً: (اسْتَشْهَدَ والدُكَ وأمُّكَ دفاعاً عن الأرضِ) فَكَفَفْتُ عنِ البُكاء وأنا أرى أبي وأمي مُعَفَّرينِ بالتُّرابِ، مَضَرَّجَين بالدِّماءِ... كأنَّ اللهَ أدْخَلَ السَّكينةَ إلى نفسي وصوَّرَ لي أبي وأمي ملاكين ترافِقُهُما العَذْراءُ عليها السَّلامُ، إلى جنانِ الخُلْدِ.. لكنَّ قلبي لنْ يَكُفَّ عن البُكاءِ، ألَماً وحُزْناً على أمي وأبي الحبيبين. كان جدِّي كلَّما يزورني في الدَّار يقولُ لي: (أمُّكَ وأبوكَ يُقْرِئانك السَّلامَ يا عيسى) فأراهما أمامي كما كنتُ أراهما يَعْمَلان معاً في البستان، وأعيشُ مَعَهُما لحظاتٍ قصيرةً فأشْعُرُ أنَّي أتَعَمَّدُ برائحتِهما الزَّكية، فأغدو غيمةً تُعانقُ بقَطْرِها الورودَ والأغصانَ والمروجَ. ويُوَدِّعني جدِّي وأنا أرى البدر يَتَمايَلُ فوقَ وجْهِهِ.. لكنَّني رأيتُهُ بالأمْسِ حزيناً في الحُلُمِ، يَبْحَثُ عن والدي وأمي. ربَّما لأنَّني لم أحْصَلْ على الدَّرَجَةِ التَّامَة في مادةِ الرياضياتِ؟ كنْتُ مريضاً ولمْ أَدْرُسْ قبْلَ الاختبارِ... رُبَّما كان حزيناً عليَّ.. لأنَّني كنتُ مريضاً؟ لا أدري!

خالتي الحبيبة! أذْكُرُ أنَّكِ سافرْتِ إلى أمريكا وأنا في الصفِّ الأوَّلِ. وأذْكُرُ أنَّنا كنَّا في العُطْلَةِ الإنْتصافيةِ حين سَطا اللُّصوصُ الصهاينةُ على بُسْتانِنا وقتلوا أمي وأبي. ومنذُ أمسِ ذلكَ الحين لمْ أسمعْ عنْك خبرا. كيفَ اهتَدَيْتِ إلى عنواني؟؟ وكيفَ عرَفْتِ مكاني؟؟ أعيشُ الآنَ في دارِ أبناءِ الشُّهداء.. وأنا في الصفِّ الخامِسِ، وعندي العديدُ من الأصدقاءِ والأخوةِ.. ومِنْهُمْ صديقي وأخي الحبيبُ أحمدُ مهيار وياسر...

خالتي الحبيبة، أرجوكِ.. لا تحاولي أخْذي إلى أمريكا‍ فهلْ أستطيعُ العيشَ في بَلَدٍ يُساعدُ حُكَّامُهُ اللصوصَ الصهاينةَ، الذين قتلوا أبي وأمي، وسرقوا أرضي؟‍ بالأمْسِ كَتَبَ الأستاذُ ماجد هذه العبارة على السُّبورَة:

((أنا سَمَكَةٌ.. لا تعيشُ إلاَّ في الماءِ‍))

وطَلَبَ منَّا أنْ نُعَلِقَ على هذه العبارةِ.. وأنا يا خالتي طيرٌ لا يعيشُ إلاَّ في فضاء بلادِهِ!

 

+ , *

 

 

 

 

 

 

 

ذكريات الجدة

قالَ لنا الأستاذُ ماجد قبلَ أن يودِّعنا: (أنتمْ مدعوون غداً إلى حَفْلِ عيدِ ميلاد.. سنَنْطَلِقُ بعدَ انتهاءِ الدُّروسِ مباشرة). فكَّرنا ـ أنا وصديقي عيسى: (إذنْ علينا أن نقدِّمَ هديةً، مَهْما كانتْ هذه الهديةُ متواضعةً، لأُستاذِنا وصديقنا الحبيب ماجد) قال لي عيسى: (ليس لدينا إمكانيةٌ إلا أن نرْسُمَ له لوحةً نقدِّمُها إليه... فهو يحبُّ الرَّسمَ كثيراً) ثم بدأنا نفكِّرُ باللوحةِ التي سنرسُمها... وفكَّرْنا طويلاً ولم نهتدِ إلى ما نريدُ. وأخيراً قالْ لي عيسى: (ما رأيُكَ في أنْ نَرْسُمَ مقاتلاً غاضباً، يطاردُ شارونَ ـ ينظرُ إلى الخلفِ وهو يَتَمَزَّقُ خوفاً وهلعاً) أعجبتْني الفكرةُ.. وعيسى ماهرُ في الرَّسمِ. وأعجبتني اللوحةُ بعد التنفيذِ. وتمنيتُ أنْ تكونَ لديَّ لوحةٌ مثلها.

قالْ لي عيسى وكأنَّه قرأ ما أتمناهُ في عينيَّ: (سأرسُمُ لك لوحة مثلها.. لكنَّني آملُ أنْ ترسمَ أنت لوحةً تعبِّرُ عن الفكرةِ نفسِها).

قلتُ لـه: (لا أستطيعُ) فذكَّرَني ببيتين من الشعرِ:

لا تقلْ لا أستطيع

لا تقلْ هذا محال

كيف ترضى أن تضيع

كغريق في الرمال!

قلتُ له: (ظهرتْ لديَّ فكرةٌ أنْ نرسمَ عدداً من أطفالِ العالم وهم يرجمون شارون، عقابا لهُ على جرائمه الوحشية) فقالَ لي مشجعاً: (إنَّها فكرةٌ رائعةٌ... لكنَّها ستكونُ أروعَ بعدَ التنفيذِ) ولمْ ننمْ حتَّى أنهينا اللوْحتين. لم تعجبْني لوحتي.. لكنَّ عيسى فَرِحَ بها جداً... وقالَ لي: (أنتَ فنانٌ... لكنَّكَ لا تدري) وسألني: (لماذا ثقتُكَ ضعيفةٌ بما ترسم؟) لمْ أجدْ جواباً على سؤاله، على الرغم من أنَّهُ نَظَرَ إليَّ طويلاً ينتظرُ مني جواباً ما على سؤاله.

في اليوم التالي انطلقنا معَ الأستاذِ ماجد. وصلنا إلى منزلٍ قديم، كنَّا عشرة أطفال. فتحتْ لنا البابَ عجوزٌ طاعنةٌ في السنِّ... نحيفةٌ، متماسكةٌ في وقفتها. رحبّتْ بنا وقبَّلَتْنا جميعاً... ثمَّ عانقها الأستاذُ. دخلنا جميعاً إلى غرفةٍ واسعةٍ وجلسنا حولَ طاولةٍ مستديرة. سألَنا الأستاذُ: (هل عرفتم الجدة؟) أجاب عيسى بسرعة (نَظُنُّ أنَّها والدتُك). تبسَّمَ الأستاذُ وقالَ: (إنها جدتي الحاجة أمُّ بشَّار) فنظرْنا إليها جميعاً بدهشة وإعجابٍ، إذ لا يبدو عليها أنَّها كبيرةٌ جداً. سألنا الأستاذُ (... من يحزر، كمْ عمرها؟؟) صَمَتْنا جميعاً والجدةُ تنظرُ إلينا كأنَّها تنتظرُ جواباً مناسباً. وبعدَ أنْ طالَ صمتُنا أجابَ الأستاذُ عن السؤال بنفسِه عمرها أكثر من مئة سنة) ففاضت عيوننا بالدهشة والعجب، احتجت الجدة بلهجة مقدسية واضحة: (لا يا حبيبي ماجد.... لم أبلغْ التسعينَ بعد) عندئذ سألها الأستاذُ مازحاً (هل تحسبينَ عمرَك بالسنةِ القمرية أم بالسنة الميلادية؟). لم تجبْ الجدَّةُ. كانتْ تنظرُ إليه بودٍّ وحبٍّ غامرين، ثم توجَّهَ إلينا الأستاذُ وقال: (كان زوجُها ـ جدي ـ من مرافقي عزِّ الدين القسَّام ـ إمام المجاهدين. لو سألناكمْ سؤالاً: أينَ وُلِدَ الشهيدُ عزُّ الدين القسَّام، رحمه الله وطيّب ثراه؟) وعجزنا جميعاً عن الإجابة... فأجابَ الأستاذُ عنا: (وُلد الشهيد القسام في مدينة جبلة التابعة لمحافظة اللاذقية السورية عام 1880... وكان في طليعة المجاهدين الذين قاتلوا الاستعمار البريطاني والصهاينة في فلسطين... واستُشْهِدَ البطلُ عزُّ الدينِ القسَّام في عام 1935 في معركةٍ قُرْبَ جنين تسمى (أحراش يَعْبَد) في العشرين من تشرين الثاني... واستشهدَ إلى جانبه الشيخُ الحنفي من أرضِ الكِنانة وأخرون من أقطارِ عربية أُخرى، هبوا للدِّفاعِ عنْ فلسطينَ وأرضِ العربِ.... ثم أشارَ الأستاذُ إلى صورةٍِ قديمةٍ معلَّقَةٍ على الجدارِ... وَدَعانا للاقترابِ منها؛ فاقتربنا وبدأنا ننظرُ إلى فارس يمتطي حصاناً عربياً والسيفُ إلى جانبه الأيسَرِ؛ والبندقية إلى جانبه الأيمن. رأيتُ الفارسَ ينظرُ إلينا مُبْتَسماً كأنَّه يُرَحِّبُ بنا. لكنَّني شعرتُ بأنَّ عينيه باشقان يبحثان في الفضاءِ عن صيدٍ ثمين. وأخبَرَنا الأستاذُ: (هذا جدي. زوجُها). وأشارَ إلى جدَّتِه. ثمَّ انتقلنا إلى صورةٍ ثانية لامرأة شابةٍ ليخبرَنا الأستاذُ: (هذه هي جدتي في شبابِها... وسنحتفلُ اليومَ بعيدِ ميلادها) ثم عانقها وقبَّلَها مهنئاً. وعدْنا إلى الجلوسِ. كانتْ الجدَّة قد وضعتْ إبريقَ الشاي على الطاولة وإلى جانبه صحنٌ كبيرٌ طافحٌ بالكعك. لمْ تنقطعِ الجدةٌ عنِ الترحيبِ بنا. وكنتُ أتأمَّلُ حركاتها وهي تصبُّ الشايَ... وتقدم الكعكَ لنا. لم نعرفْ عُمْرَ الجدةِ، لكنَّها كانتْ متماسكة في حركاتها وحديثها. قالَ لها الأستاذُ: (يودُّ الأطفالُ أن تحكي لهم عن عزِّ الدين القسَّام... وعنْ جدِّي...) تنهدتْ بعُمْقٍ وسحبتْ نَفَساً عميقاً وهي تقولُ: (ذكرياتٌ أصبحتْ بعيدةً. أرى الآنَ أطفالنا ـ طيورَ الجنَّةِ... رجالَ المستقبلِ... منذُ فتحتُ عينيَّ على الحياةِ ونحنُ نقاتلُ الإنكليزَ والصهاينة. رحمه الله أبو بَشَّار ـ زوجي... جاءني في الليلِ ـ بعد منتصف الليل بكثير.. كان يوماً ممطراً.. نظرتُ إلى عينيهِ؛ كانتا حمراوين.. يَشْتَعِلُ غَضَبا وحُزْناً، سألته ما بك يا (بو بشَّار) خيراً؟.. فقالَ لي والغَصَّةُ تحرِقُ صدرَهُ: لقد استشهدَ القسَّامُ. ثم بكى طويلاً. ولم يخرجْ إلاَّ في اليوم التالي. وكانَ عندي سبعة أطفال.. قبّلَهُمْ جميعاً كعادته.. وخرجَ ولمْ أرَه ثانية.

ù ø ú

وعْكَةٌ صحيةٌ

عُدْنا إلى دارِ أبناء الشهداءِ، لكنَّ الجَدَّةَ أُمَّ بَشَّار، ظَلَّتْ تطوفُ في فضاءِ روحي، وتسيرُ إلى جانبي، في كثيرٍ من الأحيان، وتجلسُ قُرْبي عندما أحَضِّرُ دروسي، وتساعدُني إذا ما احتجتُ إلى مُساعدة.

يُراقبُني عيسى، ويبتسمُ عندما يَشْعرُ أني أفكِّرُ بالجدةِ أمِّ بشَّار، وأتحدثُ إليها في خيالي، وكأنَّها إلى جانبي حقيقةً. كانتْ الجدةُ أمُّ بشار قليلةَ الكلامِ، بلْ إنَّها تميلُ إلى الصمْتِ. تراقبُنا بشَغَفٍ وتسمعُنا بقلبٍ يَنْفَطرُ حُبَّاً وإعجاباً وشوقاً. في تلك اللحظات، تصورتُ أنَّ الحبَّ بحرٌ واسعٌ لا تحدُّهُ حدودٌ، والجدَّةُ بحّارٌ، يتهادى بقاربِهِ الشراعي، المزين بألوانِ قوس قزح، على أمواجِه الهادئة الحالمةِ، ويغنِّي للكائناتِ أجملَ أغانيهِ السَّاحِرَة. أمَّا أنا، فقدْ صرتُ نوْرَساً، يرافُقُ الجدةَ في رحلتها الرائعةِ تلك. أخذَني إليه أميرُ أحلامي. ودَّعَتْنا الجدة أمُّ بشار كما تودِّعُ الأمُّ أبناءَها إلى المدرسة. وَدَعَتْ لنا بالتوفيقِ والنجاحِ. ورَفَعَتْ يديْها إلى السماء تَتَضَرَّعُ إلى الله: (ربَّ لا تحرمني منهمْ يا رب)... وهأنا أفكِّرُ بها قبلَ النومِ طويلاً... وأسرحُ بأفكاري بعيداً، فأتصورُ نفسي مكانَها عندما جاءَها زوجُها أبو بشار يبكي ألماً وحزْناً على رحيلِ إمامِ المجاهدين عزُّ الدين القسَّام، بعد معركةٍ طويلةٍ قاسيةٍ ضدَّ المستعمرين. تُرى، إلى أينَ مضى في تلكَ الليلةَ الماطرةَ، بعدَ خروجه من بيته؟ وهلْ نجحَ في تحقيقِ ما خرجَ في سبيله؟؟ كيفَ ودَّعَتْ أمُّ بشار زوجَها في آخرِ لقاءٍ جمعهما؟ أسئلةٌ عديدةٌ كانتْ تحومُ حوْلَ رأسي كخليةِ نَحْلٍ. وهلْ تنتهي حكايةُ الجدَّة بيومٍ أو يومين أو ثلاثة؟ وأنا أعرفُ أنَّ الأستاذَ ماجد لن يجيبني عن هذه الأسئلة، إذا سألتُه إيَّاها. فَمِنْ أقوالِهِ المأثورةِ: (السؤالُ المناسبُ في الوقتِ المناسبِ). لكنَّهُ ينظرُ أحياناً في عيونِنا، ويميلُ برأسِه يمنةً ويسرةً وكأنَّه يَبْحَثُ عن شيءٍ في مآقينا، حتَّى يَعْثُرَ على السؤالِ، ويسْحَبُهُ كما تُسْحَبُ الشعرةُ من العجينِ، ويجيبكَ عليه من غير أن تدري. كيف أصِفُكَ يا أستاذُ ماجد؟‍ يكفيكَ فخراً أنَّكَ حفيدُ أمِّ بشَّار (زوجةُ رفيقِ عزِّ الدين القسَّام في الجهادِ). وتبدو لي أحياناً كطفلٍ، أصغرَ سناً منّا، يحتاجُ للرعايةِ والعطفِ والمحبةِ واللَّعبِ. وتارة تبدو لي حكيماً بلحيةٍ طويلةٍ بيضاءَ كالثلجِ، تتوكأُ على عصاكَ في مرجٍ أخضرَ، ترافقكَ أسرابُ العصافير جذلى، وتستقبِلُكَ الأزهارُ نشوى. وتارةً أراكَ قائداً عسكرياً تهتزُّ الأرضُ تحتَ أقدامِك الواثقةِ. وتارةً أراكَ غيمةً تبحثُ عن روضةٍ لتعانقَ براعِمها وتغْسِل عنها غبارَ التَّعبِ والأحزانِ. قالَ لي صديقي عيسى: (ما رأيكَ في أن نطلبَ من الأستاذِ ماجد أنْ يأخذنا ثانيةً إلى الجدةِ؟) كدتُ أطيرُ فرحاً لهذا الاقتراحِ... وبعد نهايةِ الحصَّة الأولى، تقدَّمْنا من الأستاذِ ماجد وسألناه أنْ يسمحَ لنا بطلَبٍ،فرد علينا مباشرةً: (الجدةُ أمُّ بشار تقرِئكمْ السلامَ جميعاً) وأشارَ بإبهامِهِ محذِّراً: (... وتذكِّركُمْ بأنَّها لا تحبُّ الكسالى) وانصرفَ قبْلَ أنْ يسمعَ كلمةً واحدةً منا. تأمَّلني عيسى طويلاً، ثمَّ صفّقَ بكفَّيْهِ صفقةً واحدةً وقال: من قالَ هذه العبارةَ: (يفْهَمُها وهي طائرةٌ أي قبلَ أنْ تَحطَّ على الأرضِ)؟. والأستاذُ ماجد (يفهمُها قبلَ أنْ تطيرَ). وفي الحصَّةِ الأولى من صباحِ اليومِ التالي، وقفَ الأستاذُ ماجد وتفحَّصَنا بنظراتٍ عميقةٍ ونحنُ جالسون على مقاعدنا. ومن عادته أن يبدأ الدرسَ مباشرةً... لكنَّه في هذه المرة نَظَرَ إلينا طويلاً كأنَّهُ كانَ يبحثُ عن كلماتٍ مناسبةٍ. كانَ يحكُّ فوْدَيْهِ وهو ينظرُ إلينا. وأخيراً ألقى علينا تحيةَ الصباحِ ثانيةً وقالَ: (أصدقائي وأحبائي، أبناءَ شهدائنا الأبرار. أنتمْ أمانةٌ في أعناقنا. ونحنُ ندرسُ كلَّ خطوةٍ، دراسة طويلة ودقيقة، للحفاظِ على حياتِكُم، قدوةً، يُضْرَبُ بها المثلُ، في الجدِّ والاجتهادِ. ومن لا يريدُ أن يكونَ قدوةً، فلا يستحقُ أنْ يكونَ ابنَ شهيدٍ. وابنُ الشهيدِ مرتبةٌ لا يرتقي إليها إلاَّ الأخيارُ الأقوياءُ الأبرارُ. فلنكنْ أوفياءَ لشهدائنا.. وفهمكُم كفايةً).

لم أستطعْ تناولَ طعام الغداء. وفي المساءِ شعرتُ بإرهاقٍ شديدٍ. لمسَ عيسى جبْهَتي وقالَ: (حرارتُكَ مُرْتَفِعَةٌ يا أحمدُ...).. قلتُ: (لا بأسَ.. سأتَحَسَّنُ.. وكما كان يقول جدي: ( شدة وتزول) لكن عيسى لم يطمئن على وضعي فهرع إلى الإدارة وأخبرها وعاد .. ثم أخذَ بيدي وسارَ بي إلى السرير.. وأجبرني على الاستلقاءِ في السرير. أغمضتُ عيني وكدتُ أغفو. سمعتُ خطوات.. ثم رأيتُ الطبيبَ. شعرت بارتفاعِ حرارةِ جسمي. ولا أذكرُ كيفَ نمتُ في تلك الليلةِ. استيقظتُ. كانتْ الساعة العاشرة صباحاً. أوَّلَ مرَّةٍ أتأخرُ فيها عنِ الحصَّةِ الأولى. يبدو أني نمتُ عميقاً، ولمْ يَقْتَرِبْ مني أحدٌ، حتَّى أمير أحلامي. لا أذكرُ من قال لي:

ـ الأحلامُ لا تقتربُ من المرضى.

وأنا أقوال:

ـ ما أتعسَ النوم بعيداً عن أميرِ أحلامي!

الطفل العجيب

دخلَ الأستاذُ ماجد إلى الصفِ برفقةِ طفلٍ ظننَّا أنَّهُ في الصفِّ الثاني أو الثالث. ألقى الأستاذُ علينا تحيةَ الصَّباحِ، ونظرَ إليَّ بعينين طافحتين بالحنان وقال: "الحمد لله على السلامة يا أحمدُ" وابتسمَ لي.. ثمَّ توجَّهَ بالحديثِ إلينا جميعاً وَيَدُهُ على كَتِفِ الطفلِ وقال: "زميلكمْ الجديدُ سامي. نرحِّبُ به جميعاً. سيكونُ أخاً وصديقا حميما لكم جميعا! "ثم دعاهُ إلى الجلوسِ، فَجَلَسَ إلى جانبي، بعدَ أنْ رَمَقَني بنظرةٍ فاحصةٍ خاطفةٍ. كانَ سامي شُعْلَةً من الذكاءِ والحيوية في الدرسِ. سَحَرَنا برشاقةِ أجوبته السريعةِ عن أسئلةِ المُعَلمِ. فرِحْنا جميعاً بسامي الذي بدا لنا أصغرَ سنَّا منَّا لكنَّهُ تَبَّينَ أنَّهُ أكبرُ عقلاً وتجربةً. وبعدَ الغداءِ، جلسنا جميعاً حوْلَ سامي. إنَّهُ هزيلٌ جداً.. لكنَّ حديثَهُ يخرجُ من صدرٍ عامرٍ بالثِّقَةِ والإيمانِ. حكى لنا أكثرَ من حكايةٍ عن معارك خاضها مع زملائه ضدَّ جنودِ الاحتلالِ الصهيوني. كان ينظرُ إلينا ليرى إذا ما كنّا نرتابُ في ما يحكيه. نهضَ وقالَ متحديا بودٍّ: "من منكم يستطيعُ مصارعتي؟". حاولَ ثلاثةٌ منَّا أن يتغلبوا على سامي،فلمْ يُفِلحْ منهم أحدٌ. ثمَّ نظرَ سامي إلينا وقالَ: "سأقفزُ الآن، فليجرب أحدكم أن يقفزَ المسافةَ التي أقفزها. حاولنا جميعاً فلم يُفْلحْ أحدٌ منَّا. لقد أقنعنا سامي بأنَّه طفلٌ عجيبٌ. سألته: "كيفَ أصبحتَ بهذه القوة؟" قال: "أحبّبْتُ الرياضةَ.. وأحبَبْتُ الجمبازَ قبلَ أنْ أدخلَ المدرسة. أحببتُ القفزَ إلى الأعلى. ثم كنت أتَدَرَّبُ على صنعِ المقاليعِ والرمي بها على مسافة بعيدة، حتَّى أصبحتُ أصيبُ الهدفَ بدقَّةٍ.

أدرَكَنا الوقتُ دون أن نشعرَ، وجاءَ وقتُ العشاءِ. جلسنا جميعاً فخورين فرحين بصديقنا الجديدِ، ننظرُ إليه بإعجابٍ وغبطةٍ، وكلٌّ منا يأمَلُ أن يتعلمَ منهُ شيئاً مفيداً. لكنَّ سامي لم يتناولْ من طعام العشاءِ إلاَّ القليل القليل. سألناهُ: "لماذا لم تأكلْ يا سامي؟ هل أنت مريضٌ؟" أجابَ بعفوية لكنْ بألمٍ: "عندما ابدأ الطعام أرى أمي أمامي؛ أنظرُ إليها، وتغمرُني رائحتها، ونادراً ما أمسكُ نفسي عن البكاءِ وأنسى كلَّ شيء حولي".. واغرورقتْ عيناهُ بالدموعِ. عندئذ شعرنا بأن وراءَ سامي تكمِنُ مشكلةٌ كبيرة. قلتُ لـه مشجعاً: "كلنا هنا نعيشُ المشكلةَ نفْسَها. لقد قتلَ الصهاينة أمَّهاتنا وآباءَنا وحرمونا منْ أجمل ما في الدنيا. فمنْ منَّا ينسى أمَّه ورائحتها ونورَ عينيها؟؟ "وكادتْ العبراتُ تغلبني، لكنَّني تماسكتُ، كأنَّني أقومُ بدورِ الأستاذِ ماجد، وشعرتُ أنني أصبحتُ كبيراً، أقومُ بعملٍ مهمٍ. عانقتُهُ وتابعتُ كلامي متماسكاً: "كلُّهُم في صدورنا وأرواحنا. كلَّ يوم تناديني أمِّي، مثلما كانتْ تناديني، قبلَ أنْ يغتالها الأشرارُ الصَّهاينةُ، وتذكِّرُني بوصاياها، وتعانقني، ثم ترفعُ يدَها إلى السماء وتدعو لي، وهي تطيرُ كحمامةٍ بيضاءَ إلى أنْ تختفي في الفضاء". نظرتُ إلى عينيه. كانتا حمراوين جافتين من الدمعِ. هلْ جفَّ الدَّمْعُ فيهما، أم كان لكلامي تأثيرٌ إيجابي على سامي؟؟

كان علينا أن نحضِّرَ واجباتنا المدرسية. فنحن ـ تلاميذ الصفِّ الخامس، نجتمعُ حين نحضِّرُ واجباتنا المدرسية؛ نساعدُ بَعْضَنا بعْضا، ونَطْمَئِنُّ على استعدادنا لليوم التالي. كانَ الإرهاقُ واضحاً على سامي. ابتعد عنَّا، ومضى إلى سريره. تبعتُهُ بعدَ لحظات. كانَ يغطُّ في نومٍ عميقٍ. عدْتُ إلى زملائي وتابعنا التحضيرَ، حتى جاءَ وقتُ النومِ، فمضينا إلى أسِرَّتنا. كان سامي يحلِّقُ في "سابع نومة"

نامَ زملائي وبقيتُ صاحياً لا يقربني النومُ، أفكِّرُ بسامي. لابدَّ أنَّ وراءه حكاية طويلة. ومَنْ منَّا ونحن في فلسطين، لا يحملُ ألفَ حكايةٍ وحكايةٍ؟! وهلْ كلُّ الحكايات متساوية؟؟ في كلِّ الحكاياتِ ينتصرُ الأبطالُ، ويموتُ الأشرارُ، ويعودُ الحقُّ لأصحابه. فاطمئن يا سامي، سننتصرُ، إن شاء الله!

استيقظتُ صباحاً. نظرتُ إلى سريرِ سامي، فلم أرَهُ في السريرِ. بحثتُ عنه في كلِّ مكان، فلم أعثرْ له على أَثَرٍ. تُرى إلى أينَ مضيتَ يا سامي؟! وهل حصلَ مكروهٌ لسامي، ولم نشعرْ به ونحن نيامٌ؟؟. انتظرنا حتى دخلَ الأستاذُ ماجد الصفَّ. وقبلَ أن يلقي علينا تحيةَ الصباحِ، بحثَ بعينيه عن سامي. سألَ برعبٍ: "أين سامي؟؟" ثم توجَّهَ بسؤاله إلي، كأنَّه يسألُ عن أمانة غالية أوْدَعَها عندي: "أينَ سامي يا أحمد؟؟" وقعَ السؤالُ في صدري كتلةً من نار. خرجَ الأستاذُ من الصفِّ غير آبِهٍٍ بجوابي.

انتظرنا طوالَ اليومِ ولمْ يعدِ الأستاذ. كانَ يوماً صعباً وثقيلاً، شعرْتُ فيه أنِّي مُكَبَّلٌ في مكانٍ مظلمٍ. كنَّا ننتظرُ بَصيصَ أملٍ يشفي نفوسَنا ويطمئننا على سامي. وجاءَ وقتُ النومِ ولمْ يعدِ الأستاذُ ليطمئننا على سامي. فقدْ كانتْ قلوبُنا كلُّها عند سامي. لا أدري كيفَ خطفني ملاكُ النومِ، وأخذَني بعيداً. رأيتُ سامياً على سفحِ جبلٍ أخضرَ، تحومُ فوقَهُ طيورٌ بديعةٌ. رآني فلوّح لي بكلتا يديه مرحِّبا. قفزَ وطارَ، يحلِّقُ فوقَ رأسي. ناديته بكلِّ ما أملكُ من قوةٍ. استيقظتُ على صوتِ عيسى وهو يهزُّني لأصحو من حُلمي.

لم يعدِ الأستاذُ ماجد إلاَّ في الساعة الثانية عشرة ظهراً. لمْ أرَه حزيناً بهذه الصورة من قبل. أيقنا أنَّ مكروها أصابَ ساميا. دعانا الأستاذُ إلى غرفةِ الصفِّ. جلسَ خلفَ طاولته وراحَ يحدِّقُ فينا بحزن. شعرتُ أن الكلمات تقفُ في حَلْقه، تأبى الخروجَ. ثمَّ قالَ بعد تفكيرٍ طويلٍ: "لا حولَ ولا قوةَ إلاَّ بالله. لقدْ وجدْنا سامي على قبْرِ أمِّهِ مُتوفى. كان سامي نابغةً. وكانَ من أشجعِ المقاتلين. وكان إذا ضربَ بمقلاعه أصابَ الهدفَ بدقةٍ... وذاتَ يومٍ طاردَهُ الجنودُ الصهاينة حتَّى دخلَ منزله، فرموه بقذيفة دبابة، فلم ينجُ من عائلته إلاَّ هو، لكنَّه أُصيب بهزَّةٍ نفسية حادةٍ. كان يصرخُ دائماً وينادي: "أمي!! أمي!" حتّى في النوم. وحين تماثلَ للشفاءِ، طلبَ أن يأخذوه إلى قبرِ أمِّه.. فأخذناه إليه. وحين رأى قبرَ أمِّه أُغْمي عليه وعادتْ إليه الأزمَةُ منْ جديدٍ. وعدنا إلى علاجه. ظننا أنَّه تماثلَ إلى الشفاءِ، وتمنينا أنْ يَجِدَ بينكمْ الأهلَ والأصدقاءَ، ليعودَ إلى الحياةِ من جديدٍ، لكنَّ الأقدارَ كانتْ أقوى منَّا بكثير". ثم تنهدَ بعمْقٍ وقالْ: "لقدِ كانَ سامي طفلاً يثير الإعجابَ في كلِّ شيء، حتَّى في حبِّه لأمه.. فلم يقوَ على العيش بعيداً عنها..."

*******

في اليومِ التالي على رحيلِ سامي، دخلَ الأستاذُ ماجد إلى الصفِّ، وقالَ لنا: "كان رحيلُ سامي (رحمه الله) أليماً علينا جميعاً. ولكنْ، علينا أن نخرجَ من الحزنِ والألمِ، ونُكَفْكِفَ دموعنا حتَّى نرى طريقَنا بوضوحٍ". ثمَّ صمتَ لحظات، وتابعَ وقدْ أشرقَ وجْهُهُ بأمَلِ ساطعٍ: "فنحن في معركةٍ، والجراحُ غزيرة وأليمةٌ. إنَّها، من أقسى معاركِ التاريخِ... والحقيقة، فقد كان رحيلُ سامي، من أقٌسى الجراحِ التي واجهتُها في حياتي". ثم كتبَ هذه العبارةَ: "تقول لنا التجاربُ: "لا تحاربْ وأنت غاضبٌ! لا تحاربْ وأنت حزينٌ باكٍ!". صديقي عيسى بقي أسيرَ حزن شديدٍ فترةً طويلةً، وكأنَّه لم يسمعْ ما قالَهُ الأستاذُ. سألني غيرَ مرَّةٍ: "هلْ تعتقد أنَّ سامي كان يحبُّ أمَّه أكثرَ منَّا؟؟". لمْ أستطعْ الإجابةَ. ولم أفكرْ بهذا السؤالِ. لكنِّي بدأتُ أفكِّرُ بهذه الأفكارِ: "هل يُمْكِنُ أنْ نقيسَ الحبَّ، أو نزينَهُ؟؟ وما هو الحبُّ؟؟ ومن أين ينبعُ هذا الحبُّ؟ وإلى أينَ يأخذنا؟؟".

أسئلةٌُ عديدةٌ، تدور حولَ الحبِّ. والسؤالُ الأهم: "هل يمكن أن يكونَ الحبُّ ضاراً". و سؤالٌ آخر: " إذا كنَّا نحافظُ في الحياةِ على كلِّ شيء غالٍ وثمينٍ، فكيفَ نحافظُ على الحبِّ، صحيحاً معافى؟! وهلْ كلُنا، يحافظُ على هذا الغالي الثَّمينِ؟ ـ وهلْ كلٌّ منَّا يصون الحبَّ، ويعطيه حقَّهُ من الرعاية؟؟" وتصورتُ أمامي شجرةً باسقةً خضراءَ، تسحرُ الألبابَ طافحةً بأينعِ الثمارِ، على شاطئ نهرٍ دافقٍ، ومرْجٍ أخضرَ بهيجٍ، تؤُمُّها العصافيرُ، من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، وتغنِّي لها النجومُ أجملَ أغانيها، ويعانقُها البدرُ ويناغيها بضيائه، كأنَّهُ ثَغْرُ والدةٍ حنون. وتصورتُ شجرةً أُخرى، قزمةً، يابسةً، في أرضٍ جرداءَ قاحلةٍ، كأنَّها شَبَحٌ مُخيفٌ، تندبُها النجومُ، وتبكي عليها الأقمارُ. وأنا أشبِّه الحبَّ بتينك الشجرتين، فحبٌّ يشبهُ الشجرة الأولى، وآخر يشبهُ (الشجرةَ) الثانية.

حاولتُ أن أقنعَ عيسى بأفكاري هذه، لأخرِجَهُ من حالةِ الحزْنِ التي ألمَّتْ به بعدَ رحيلِ سامي (رحمه اللهُ)، لكنَّهُ كانَ عنِّي في وادٍ بعيدٍ. أصبحَ عيسى يسيرُ ويأكلُ ويتحدَّثُ كإنسانٍ آليٍ. فكيفَ أُنْقذُ عيسى من هذا الحالةِ الصعبة؟؟. حتَّى الأستاذَ ماجد لمْ ينتبه إلى حالةِ عيسى. فهلْ كانَ الأستاذُ ماجد أيضاً، في حالة شبيهةٍ بحالةِ عيسى، لكنَّها لا تظهرُ عليه بوضوح.

خطرَ على بالي ذاتَ يومٍ أنْ أسألَ الأستاذَ: "كيفَ استطاعَ سامي أن يخرجَ من الدارِ ويصلَ إلى قبرِ أمِّه؟؟" لكنِّي رأيتُ هذا السؤالَ يحملُ الحزنَ والألمَ.. قلتُ لنفسي: "فكِّرْ يا أحمد بعطرٍ يعيدُ للنفوسِ أجواءَ الفرحِ! فكِّرْ بنهرٍ نسبحُ فيه، يغسلُ عنَّا غُبَارَ التعبِ والكآبةِ. ابحثْ يا أحمد في فضاءِ روحِكِ عن غيمةٍ، تحاورها، وتستمتعُ بأغانيها، وتسمِعَها أغانيك، حتَّى تطيرَ إليها، أو تهبطَ إليكَ، لتروي براعمَ الرُّوحِ العطشى. اقتربتُ من عيسى وقلتُ لـه: "أتخيَّلُ فراشةً تطيرُ أمامي، وتهمسُ في أذني: "شُبِّيكْ لُبيكْ يا أحمد! اطلبْ وتمنَّ يا أحمد!". قالَ بفضولٍ فاترٍ: "إذن ما هي المشكلةُ؟؟" وأضافَ مُداعباً: "ولا تنْسَنا!". قلتُ مازحاً: ".. وأنا في حَيْرَةٍ. فمنْ أينَ أبدأ. أشرتُ إلى غيمةٍ واسعةٍ كبيرة ملوَّنة في السماء، وقلتُ: "ما رأيكَ لو طِرْنا إلى تلكَ الغيمةِ؟؟ "سألني: "ماذا نفعلُ هناك؟؟" قلتُ مُحتجاً: "ألمثلنا يقالُ هذا الكلامً؟؟ "سألَ: "ولماذا لا يُقالُ مثلُ هذا..؟". قلتُ: "في طريقِ (الشاطر) تُزْهِرُ أعمالٌ وأعمالٌ ، وأمامَ الكسولِ تتراكم الأوحالُ". قالَ وقدْ طفحَ وجهُهُ بأريجِ التحدي!: "أرني زهرةً واحدةً من فضلك". وقبلتُ التحدي بارتياح. قلتُ: "حسنٌ. أودُّ أنْ أطيرَ إلى هذه الغيمة أسبحُ فيها؛ أرافقها في سفرها. سآخذُ معي دفتراً، أدوِّنُ فيه كلَّ همْسَةٍ، كلَّ حركةٍ. أودُّ أنْ أستمعَ إلى نبضِ قلبِها، وخَفْقِ رئتيها. أودُّ أنْ أتوِسَّلُ إليها أن تبحثَ عنكَ وتَخطِفَكَ وأنتَ نائمٌ، وتَأْخُذكَ إلى..." نظرَ إلي باحتجاجٍ ولومٍ وقالَ: "كيف تريدُ من الغيمةِ أنْ تخطفني وأنا معك ( يا شاطر؟)

???

 

لغة الغيوم

لمْ ينسَ عيسى حكايةَ طيرانهِ إلى الغيومِ. كانَ يحدِّثُني عنْها بينَ الفينةِ والأُخرى، ويسألُني أسئلةً لا أستطيعُ الإجابةَ عنها. سألني: (لماذا لا يكونُ الطيرانُ إلى الغيومِ حقيقة؟؟). قلتُ: (الغيومُ تأتي إلينا بنفسِها، وتهطُلُ علينا غيثاً يروي الزرعَ والنفوسَ). قالَ باحتجاجٍ: (لكنَّ الأرضَ تعاني من قِلَّةِ المياهِ العذبْةِ‍ ـ وتابعَ بأسى ـ وكوكبُنا غنيٌّ جداً بالمياه.... حتَّى في البحارِ يوجدُ العديدُ من الأنهارِ العذْبة. فلماذا يعاني كوكبُنا من الجفافِ والقَحْطِ؟؟). سألتُهُ مازحاً: (أسْئِلتُكَ من العيارِ الثَّقيلِ.. فما هي علاقتُها بطيرانك إلى الغيوم؟؟ كنَّا نحلمُ يا رجل). قال: (وعباسُ بن فرناس، كان يحلمُ أيضاً.... وكان مؤمناً بأنَّ الإنسانَ قادرٌ على الطيران) قلتُ مُتَصَنِّعاً الحزنَ والألمَ: (لكنَّهُ، مسكينٌ دفعَ حياتَه ثمناً لأَحلامِه). رماني بنظرةِ عتابٍِ حادةٍ وقالَ: (لماذا لا تقولُ إنه فتحَ أمامَ البشرِ آفاقَ عصْرٍ جديدٍ ـ عَصْرِ الطيرانِ والفضاءِ؟؟) وشعَرْتُ بأنَّ عتابَهُ تحوَّلَ إلى لومْ، كأنَّهُ وَجدَني متلبِّساً بجريمَةٍ لا تُغْتَفَرُ وهو يقولُ: (منذُ متى وأنتَ تُفَكِّرُ بهذا المنْطِق؟ فمنْ يُضَحِّ بنفسهِ في سبيل الناسِ، يكُنْ عندك مسكيناً يا أحمدُ؟؟) عانقتُهُ طويلاً وأنا أربتُ على ظَهْرِهِ وأقولُ مُعْتذِراً: (ألمْ تشعرْ بأنِّي كنتُ أمزحُ؟؟) ثمَّ دخلنا إلى الدَّرسِ. سألني الأستاذُ بسرورِ واضحٍ: (ما الذي يجري بينكَ وبينَ عيسى؟؟ أكادُ أسمعُ بينكما أحاديثَ ساخنة. شاركونا، إذا كانَتْ هناكَ مَوْضوعات مُهمِّةٌ!) قلتُ ببساطةٍ وعفويةٍ: (حكاياتٌ وأحلامٌ وآمالٌ!) أشرقَ وجهُ الأستاذ بابتسامة واسعة، وقال مشجِّعاً: (ممتاز! رائع! وهل هناك أجمل من الحكايات والأحلام؟!). قلتُ وأنا أتغلَّبُ على موجةِ ضَحِكٍ شديدةٍ: (كلُّ ما في الأمرِ أنَّنا ـ أنا وعيسى، طرْنا إلى غيمةٍ كبيرةٍ، رأيناها في الفضاءِ... أعجَبَتْنا). سألَ الأستاذُ بفضولٍ يطفَحُ بالفرَحِ: (جميل! جميل! رائع! وماذا رأيتما هناك؟؟). يا إلهي! شعرتُ وقدْ عادَ الأستاذُ طِفْلاً مثلنا، يحلَمُ بالطيرانِ إلى عالمِ الغيوم. نَظَرَ الأستاذُ إلى عيسى وقالَ: (نريدُ أنْ نَستمعَ من عيسى).

كان عيسى يحاولُ كبْتَ موجةٍ ضحكِ قوية. كانتْ عيناهُ تدْمعَان من شدة الضَّحِك، والأستاذُ ينظرُ إليه متورِدَ الخدَّين من شدَّةِ الفرَحِ. أخيراً تماسكَ عيسى وقالَ: (... رأيتُ أحمدَ يسْتَعِدُّ للطيران فَتَشَبَّثْتُ به، فطارَ بي إلى غيمةٍ كبيرة... قال: إنَّهُ يريدُ أنْ يَتَعَلَّمَ لغةَ الغيومِ...).

قال الأستاذُ: (حسناً! هو يريدُ أنْ يتعلَّمَ لُغَةَ الغيومِ، وأنتَ؟!). قالَ عيسى بمرَحٍ: (لقد طارَ بي... إلى الغيمةِ وترَكَني هناك.. وعاد..). احتجَّ الأستاذُ بلُطْفٍ وقالَ: (فهمْنا قصدَكَ، لكنَّنا بحاجةٍ إلى توضيحٍ أكثر. أعطنا زُبْدَةَ الكلامِ). عندئذٍ بدأ عيسى يُجيبُ بهدوء ورصانةٍ: (بينَ الجدِّ والمُزاحِ، وبينَ الخيالِ والواقعِ وبينَ اليقْظَةِ والمَنامِ ـ سألْتُ نفسي: لقد استطاعَ الإنسانُ أنْ يَتَحَكَّمَ بالصَّوتِ والصُّورة ـ أقصدُ التلفازَ والمذياعَ، ويلتقطُ الصُّورَةَ في المكانِ الذي يُريدُه... واستطاعَ الإنسانُ أن يصنعَ الصواريخَ الفتَّاكَةَ، يُصيبُ بها الهدفَ بدقَّةٍ فائقةٍ، ليَقْتُلَ الأبرياءَ، ولم يستطعْ هذا الإنسانُ التَّحَكُمَ بالغيومِ وتوجيهها إلى الأماكنِ العطشى؟؟... لماذا نرى أماكنَ تعاني من فيضاناتٍ مدمِّرَة، وأماكنَ تعاني من القَحْطِ والجَّفافِ القاتلين؟؟ ـ وعادَ عيسى إلى المرحِ والمُزاحِ ـ فقلتُ لنفسي: (هيّا يا عيسى، تعلَّمْ لغةَ الغيومِ مع أحمدَ كي تطلبَ من الغيومِ أن تبحثَ عن الأماكنِ العطشى... ولا تحرِمنا من جودها ورائحتها المنعشة..) عندئذ رفعَ الأستاذُ يدَهُ لنستمعَ إليه، وقال: (هل تعلمون أنكم تطرحون مسألة هامة جداً.. أنا أعتقدُ أنَّ الغيومَ تبحثُ عن الأشجارِ، وعن المروجِ، وعن الزهورِ وعنِ السنابلِ، وعن الغاباتِ.. لتسقيها وترويها.. ولكنْ.. عندما يقطعُ الإنسانُ هذه الغابات ويسيءُ إلى الطبيعةِ، فإنه في الوقت نفسه، يسيء إلى الغيومِ.. فأين تذهبُ الغيومُ؟؟ أعتقدُ أنَّ من حقِّ هذه الغيوم أن تهرُبَ.. أو أنْ تأخذَ على خاطرِها.. ما رأيكُمْ؟؟ لماذا لا نتعاملُ مع الغيومِ والأشجار والطيور والأزهارِ، على أنَّها أرواحٌ حيَّةٌ، تبحث عن الأماكن التي تحبُّها؟؟.. كيفَ يأتي إلينا الطيرُ إذا قطعنا الأشجار؟؟ وكيف تأتي الغيومُ إلينا إذا كنا نسيء إلى كلَّ ما هو جميل في الطبيعة؟؟ والطبيعة هي حبيبة الغيومِ.. وكلُّ حبيبٍ يبحثُ عن حبيبه! أليسَ كذلك؟؟) لم أرَ عيسى مرحاً مثل هذا المرح، على الرَغْمِ من أني رأيتُ الحديثَ عن هذا الموضوع جدياً، ويحتاج إلى تفكير.. ولمْ أرَ الأستاذَ فرحاً متفائلاً إلى هذه الدرجة، فقال معبراً عن إعجابه الشديدِ بنا: (والله يا جماعة.. لستما سهلين.. لقد ذكَّرتماني بطفولتي وأحلامي.... فقدْ كنتُ مثلكما أسرحُ بأفكاري، في اليقظةِ والنومِ مع الغيومِ، وأرى فيها خرافاً وطيوراً وعصافيراَ وأشجاراً ومروجاً... وذات يوم، رأيت ثوراً مزركشاً رائعاً...فلعبتُ معه طويلاً... وانضمَّ إلينا طاووسٌ جميلٌ، وراحَ يلعبُ معنا. كنَّا نطيرُ من مكان إلى آخر كما تطيرُ الفراشاتُ بيسرٍ ورشاقَةٍ.. ثم أعطاني الطاووسُ شريطاً فضياً لأربطَ الثورَ.. فربطتُه وسرتُ به إلى شجرةٍ في البستانِ وربطتُه إليها... وأذكرُ أني استيقظتُ متأخراً في الصباح، على غيرِ عادتي.. ومضيتُ إلى المدرسة وأنا أفكِّرُ بالثورِ.. عدتُ إلى المنزلِ فرأيتُ ثوراً يشْبِهُ الثورَ الذي لعبتُ معه في الأحلام. أذكرُ أنِّي كنتُ في الصف الأوَّل. اقتربتُ مِنْهُ بحَذَرٍ فراحَ يهزُّ رأسِهُ. دنا أبي مني ووضَعَ يدَهُ على كَتِفي وقالَ: (هلْ أعجبَكَ الثوْرُ؟ اشتريتُه لك اليومَ من السوقِ. سنذبَحُه في العيدِ. ابتعدْتُ عن أبي وأنا أبكي.. وارتفعت حرارتي ومرضتُ. ولمَّا عرفوا السبب بعدَ جهد جهيد، تعهَّدَ والدي أن يحافظَ على الثور لي ـ أنا لألعبَ معه. وفي اليومِ الذي تماثلْتُ فيه للشفاء، هاجَمَنا جنودٌ من مستوطنةٍ صهيونيةٍ كانتْ قريبةً من منزلنا، واقتربَ اثنان منهم ليأخذا الثورَ، وبقي الآخرون شاهرين أسْلِحَتَهُمْ مهدِّدينَ والدي بإطلاق النارِ إذا تحرَّك. حاولَ أحدُ الصهاينة فكَّ الثَّور فنطحَهُ الثورُ نطحةً رمتْهُ على الأرضِ فاقدَ الوعي.. واستدارَ إلى الثاني لينطحه فهرَبَ.. ومضى الثورُ يهاجم الجنودَ بشراسةٍ وعُنْفٍ ولمْ يسمحْ لهمْ بالاقترابِ منهُ، إلاَّ بعدَ أنْ أردوهُ قتيلاً، ثم حملوا رفيقهمْ ومضوا خائبين..) بدا التأثرُ واضحاً على وجهِ الأستاذِ وتعثَّرَتْ الكلماتُ في فَمِهِ. ثم صمتَ لحظات وتابعَ يقولُ: (يا لهؤلاء الصهاينة الأشرار... لم يتركوا لنا مكاناً في حياتنا إلاَّ وزرعوه بالجِّراحِ... حتَّى أحلامَنا.. لكنْ.. ( يا جبلُ ما تهزَّك ريح) سنَنْتَصِرُ إن شاء الله... وستبقى جراحُنا أوْسمةً على صدرِ التاريخ...

 

ÛÚÜ


 

 

أين العيد؟؟

أيَّة ريحٍ طيبةٍ جاءتْ بكَ إلينا يا أستاذُ ماجد؟‍! كمْ مرَّةٍ ردَّدْتَ على مسامعنا: (الحياة أمٌّ، والأمُّ حياة). وأنت تعرفُ أنَّنا أيتامٌ في دار أبناء الشهداء هذه؛ محرومون منْ هذه النعمةِ التي لا تساويها نعمةٌ في الكون. لقدْ اغتالَ الصهاينة الأشرارُ أمَّهاتنا، وأذاقونا مرارَةَ اليُتْمِ الحارقة. وأنتَ يا أستاذ تقولُ: (لا حياة بعد الأم، ولا كرامة لإنسان بعد وطنه). أنظرُ إلى عينيك فأرى أمي تأخذني من يدي، وتسيرُ معي إلى السُّوق لتشتري لي ثيابَ العيد. أسألها: (ومتى سيأتي العيدُ يا أمِّي؟؟) فتقولُ لي بابتسامة مشرقة: "غداً يا حبيبي!". وأسألها: (وكيف سيأتي العيدُ يا أمِّي؟؟ ماشياً أم في السيارة؟؟). تضمني إليها وتقولُ: (لا يا حبيبي. العيد يأتينا مثل الطَّير). وأسألها بإلحاح: (لـه أجنحةٌ؟؟ كبيرة؟؟ مثل البطَّة؟؟). فتجيبني بمَرَحٍ: (لا! مثل الطاووس). وأنسى كلَّ شيء وأفكرُ بالطاووس، وماذا سأقول لـه؟؟ وماذا سأطعمه؟؟. ولا نعودُ إلى المنزلِ إلاَّ ورأسُ أمِّي مثقلٌ بالعديدِ من الأسئلة. أحاولُ أن أتذكَّرَ: (كمْ كانَ عمركَ في تلك الأيَّام يا أحمد؟؟). أظنُ أني كنتُ في الرابعةِ من عمري، أو ربما أقل. أذكرُ ، بعد عودتنا، دخلتْ أمِّي إلى المنزلِ، وبقيتُ في الشارعِ؛ فهاجمني خروف الجيران، ورماني أرضاً.. لكنني نهضتُ وتناولتُ حجراً، وضربتهُ، ولم أصبْه، فعاد يهاجمني ثانية. ولولا جارتنا أم أيمن لآذاني ذلك الخروف. أدخلتني جارتنا إلى المنزل، وحذَّرتني من الاقتراب من الخروف. لكنَّني انتظرت حتى خرجتْ، فمضيتُ إلى المطبخِ، وأخذتُ رغيفاً من الخبز، وعدْتُ إلى الخروف، وبدأتُ أقتربُ منه بحذر وأغريتهُ بالخبزِ. بدأ الخروفُ يهزُّ رأسَهُ لي، ويطمئن لي شيئاً فشيئاً. خرجتْ أمُّ أيمن فرأتني أعانقُ الخروفَ وأُطعمهُ الخبزَ. وقفتْ تنظرُ إلي بدهشة وإعجاب. ثم قادتني إلى أمي وطلبتْ منها أنْ لا تسمحَ لي بالخروجِ، فقدْ يؤذيني الخروفُ بقرونه الطويلةِ الحادة. فقالت لها أُمِّي رحمها الله: (دعيه يلعب، ويريحني منْ أسئلته. سألني أكثرَ من ألف سؤال عن العيد). فقالتْ لها الجارة: "دعيه يسأل. هل أصبحَ السؤالُ حراماً؟؟".

أجابتْ أمي: "ليسَ حراماً.. لكن من أين يأتي بمثل هذه الأسئلة؟.. وكأنَّها نبعٌ". وأضافتْ أمي توصيني: (اسأل يا أحمد خالتك أم أيمن عن العيد.) نظرتُ إليها بحياء، وبقيتُ صامتاً. قالتْ لها أمي: (سألني كيف يأتي العيد؟ فقلت له يأتينا العيدُ مثل الطير.. ثم بدأت الأسئلة: ما هو لونه؟ وأينَ ينامُ العيدُ؟ ومن والده؟ وأين هو الآن؟؟ ولماذا لا يبقى عندنا؟؟.) عانقتني الجارة بحنان، وهتفتْ فرحة: (يسلم لي هو وأسئلته.. العيدُ يا حبيبي مثل الغيمة يأتي من بعيدٍ، ويهطلُ علينا مطراً، فيسقي قلوبَ الناس لتزهر..). قاطعتُها سائلاً: (قالتْ أمي إن العيدَ طيرٌ كبيرُ، مثل الطاووس.. يطير في السماء. طيب، إذا (قوسوه)؟!) وانتفضت أم أيمن تستنكر قائلة: "يقتلُ الله من (يقوِّسُ) العيدَ. العيدُ يحميه الله. لا تخفْ يا أحمد. سيأتينا العيد بإذن الله. وكلنا سنحميه إذا حاول أحدٌ أن (يقوسه)". وأنا أقول اليوم: "سيأتينا العيدُ يا أستاذ ماجد، بإذن الله. آهٍ أيها العيد! (ذكَّرتني أهلي وجيراني!). آهٍ أيها العيد! (قد هيَّجت أشجاني) وأحزاني!. وأسألُ نفسي اليومَ أين العيد؟؟ وأعرفُ من يقتلَ العيد، كلَّ عام، بل كلَّ يوم وساعة، قبل أن يصلَ إلينا. فإلى متى يا عيد تبقى بعيداً عنا، يمنعك الأشرار من الوصول إلينا، لتزهرَ الحقولُ والبساتينُ في قلوبنا وأرواحنا، ونبحرَ في شذا الأفراح، نبشِّرُ الكونَ، بسلام المحبة والوئام؟؟. وأسألُ نفسي أيضاً: "هلْ كانَ عمري حين ذاكَ، نحو أربع سنوات فقط؟؟ كأني أعيش تلك الأيام كما أعيشها اليوم. رائحة أمي تنعشني، وتهتفُ في قلبي، بل وتغنّي وتزغردُ وترقصُ: (كلُّ عامٍ وأنتِ بخيرٍ يا حبيبي أحمد.! كلُّ عامٍ وصديقك عيسى بخير! كلُّ عام وحبيبك الأستاذ ماجد بخير. كل عام وأطفالُ العربِ والعالمِ، بألفِ ألفِ خير..) وأمي لم ترَ في حياتها صديقي عيسى، ولم تعرف الأستاذ ماجد. يا لقلبِ الأمِّ! كأنَّهُ حيٌّ لا يموتُ، يعيشُ معنا دائماً وأبداً، يبدِّدُ الظلامَ، ويطردُ الأحزانَ، ويحرقُ الآلام. هيَّا يا أمي اقتربي مني أكثر، لأسألك عن العيدِ. عن ذلك الطاووس الجميل، وعنْ أمِّ أيمنَ وخروفها. ليته يعودُ، لينطحني بكلِّ ما يملكُ من قوة، ما شاء وما طابَ له أن ينطحَ. آهٍ، ما أجملَ نطحاتك، وما أحلاها على قلبي، كأنَّها تباشيرُ العيدِ ورائحته الزكية.

يناديني عيسى، مصافحاً. صافحته فعانقني؛ يهنئني بعيد الفطر السعيد. كان هادئاً قريرَ الروح، كبرعمٍ على صدرِ أمِّه. نظرَ إليَّ طويلاً ثمَّ قالَ: (كنتُ أراقبك وأنتَ غارقٌ في ذكرياتك. لقد ابتعدتَ عنَّا بعيداً. ثم ذكَّرني بعبارة الأستاذ ماجد: (أرني ابتسامتك أيُّها القوي، تشرقْ في وجهك نوراً يطرد الظلام من طريقك!). ثم قدَّمَ لي بطاقة كَتَبَ فيها بخط يده الجميل: (أعيادنا في نصرِنا الكبير على الصهاينة الأشرار.)

نظرتُ إلى الأُفقِ البعيدِ، فرأيتُ وجهَ أمِّي يُشْرِق بابتسامته الحبيبة، وقد طارَ من بين شفتيها، سربُ حمامٍ أبيضَ، راحَ يحومُ فوقَ رأسي، يبشِّرني بعيدٍ كبيرٍ، لأطفال العربِ جميعاً.

_ _ _

الزيارة

بينما كنَّا نتناولُ طعامَ الغداءِ، اقترَبَ الأستاذُ ماجد منْ زميلنا مهيار وأبْلَغَهُ أن زائرا يَنْتَظِرُهُ بعدَ الطعامِ. نظرَ إلينا بِحَرَجٍ وحياء. ومهيارُ شاعرُ صفِّنا، لكنَّه شديد الحياءِ. وهو صاحبُ صوتٍ عذبٍ، إذا غنَّى، أصبحَ لونُهُ ورديا كزهرةٍ خجلى. بعدَ الطعام، هَمَسَ مهيار في أذني: (أرجو أن تكونا معي أنت وعيسى). حاولت أن اعْتَذِرَ، لكنَّه أصرَّ على مرافقتنا لـه. مضينا معاً إلى لقاءِ الزائر. حييناه، فعانقنا جميعاً بحرارةٍ، وقبَّلنا، ثم جلسَ ينظرُ إلينا بلهفةٍ، ويرمقنا بنظرات تفيضُ بحنان مغموسٍ بحزنٍ وأسى. تأمَّلَ الزائرُ مهياراً طويلا، وعيناه تفيضان بالدموع.. ثم أشار إلى مهيار مؤكِّداً: (أنت مهيار! أليس كذلك؟؟). أطرق مهيار بِرَأْسِهِ إلى الأرض، ولم يُجبْ. اقتربَ منهُ وعانقه بحرارة وهو يقول: (أهلا بابن الغالي! أهلاً بالحبيبِ.) وكرَّرَ هذه العبارة غيرَ مرة. انضمَّ إلينا الأستاذُ ماجد، وجلسَ يَنْظرُ إلينا بارتياح. كان الزائرُ ينظرُ إلى مهيار كوالدٍ أضاعَ ابنه الوحيدَ مدَّةً طويلة، ولم يعثرْ عليه إلاَّ بعدَ جهدٍ وعذابٍ أليم. بعد أن هدأ قليلاً، بدأ الزائر يبحثُ عن كلماتٍ يقدِّم بها نفسه إلينا، فلمْ يجدْ ما يبدأ به.

عادَ إلى الترحيب بنا بكلمات تُعَبِّرُ عنْ حبِّه الشديد. أخيراً تدخَّل الأستاذُ ماجد فقال لمهيار: (عمَّكَ أبو سامر يا مهيار. جاء من فنزويلا ليسلَّمَ عليك.) قال مهيار ولمْ يرْفَعْ ناظريه: (لكنْ، ليس لي أعمام. استشهدوا جميعاً.)

نهضَ مهيار للانصراف. استوقفه الأستاذ لائماً: (اجلسْ يا مهيار! لماذا نهضتَ؟؟). جلسَ مهيار على مَضَضٍ. كان وجهُهُ يزدادُ تَوَرُّداً. سأله الزائرُ: "أنا ضيفكُ جئتُ منْ فنزويلا لأراكَ وأسلِّمَ عليك. كأنك لا تحبُّ الضيفَ؟ حبيبي مهيار! أنا عَمُّكَ.. أقصد. كان والدُكَ رحمه الله، أعز إنسان رأيته في حياتي. ألمْ تسمع بالمثل (ربَّ أخ لك لم تلده أُمُّكَ؟). لقد كان والدُك، رحمه الله ـ الأخَ والصديقَ ,أنا مدينٌ لـه بكلِّ ما أملكُ في حياتي. كان مَثلي الأعلى. كنتُ أعيش في ظروفٍ قاسية لا تطاق. عانيتُ من المرضِ طويلاُ، وكان والدُك رحمه الله، يقفُ إلى جانبي، كما يقف الأبُ والأخُ والصديقُ الوفي. ومهما عملتُ، فلن أفيه جزءاً يسيراً من دينه علي.) وصمتَ الزائر طويلاً، ينظرُ إلى مهيار. كان الزائرُ يبحث عن طريقِ إلى قلبِ مهيار، وكان مهيار يدعو الله أن يفتح له طريقاً للخلاصِ من هذا الموقفِ الصَّعب والشائك. كان مهيارُ يحكُّ جِسْمَه بكثرة، ليخفف من الحرج الذي يحاصره ويضغط عليه وحين عجزت الكلمات، تناول الزائر محفظة كانت إلى جانبه، وقرَّبها من مهيار، وقال: (حبيبي مهيار. هذه لكَ. وسأزورك غداً ـ ونظرَ إلى الأستاذ ـ إذا تكرَّمَ وسمحَ لي الأستاذ ماجد.) ثم نهضَ الزائر على نيَّةِ الانصراف، وعيناهُ تعبِّرانِ عن فشَلهِ في الدخولِ إلى قلبِ مهيار. ودَّعنا جميعاً، ثم مدَّ يدَه إلى مهيار لوداعه، فلم يستجب مهيار. سأله بأسى: (ألا تريد أن تصافحني؟؟). لم يحبْ مهيار، بل نظرَ إلى الأستاذ وقال بإصرار: (أنا لا أريد شيئاً من أحد! فليعْطِها لغيري!) طفحَ وجهُ الزائرِ بالحزنِ والأسى وقال: (لماذا تعاملني وكأنِّي عدو؟؟. أنتَ ابن أغلى وأعزِّ إنسانِ في حياتي وهذه هدية منّي إليكَ..) قاطعه مهيار: (لا أريدُ. لستُ بحاجة لشيء..). نظرَ الزائرُ إلى الأستاذِ، يستنجدُ به. اقتربَ الأستاذُ من مهيار. وضعَ يدَهُ على كتفه وقال: (لا يجوزُ هذا يا مهيار. لقدْ قبلَ الرسولُ e الهدية لا تخْجِلْ عمَّكَ، وقلْ له شكراً!) ثم نظر الأستاذ إلى الزائر وقال: (حسناً لقد قبل مهيار الهدية) وسأل الأستاذ مهياراً: (أليس كذلك؟؟) لكن مهيارا هزَّ رأسه تأكيداً على رفضهِ. همَّ الزائرُ بالانصرافِ، لكنَّهُ عادَ وتوقَفِ ثانية، ينظرُ إلى الأستاذ ماجد، علَّهُ يجدُ لديه تفسيراً مقنعاً. قالَ الأستاذُ معاتباً: (الآنَ، أنا عاتبٌ عليك يا مهيار. هل ترضى أن يخرج ضيفُكَ وهو غيرُ راضٍ عنَّا؟؟ قلْ لنا السببَ وسنقبلُ به..). أوَّل مرَّة أرى مهياراً يخلعُ عنه ثيابَ الخَجَلِ والحياءِ.. ويخاطبُ الأستاذَ بصورة طبيعية، بهدوء كأنَّه يقرأ قصيدة حفظها منذُ زمنٍ بعيد قائلاً: (كانَ أبي رحمه الله يشجعني على البذلِ والعطاء. وكان يوصيني دائماً بأن أعطي ولا آخذ إلاَّ ما أنا بأمسِّ الحاجة إليه. كان يعطيني السكاكرَ والهدايا لأوزِّعها على زملائي، فأصبحتُ لا أفرحُ إلا عندما أزرعُ وردَ الفرح في صدور منْ أحبهم. فكيفَ تريدني أن آخذ شيئاً لست بحاجة إليه، وأنا أحلمُ بلحظة أكونُ فيها أنا من يعطي ويسقي مروجَ الفرح في قلوبِ الناس؟!) كنَّا ننظرُ إلى مهيار بإعجاب شديد، ولم ننتبه إلى الزائر إلا بعد أن عانق مهيار وراح يهتف من أعماق روحِه: (أصيلٌ! والله! أصيلٌ وابنُ أصيل!) واستدارَ إلينا وتابعَ قائلاً: "ماذا أقولُ يا جماعة؟؟ لا أعرفُ ماذا أقول؟؟ لمنْ أقدِّمُ هديتي؟؟ سأضَعها أمانة بين يدي الأستاذ.. وأمضي مكسورَ الخاطر..لا! بل أنا فخورٌ بابن صديقي وحبيبي مهيار.) وكادّ يخرجُ دونَ وداعٍ، لكنَّ الأستاذَ استوقفه، وهو يقول لمهيار: (مهيار! عمُّك أبو سامر تبرَّعَ بمبلغ كبيرٍ من المالِ لدار أبناء الشهداء، وجاءَ بهذه الهدايا لك. فأقبلْها وهبْها لمنْ تشاء.) قالَ مهيار: (ليستْ لي لأهبَها.... ولنْ أبيعَ معروف أبي بمال الدنيا. وَكُلٌَّ يُجزى على معروفه). ومدَّ يدَه إلى الزائر مودِّعاً وهو يقول: (آملُ أن تكونَ زيارتُك المقبلة للدارِ، وليس لي فقط، لنفرحَ بك جميعاً، وتفرحَ بنا جميعاً. فيدُ الله مع الجماعة). عانقَ مهيارُ الزائرَ وانصرف. ودَّعنا الزائرَ وتبعنا زميلنا، ونحن لا نصدِّق ما رأيناهُ من مهيار الذي كنَّا نظنُه من  أرقِّ الأطفالِ وأكثرهم وَجَلا وحياءً.

ZZZ

العصفور الشجاع

 

تحدثتُ طويلا ًأنا وعيسى عن مهيار الذي فاجأنا جميعاً حديُثهُ مع الزائر أبي سامر. ولم نستطعْ تفسيرَ ـ لماذا رفضَ مهيار هديةَ صديقِ أبيه الحميم.. ولماذا لمْ يقابل مهيارُ وفاءَ صديقِ والده، بالشكرِ والعرفان؟؟ لقد جرحَ مهيارُ مشاعرَنا جميعاً. حتَى الأستاذَ، لمْ يرتحْ لموقفِ مهيار. والحقيقةُ أنني تألمتُ كثيراً لأنَّ مهياراً أخْجَلَ الزائرَ (أبو سامر) وأخجلَ الأستاذَ أيضاً. لكنِّي منذُ تلكَ الزيارة، بدأتُ أهتمُ وأتوقفُ أمامَ كلِّ حركة يقومُ بها مهيار. جلستُ إلى جانبه على طعامِ الغداءِ، وقلتُ لـهُ: ((لقدْ أغضبتنا جميعاً منك يا مهيار.)). فأجابني بودٍّ: ((لا عاشَ منْ أخجلك يا أحمد)).. وتابعَ: (( لا أريد أن أتميَّزَ عنْ واحد في شيء. نحن هنا أخوة. فلو جاءَ والدي بهدية لي وأنا في هذه الدار لما قبلتُها. وأنا على يقين من أنَّ والدي لو كانَ حيَّاً، ما خصني بشيء.. فإما أن يقدِّمَ لنا جميعاً ما يريدُ أن يقدِّمَهُ، وأمَّا أنْ لا يقدِّم.)). قلتُ لـه: (( لقد أرادَ العمُّ أبو سامر أن يعبِّرَ عن وفائه لأبيك.. ولمْ تقدِّرْ أنت موقفَهُ وعواطفَه النبيلة.)). قالَ ببساطة: (( لكنْ، ليسَ في هذا المكان. فنحنُ في دار أبناءِ الشهداء. إنَّه مكانٌ مقدسُ.. هنا تتعانقُ أرواحُ آبائنا الشهداء، لتعبِّرَ عنا جميعاً. عن وطننا الواحد وعن وحدتنا المقدسة.)). اقتنعتُ بما قاله مهيار، لكنِّي بقيتُ غيرَ مرتاحٍ لموقفه من أبي سامر. سألته عن الشعر.. وعن آخر ما كتبه. قالَ: ((كل يوم أكتبُ مقطوعة. وفي الصباحِ أقرأها فلا تعجبني، فأخبئها، وأحياناً أمزِّقُها وألقيها في سلةِ المهملات.)). مهيار متواضعٌ جداً. وقد نوَّه الأستاذُ ماجد غير مرة بكتاباته المتميزة. تمنيتُ أن يقرأ لي أحبَّ ما كتبه، أو أحدَثَ ما كتبه، لكنَّه قالْ لي: ((أنا الآنَ أقرأ التاريخَ وأفكِّرُ كثيراً بالتاريخ. قرأتُ كثيراً عن وعدِ بلفور المشؤوم، وكتبتُ هذه العبارات:

بلفور أفعى في الزمان بسُمِّهِ

حَرَقَ الحقولَ ويتَّمَ الأزهارا

أدمى البراعمَ والطيورَ بحقده

طَعَنَ النجومَ ورمَّلَ الأقمارا.

سألته: ((وماذا قلت في شارون؟)). تنهَّدَ بحزن وقال: ((كلُّهم واحدٌ وإن اختلفت الأسماء. شارون هو (بلفور) و(بلفور) هو (شارون).. الأشرارُ هم الأشرارُ مهما اختلفت الأسماءُ. اسمع هذه الحكاية)).. وكأنَّهُ أراد أنْ يبعدَني عن الشعر. قلت هاتها يا صاح. قال: (عاش في قديم الزمان ملك شرير، لم يترك جريمة بشعة إلاَّ وارتكبَها. كان يحرقُ المدنَ ويُدمِّرُُ القرى، ويقتِّلُ النساءَ والشيوخَ بنشوة، كما كان يتناول وجْبَتَهُ الشهية كلَّ يوم. كانت ْالنجومُ تموتُ حزْنا على الأطفالِ الذين يتَّمهمْ هذا الملكُ الشريرُ؛ وتهتَزُّ الجبالُ أَلمَا لكل جريمة تقترفها يداه الآثمتان. حتى الغيومُ، كانتْ تهربُ بعيداً، كي لا تدنِّسَها جرائمُهُ النكراء. وكانت العصافيرُ ـ الوجبةَ المفضلة لهذا الملك الشرير. لذا كانت تختبئ ساعاتٍ طويلةً حتى لا تطالها أيدي صيادي الملك، المتربصة بها في كلِّ مكان. وذات يوم فكَّرَ عصفورٌ شابٌّ: (( إلى متى نبقى مختبئين في أعشاشنا، نعيش في الظلام، محرومين من حريةِ الطيران في الفضاء الطلقِ واللَّعِبِ في المروجِ والبساتين؟‍ إلى متى نبقى محرومين من الغناءِ على الأغصان؟‍ إلى متى نحملُ الخوفَ معنا في كلِّ مكان، من بطشِ هذا الملك الآثم؟‍ وإلى متى ننتظرُ الموتَ، ونحن مكبلون بالرُّعْبِ والأحزان؟)). ولم ينَمْ هذا العصفورُ طوال الليل، وهو يفكِّرُ ويفكِّرُ؛ يحاول الإجابة عن العديد من  الأسئلة. ومع الفجرِ، انطلق العصفورُ الشابُّ إلى عشِّ عصفور عجوز، وطلبَ منه أن يساعدَ في الإجابة عن ما خطرَ في ذهنه من أسئلة، لم يستطعْ الإجابة عنها. بكى العصفورُ العجوزُ فخراً وفرحاً هاتفاً: ((أهلاً بأشجعِ عصفور رأيته في حياتي!)). استغربَ العصفورُ الشابُّ هذا الإطراءَ.. وسألَ العصفورَ العجوزَ: ((لمْ أفعل شيئاً لأستحق هذا اللقبَ الرفيعَ)). سألَ العصفورُ العجوزُ: (( أجبني صراحة: هل أنت خائفُ من الملك الشرير؟؟)). أجابَ العصفورُ الشابُ: ((سئمتُ الخوفّ لا بلْ بتُّ أكرهُ وأحتقر كُلَّ خائف جبان، حتى ولو كان هذا الجبانُ أنا نفسي. لا أريدُ أنْ أموتَ وأنا مكبَّلٌ بالخوف! لا أحلمُ إلاَّ بأن أموتَ شجاعاً، إذا لمْ يكنْ من الموت بدٌ!)). ثمَّ تَنَهَّدَ العصفور الشابُ وقال: (يبدو لي أن الجبن والخوفَ هما سبب مصائبنا كلِّها) هزَّ العصفورُ العجوز رأسه وسألَ العصفورَ الشابَّ: (( كيفَ ظهرتْ لديك هذه الأفكارُ، ومازلتَ شاباً؟؟)). قال العصفورُ الشابُّ بألم: ((.. خرجَ والدي ذاتَ يوم ولم يعد.. وفي يوم آخر، خرجَ أخي الكبير ولم يَعُدْ.. أمي ترتعدُ طوالَ الليلِ والنهارِ من الخوفِ.. نأكلُ والخوفُ يخنقنا.. ننام والرعبُ يطاردنا. فهلْ هذه حياة؟؟.. وإلى متى تحاصرنا كوابيسُ الرعبِ؟؟ دلني إلى طريق نعيشُ فيه كما تعيشُ كائناتُ الأرضِ، في سلامٍ وأمانٍ.)). تنهَّدَ العصفورُ العجوزُ بألمٍ وحزنٍ وقالَ:

من أينَ يأتي الأمانُ والسلامُ

إذا سادَ الطغاةُ واللئام!

لم تعجبني إجابة العصفور العجوز. قلتُ لمهيارَ: ((يبدو أن عصفورَكَ العجوزَ جبانٌ أيضاً.)) قالَ بإصرار: ((أنا لا أسمي من يحلمُ بالسلامِ جباناً)). قلتُ محتجّاً: (( وما نفعُ الأحلامِ بلا أفعال!)). قالَ بسرورٍ ونشوةٍ: ((العصافيرُ هي أرواحنا يا أحمد.. وعندما تحلمُ أرواحُنا، تتحرَّكُ عقولُنا.. وعندما تتحركُ عقولنا، تزودنا بالنشاط والحيوية، لكي نقومَ بالفعل الذي نريدُ..)).. سألته مُمْتَحِناً: (( وما الذي يمكن أن تفعله العصافير أمامَ صيادي الملك، الذين يحملون أسلحة فتَّاكةِ؟؟..)). قال ببساطة لم أتوقعها: ((.. الفعل للإنسان فقط، إذا فهمَ وأدرك..)). بدأت أفكِّرُ بما قاله مهيار. ربَتَ على كتفي وقالَ: ((.. يقفُ الفلاحُ أمامَ الشجرةِ، كأنَّه يقفُ أمامَ أحبِّ الكائنات إليه؛ ويفهم كل ما تحتاجه حبيبتُه الشجرة)) وسألني كما يسألُ المعلمُ التلميذَ: (هل فهمت فكرتي؟؟)). هززتُ رأسي إعجاباً بمهيار وما قاله.. لكنَّهُ تابعَ يتأملني وكأنَّهُ يشكُّ في فهمي واستيعابي لفكرته، فأضاف موضِّحاً: ((.. ويصغي النبيهُ الذكيُ إلى زقزقة روحه وتغريدِها؛ ويفهمُ، كما يفهم الفلاحُ حبيبته الشجرة..، إذا كانتْ أرواحنا خضراء، أيقظتْ الإلهامَ فينا.. والعصافيرُ هي أرواحنا؛ تبحثُ عن أشجارها الخضراء، لتسمعنا ما تريده الحياة منا.)).. ودَّعْتُ مهيارا وأنا أفكِّرُ وأقارنُ بين مهيار ـ الطفل الخجول، وبين مهيار ـ الشاعر الذكيِّ... الغني بأفكارٍ نحتاجُ إلى فهمها ودراستها. فمن يدري قد يصبحُ مهيار فيلسوفاً مثل ابن خلدون الذي حدَّثنا عنه الأستاذُ في الأسبوع الماضي؟!

óóó

عسكر وحرامية

 

شعرتُ أنٍّي ارتكبتُ خطأ كبيراً بحقِّ مهيار، حينَ قاطعتُه وهو يحكي لي حكايتهُ، ولمْ أُتِحْ لهُ فُرْصَةً لإكمالها. ولامني عيسى حينَ أخبرتُهُ بما جرى بيني وبينَ مهيار، لكنَّه طمأنني بأنَّه سيْصلِحُ الأمرَ. بعدَ العشاءِ جلسنا مع مهيار وتحدَّثْنا طويلاً عمَّا يجري حولنا منْ أحداثٍ شهدتْ اليومً، تسعةَ عشرَ شهيداً، منْهُم طفلةٌ رضيعةٌ وثلاثُ نساء. قلتُ: (صرنا نتحدث نحنً الصغارُ عن الحروبِ والدَّمارِ والشهداءِ، أكثرَ من الحديثِ عن الألعابِ والنُزْهات والأحلامِ.). تنهدَ عيسى وقالَ: (أشْعُرُ بأن صدري أصبحَ أرضْاً جافَّةً، كأنَّهُ صحراءُ تَلْتَهُبُ...). قلتُ: (..ولا يشفي عطشَ الأرواحِ إلاَّ الحكايات الجميلةُ.. ليتَني الآنَ أجلسُ في بستاننا إلى جانب جدي، يقصُّ عليَّ حكايةً من حكاياته المُمْتعةِ..) وكدتُ أغيبُ في عالمِ الأحلامِ، وأنا أتَذَكَّرُ تلكَ الأيام الجميلة الرائعة.. لوْ لمْ يهزُّني عيسى من يدي مازحاً: (يالكَ منْ أناني.. ألا تحبُّ أن نكونَ معكّ؟؟).. وأضافَ مهيارُ: (تريدُ أن تمضي مع ذكرياتكَ وَتَتْرُكَنا وحيدين هنا؟؟..) قلتْ بأسى: (... آسف! آسف. تخطفُنا الذكرياتُ رغْماً عنَّا، كما يخطفُ النومُ المتعبَ الحالمَ..). قالَ عيسى مخاطباً مهياراً: (أنقذْنا بحكايةٍ تأخذُنا معاً إلى عالمٍ جميلٍ).. ومهيار يحبُّ كلمة (معاً). أي أنه يحبُّ الحديثَ والمشاركةَ في موضوعِ الجماعة. قالَ بعفويةٍ: (الحكاياتُ تأخذنا إلى الماضي، وأنا أحبُّ أن أنظرَ إلى المستقبل.. فما رأيكم أنْ ننظر إلى الأمام؟؟ ما رأيكم في أن  نطيرَ إلى عالمِ المستقبلِ، لنكونَ أبطالَ حكايةٍ جديدةٍ؟؟..). سألناه بلهفةٍ وحماسةٍ: (كيف؟؟ ماذا تقصد؟؟). قال ببساطةِ الحكيمِ وثقتهِ: (كلُّنا واثقونَ من انتصارنا على الصهاينة الأشرار وتحريرِ كاملِ أرضنا من سمومِهم). قلنا بثقةٍ: (طَبْعاً كلُّنا واثقون..). قالَ مهيارُ بحركةٍ مسرحيةٍ، ماداً يدَهُ إلى الأمام: (تصوروا معي أننا الآنَ نُطهِّرُ أرضَنا من بقايا جنودِ الاحتلالِ المُنْهَزِمِ أمامَ الانتفاضةِ العارمة لأمَّتِنا على قوى الشرِّ والعدوان).ونظرَ إليَّ طويلاً يَتَفَحَّصُني وتابعَ قائلاً: (أنتَ الآنَ يا أحمد ضابطٌ منهزمٌ في جيشِ الاحتلال الصهيوني، يحاصرُكَ المقاتلون العربُ في إحدى المستوطنات الصهيونية). لاحظَ مهيارُ ألمي وحُزْني.. فطَمْأَنَني قائلاً: (إننا نتخيَّلُ.. تتصورُ.. أنتَ أحمد ـ عربي.. ألا تستطيع أن تتصورُ حالةَ ضابطٍ صهيوني محاصرٍ في إحدى المستوطناتِ الصهيونيةِ؟). وافقتُ على مَضَضٍ، فالتَفَتَ إلى عيسى وقالَ: (وأنتَ يا عيسى، تصورْ أَنَّكَ تُحاصرُ آخِرَ مستوطنات الصهيونية المُنْهَزِمَةِ.. وتلْقى مقاومةً شديدةً) احتجَّ عيسى ساخراً بطريقة مسرحية: "أنا أتصور أن الصهيونيةَ ستنهارُ، كما ينهارُ بناءٌ ترابيٌّ قديمٌ، أمامَ مَطَرٍ غزيرٍ ورياحٍ عاصفةٍ. ستهوي الصهيونية وتغورُ في الأرضِ عميقاً.. أو ستجرفُها السيولُ..). رَفَعَ مهيارُ يَدَهُ مُنَبِّهاً، يُذَكِّرُنا: (الذكيُّ النبيهُ، يستَعِدُّ لكلِّ الاحتمالات.. ـ وبالطريقةِ المسرحيةِ نفسها تابعَ: (نحن يا أصدقائي، نتصورُ.. نتخيلُ ونستعدُّ لكلِّ الاحتمالاتِ.. أليسَ كذلكَ؟؟(. سألتُهُ: (وأنتَ؟ ما هو دَوْرُكَ؟؟). قالَ ببساطة ونشوة: (أنا الجمهور.) وأشار بيده للبدء قائلاً: (هيَّا يا أحمد! أرِنا ما عندكَ!). (سأحاولُ وأبذلُ قصارى جهدي.. وأمري لله).. تصورتُ أني مسؤولٌ عن مستوطنة صهيونية، واسمي موشي. بدأ الرعبُ يُمزِّقُني واليأسُ الأصفرُ ينهشني وأنا أعيشُ انهيارَ الكيانِ الصهيوني، وأرى وأعيش بألم كيفَ تحوَّلَتْ الأحلامُ إلى رماد. أصرخُ بأعلى صوتي: (أيها الناس!) فيجتمعونُ حولي يرتعدونَ خوفاً وهلعاً. أقولُ لهم بصوتٍ تخْنِقُه الآلامُ وتحرقُهُ المرارُة: (لقد انهزمنا!! وعلينا أن نرفعَ الرايةِ البيضاءَ.. ونرحلَ..كفانا حروبا!! كفانا دمارا.. لقد وَعَدَتْنا الصهيونيةُ بالجنة، ولم تعْطنا إلاَّ الحروبَ والدمارَ. هيَّا اخرجوا وارحلوا.. واتركوا الأرضَ لأهلها...) يهجم علي صهيوني أرعن... يَمْنَعُني من متابعة كلامي: (اسكت أيُّها الجبانُ.. لنْ نرحلَ. سنموتُ هنا.. سنحترقُ مع أحلامنا.. ولن.. نر..حـ..ل!) يصوِّبُ الصهيوني الأرعنُ مسدَّسَهُ تجاهي ويطلقُ الرصاصَ علي. يصيبني في كتفي. تتدفق القوات العربية، وتجتاح المستوطنةَ كالسَّيلِ الجارف.. يلتصقُ الصهاينةُ جميعاً بالأرضِ. أنا جريحٌ.. أصرخُ متألماً. يقفُ (عيسى) ـ قائد القوات العربيةِ المقتحمةِ، يخاطبُ المستوطنين الصهاينة المستسلمين: (أيُّها الناسُ! العربُ لا يُؤذون أسراهم، ولا يعاملون الضعفاءَ والأطفالَ والنساءَ بقسوةٍ. انهضوا جميعاً ولا تخافوا. لا نريدُ إلاَّ إعادة الحقَّ لأصحابِه). يشيرُ عيسى إلى مساعده: (خذوا الأطفالَ والنساءَ والشيوخَ إلى مكان آمنٍ.. وقدِّموا لهمْ ما يحتاجونه..). أصرخُ مُسْتَنْجِداً من الألم. يقتربُ مني عيسى. يسألني: (من أنتَ؟؟.) أحاولُ النهوضَ فيمنعني جُرْحي من الوقوفِ. يساعدُني عيسى على النهوض.. أقدِّمُ نفسي بصوتٍ يتمزقُ من  الألم: (أنا.. قائدُ.. هذه المسـ..تـ..ـو..ط..نة..).. أفقدُ السيطرةَ على نفسي ويُغمى عليَّ. يُشيرُ عيسى (كقائدٍ للمقاتلين العربِ). بتقديمِ المساعدةِ الطبيةِ لي، ثم يتوجَّهُ إلى بقية المنبطحين على الأرضِ: (نَطلبُ من جميع المجندين في الجيش الصهيوني أن ينهضوا ويصعدوا إلى عربة، بعد أن يتركوا كل أسلحتهم على الأرض.) يتراكضُ الصهاينةُ، يصعدون إلى العربة. ينتهي المشهدُ. نقفُ أمامَ مهيار. نسألُهُ عن رأيه.. يفكِّر.. ثم يقولُ: (هناكَ خطأٌ كبيرٌ ارتكبه عيسى. فمنْ يستطيع تحديدَ هذا الخطأ؟؟) بدأنا نُفَكِّرُ.. بالخطأ الذي ارتكبناه في (اللعبة) التي مثَّلناها أمام مهيار، لكننا لم نستطعْ تحديدَ الخطأ. سلَّمْنا بعَجْزنا في اكتشافِ الخطأ. عندئذٍ سألنا مهيارُ: (عندما نقبضُ على مجرمٍ، ماذا نفعلُ؟؟..) قال عيسى دونَ تفكيرٍ: (أولاًـ نُفَتِّشُهُ..). هتفَ مهيارُ: (طبعاً!!.. وأنتَ يا عيسى لمْ تأمرْ جنودَك بتفتيش الصهاينة.. فقدْ يَخْدَعَكَ أحدُهم ويحتفظُ بسلاحه ليقومِ بعملٍ انتقامي لمْ تكن تتوقعه.). قلتُ مازحاً: (كأننا لعبنا عَسْكَر وحرامية. وكنَّا نلعبُ). قال بحماسةٍ: (صحيح! أليس الصهاينة ـ حرامية؟؟.. سرقوا أرضنا؟؟..). اقتربَ منَّا الأستاذُ ماجد من غير أنْ نشعرَ. سلَّمَ علينا. كانتْ عيناهُ مغرورقتين بالدموعِ. قالَ بصوتٍ يَحْتَرِقُ ألماً: "العمرُ لكمْ جميعاً.. لقد توفيتْ الجدَّةُ..."

 

 

pp


 

رحيل الجدة

 

كان وقعُ الخبرِ أليماً علينا جميعاً. فقدْ رحلتْ الجدَّةُ التي كنَّا نحلمُ بزيارتها، لتحكي لنا عن زوجِها، رفيقِ عزِّ الدين القسَّام ـ شيخ المجاهدين وإمامهم. وبقيتْ تلكَ الأمنيات في صدورِنا، وردةً تحلمُ بقطراتٍ من غيمة حنون؛ نَكْبَرُ معها في حقولٍ خضراءَ. وكيفَ تعيشُ الورودُ بين دباباتِ الصهاينة الأشرارِ، يهدمونَ المنازلَ فوقَ أهلِها، ويحرقون البساتينَ والرياضَ والحقولَ، ويبثُّونَ سمومَهم الحارقةَ في كلِّ مكان يحلّون فيه؟؟ نظرَ إلينا الأستاذُ ماجد طويلاً وقال:

ـ من المفروض ألاَّ أخبركمْ بوفاة الجدَّة، لكنني أريدكم أن تكونوا أقوياءَ أمامَ كلِّ حدثٍ أو خبرٍ. هذه هي الحياة ـ رحيلٌ وسفرٌ، لقاءٌ وفراقٌ، فشلٌ ونجاحٌ... الخ.

وهمَّ بتوديعنا، فاستوقفتُهُ بكلِّ ما أملكُ من قوة وحزم قائلاً: (سنذهبُ معك!). قالَ رافضاً وقد فهمَ قصدي: (إلى أين؟؟ لا! لا!). قلتُ بإصرار أشد: (سنذهبُ معكَ وإلاّ هربتُ كما هربَ سامي.) ارتعشَ الأستاذُ رهبةً من قولي، وبدا عليه حَرَجٌ شديدٌ.. وشعرت أنني دفعته إلى حيرة شائكة. صرخَ بصوتٍ مَكْبوتٍ: (أرجوكَ! أرجوكُم جميعاً!) ـ أوَّلَ مرَّةٍ أسمعُ منه كلمةَ توسُّلٍ ـ لا تفكروا في هذا الموضوع! نحن في ظروفِ احتلال قاسية. الجنودُ الصهاينةُ كالذبابِ، منتشرون في كلِّ مكانٍ. إننا في حربٍ طاحنةٍ، مع جنودٍ أشرارٍ حاقدون، يغلي الرعبُ في أرواحهم..). قاطعتُه وقد داهمتني موجةُ بكاءٍ حادة قائلاً: (.. ونحنُ نعرفُ هذا!.. سنرافق جثمانَ الجدةِ إلى مثواها الأخير، وأتمنى لو كنتُ إلى جانبها الآن في موتها. الصهاينةُ يحرموننا من كلِّ شيء، حتَّى من الهواء النقي، وأنتَ يا أستاذُ، تريدُ أنْ تحرمَني من  أن أودِّعَ إنساناً رأيتُ فيه أمي وأبي.. رأيتُ فيه أحلامي! شممتُ فيه روحَ جدِّي.. فإمَّا أن تأخذَنا ـ وأكَّدت على كلمة "تأخذنا" غيرَ مرَّة ـ.. وإمَّا لن تراني أبداً..). وافقَ الأستاذُ ماجد على مَضَضٍ، ولكنَّ وجهه أصبحَ أصفرَ كليمونةٍ وهو يقولُ بلهجةٍ تُعَبِّرُ عن عجزِهِ: (لا حَوْلَ ولا قوةَ إلاَّ باللهِ..). وعادَ للتفكيرِ ثانيةً ومنظرُهُ يوحي بأنه في مأزقٍ صعبٍ. لا شكَّ أنَّهُ كان يبحثُ عن مخرجٍ مناسبٍ من هذا المأزقِ. أخيراً وضعَ ساعدَهُ على كتفيَّ وقالَ بصوتٍ يختنقُ ألماً: (يا أحمد ستكون عبأً كبيرا علينا.. وأنت تُحمِّلُني مسؤوليةً كبيرةً). أشحتُ بوجهي عنهُ وأنا ابكي بحرقةٍ وألمٍ شديدين. شعرتُ بصدري يتمزقُ من شدَّةِ البكاءِ. عندئذٍ عانقني وهو يقولُ مَطَمْئناً: (حَسَنٌ.. سآخذكم.. هذا وعدٌ.. سأعود صباحاً). قاطعته ُبإصرار: (الآنَ!..) شعرتُ أنَّه استعادَ شجاعتَه وهو يقولُ: (الآنَ! ـ كما تأمرون.. هيَّا بنا..). وسرتُ خلفَهُ وأشرتُ لمهيار وعيسى أن يتبعاني. وصلنا إلى منزلِ الجدةِ بعدَ أكثر من ساعتين، سيراً على الأقدامِ. سرنا في الشوارعِ البعيدةِ عن دورياتِ الجنودِ الصهاينةِ، عبرَ الأماكن المظلمة. وكانتْ الأنوارُ الكاشفةُ تطاردُنا من مكان إلى آخرَ.. لكنَّ الأستاذَ كان حاذقاً في التخفي والابتعاد عنها. دخلنا إلى غرفة كبيرة؛ كانتِ الجدةُ راقدة فيها يحيطها عددٌ من النساء والرجال، ينصتون إلى قارئ شابٍ، يتلو آيات من القرآن الكريم، على ضوءِ فانوس قديم. جلسنا جميعاً ننصتُ إلى المقرئ، وأنا أحدِّق إلى الجدةِ المزمَّلة بأغطية الموتِ. بدأ صوتُها يعلو ويصلُ إلي ويناديني. اختلطَ صوتُها بأصواتِ انفجاراتٍ حادةٍ تأتي من بعيد وتقتربُ منَّا أكثرَ فأكثرَ. ارتجَّتِ الأرضُ تحتنا غير مرة. أنظرُ إلى مهيار وعيسى. كأنَّنا أصبحنا دمى محنَّطَةً. أينَ هي دموعُ الحزنِ والأسى على فراقِ الجدةِ؟؟ يبدو أن روحَها ترفُّ بارتياحٍ فوقنا، سعيدةً بالتفافنا حولها. لم نقبلْ دعوةَ الأستاذ لنا بالنومِ حتى الصباحَ. كنَّا نَنْصُتُ إلى كلِّ كلمة تصلُ إلينا من القارئ.. وأنا أتصورُ الجدةَ تنصتُ معنا بخشوعٍ. كانتْ مشاعرُ الفخرِ تملأُ فضاءَ الغرفةِ، وتبعدُ عنَّا التعبَ، وتشيعُ الدفءَ، وتخفِّفُ من ألم أحزانِ الفراقِ. ولمْ يشتدُّ ألمُ الحزنِ إلاّ عندما حملَ الرجالُ نعشَ الجدَّةِ وسرنا به، ونحن نكبِّرُ. لمْ أنتبه إلى العدد الكبير من المشيعين إلاَّ بعدَ أن تعالتْ التكبيراتُ، تَتَرَدَّدُ في الفضاء. كانتْ دموعي تنهمرُ بغزارةٍ وتمنعني من مشاركة المشيعين بالتكبير. في الطريقِ اعترضتنا عصابة منَ الجنودِ الصهاينة؛ أحاطونا من كلِّ الجهات، شاهرين أسلحتهم الرشاشة، وأجبروا المشيعين على التوقفِ، وإنزالِ النعش على الأرض. زعقَ قائدهم ككلبٍِ مسعورٍ: (تفتيش!!). تقدَّمَ الأستاذُ من قائدهم محتجاً: (.. ولماذا التفتيش؟؟ ألا ترون إننا نحمـ..) رفع قائدهم يدَهُ إلى الأعلى آمراً: (..تفتيش يعني تفتيش!). انفجر الأستاذُ ماجد غاضباً: (.. ألستم بشراً؟؟ ماذا تريدون؟؟ ألا تستحون؟؟.. ألا..) وقبلَ أنْ يكملَ جملته الأخيرة، هجمَ عليه أحد الجنودِ وضربه بالهراوة على رأسه عدةَ ضربات. وقعَ الأستاذُ على الأرضِ مضرَّجاً بدمائه. لا أدري كيفَ هجمنا نحن الثلاثةُ ـ عيسى، مهيار وأنا ـ على الجنودِ الصهاينة، في معركةٍ شرسة، اختلطَ فيها الحابلُ بالنابلِ. رأيتُ مهيار يشتبك ويصارعُ أحدَ الجنودِ الصهاينة. ورأيتُ كيفَ ضربَ أحدُ الصهاينة مهيارا بأخمصِ البندقية على رأسه. ولم أصحُ إلاَّ وأنا في المشفى، معصوبَ الرأسِ، ويدي ملفوفةٌ بالشاش، لا أقوى على تحريكها. كان جسمي يتمزَّقُ من الألم. أين الأستاذ ماجد؟؟ أين مهيار؟؟ وأين عسى؟؟ ماذا جرى للجدَّةِ؟؟ كيفَ دُفِنَتْ؟؟ وماذا جرى بعد معركتنا مع الجنود الصهاينة؟؟ من يجيبني عن هذه الأسئلة وأنا في مثل هذه الحالة؟؟ لا أدري! لكنَّ السؤالَ الأهم: كيفَ وصلتُ إلى هذا المكان، ومنذُ متى؟؟. يدخلُ الأستاذُ ماجد. يعانقني ويقبلني. أشعرُ أنه يعيدني من الموتِ إلى الحياة. لا أدري كيف اختلطتْ دموعُ الفرحِ بدموعِ الأسى والحزْنِ والألمِ. أطيرُ.. وكأنَّني أعانقُ جدِّي وأدخلُ روضةً، لا أحلى ولا أجملَ، وأذوبُ في روحِهِ غمامةً، تهطلُ مطراً غزيراً فوق حقلٍ أخضرً، لا تحدُّهُ حدودٌ..

 

$ ' $

 


 

إلى أين

 

ودَّعني الأُستاذُ ماجد وتركني في المشفى. لمْ أسألْهُ سؤالاً واحداً منِ الأسئلة التي تغلي في قلبي، وتحرقُ صدري، وتملأُ روحي خوفاً مريراً. لمْ أسأله، أينَ مهيار؟ أين عيسى؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ كان وجهُهُ متورماً، تختلط فيه الألوانُ الحمراء بالزرقاء، وعيناهُ مُنْتفختين، وصوتُه يكادُ لا يخرجُ إلاَّ مخنوقاً مبحوحاً، ومجروحاً تسيل منه الآلام بغزارة حادة. المشفى، مكتظة بالجرحى المرضى، وأنا مستلقٍ في غرفة كبيرة، أمام الباب الرئيس، أشاهدُ الداخلَ والخارجَ. رائحةُ الأدوية تثير القشعريرة في النفس. كأننِّي مُعلَّقٌ فوقَ فوهة بركان لا أرى إلاَّ الجدَّةَ تطيرُ إليَّ بأجنحة واسعة تأخذني كما تأخذ الأمُّ وليدَها، لتسبحَ بي في فضاء مطرَّز بغيوم ملونة بأجمل الألوان. أطوف معها حقولاً ورياضاً، نعانقُ الأشجارَ، ونرقصُ مع الطيور، ونجري مع الأنهار، كأسراب القطا في يوم ربيعي ساحر.. ثم نمضي، نتقافزُ على رؤوس أمواج عالية، برشاقة وحيوية، في بحر أزرقَ، ونغوصُ في أعماقه، نُداعبُ الأسماكَ الملوَّنة بألوان قَوْس قزح. ما أجملَ الدلافين تداعبني؟!.. أقفُ على رأس واحد منها؛ يقفزُ بي إلى الأعلى. أكادُ ألمسُ النجومَ بيدي، وهي تمرحُ فوقَ شفتي الجدة. يا جدَّتي الحبيبة فسِّري لي أحلامَ نومي ويقظتي. فسرِّي لي أحلامَ حنيني وآلامي. ها أنا استمع إليكِ بكلِّ جوارحي. ويدخلُ كلُّ حرف منكِ، نوراً في روحي. من قالَ أنكِ متِّ؟؟ أنت تنبضين في دمي، وتبزغين في روحي شمساً من الأمل، تبدِّدُ آلامي وأحزاني. ما أصعب الجلوس على فراش المرض، تكبلكَ الجراحُ، تمنعكَ من  الحركة، وأنتَ تجمعُ وتطرَحُ وتقسِّمُ دقائقَ الزمن، وهي تعضُّكَ بأنيابها الصَّقيعية الباردة... ولا دواء إلاَّ نجومٌ تتلألأ في فضاء الروح، تحكي لكَ حكايات بديعةً، تقودكَ إلى ينابيع الحياة، لتشرب منها، وتروي حقولَ أفكارك وأحلامك، وتغسل عنكَ غبارَ الآلام والأحزان. من قالَ أنَّكِ متِّ أيَّتُها الجدةُ الحبيبةُ؟؟.. والأبطالُ لا يموتون، بلْ همْ أحياءٌ في قلوبنا؛ وفي ينابيع حياتنا. لولاهم لكانت الحياة صحراء قاحلة.همُ الأبطالُ، يزرعون أرواحنا الجرداءَ، بأجمل البساتين والرياض؛ وهم الذين يحرسونها من  اللصوص والأشرار. وأنتِ أيَّتها الجدَّةُ نبع ٌ من ينابيع الأبطال. إذا متِّ، جفَّ نبع حياتنا، وتحوَّلتِ الأرضُ إلى سعير. ها أنتِ أمامي، حقيقةً، أشدُّ سطوعاً من الشمس والنجوم، وأبهى من بدور، تذوبُ في أحضانِ شجرة حالمةٍ، تُهَدْهِدُ ثمارها بأغنية عذبة تقول كلماتها: (سيأتينا الضيوف/ من أماكنَ بعيدةٍ/ يصحبونَ أطفالهم/ في قلوبهم أمنياتٌ وأحلامٌ/ يتقافزون حولي/ يغنون للفراشات والعصافيرِ/ أجملَ الأغاني/ فأشربُ من أفراحهم/ وأرتوي/ وأسقيكم معي/ أعذبَ الشراب/ فتغنِّي لهمُ الأغصانُ/ كلوا من ثماري ما لذَّ وطاب/ حتى نكونَ من خيرة الأحبابِ والأصحابِ/. لكنَّ الأشجارَ تخافُ من التنِّينِ ومخالبهِ الشرِّيرة. فللتنين رؤوسٌ عديدةٌ. تنفثُ ناراً، تحرقُ الأخضرَ واليابسَ. وللتنّين مخالبُ طويلةُ، كأنَّها الأفاعي الهائجة في الرمْضاءِ، بأفواهٍ مرعبةٍ، تطلقُ سمومَها، كما تطلق المدافعُ قذائفها المدمِّرةَ. أسألُ الجدَّةَ ـ زوجةَ رفيقِ عزِّ الدين القسَّام: (كيفَ نحمي أشجارَنا من سعير التنانين؟ كيفَ نصونُ مروجنا الخضراءَ من سمومها؟؟ كيفَ ندافعُ عن أفراحِ الأشجارِ؟؟..). يَنْفَتِحُ أمامي أفقٌ واسعٌ، يتراقصُ فيه الحَمامُ بنشوةٍ ومرحٍ، يَحْجُبُ عنِّي الجدَّةَ إلاَّ وجْهَها وابتسامتها التي كانت تتراقصُ وتميلُ كما يتراقصُ البدرُ ويميلُ، بين أغصانٍ تتنهدُ بثمارها؛ عشقاً وشوقاً، إلى لقاء الأحبة الأوفياء، لتفتح أمامهم موائد الجودِ والكرمِ والعطاءِ.

انفجارٌ شديدٌ، يُخرجني من أحلامي، كما يُخرجُ الصيَّادُ السمكةَ من ملاعبِ أفراحها، ليضعَها على ترابٍ حارقٍ. انفجارٌ آخر يحطِّمُ النوافذَ الأمامية للمشفى. يقتحمُ المشفى خمسةُ جنود، يبحثون عن شيء، يتقدَّمهم صراخُهم. يقفُ طبيبٌ كهلٌ، يحاولُ منعهمْ من التقدُّم. يلغطون بكلماتٍ وَسِخَةً. يصرخُ في وجههم. تنفجرُ معركةٌ بين الطبيبِ والجنودِ الصهاينة. تتحول المشفى إلى ساحة لمعركة بين طبيبٍ أعزلَ، يقاتلُ جنوداً مسلحين بالهراوات والبنادق، قلوبهم من حديد، تغلي بالحقد والكراهية. لم أصدَّقُْ عينيَّ، كيفَ تحوَّلَ هذا الطبيبُ الكهلُ النحيفُ، إلى أسدٍ هَصورٍ. يحاول الجنود الصهاينة الخمسة، بكلِّ ما يملكون من قوة، الإمساكَ بالطبيب.. تذهب محاولاتهم في مهب الريح. رأيتُ كيفَ رفعَ الطبيبُ أحدَ الجنود الصهاينة وقذفَ به؛ فارتطَمَ بالجدارِ ويهوي على الأرضِ، دون حركة. وتابعتُ وأنا في قمة ِالفرحِ، كيفَ أخَذَ الطبيبُ الجنديَ الصهيونيَ الثاني وقذفَ به.. ورأيتُهُ كيف أرتفعَ فوقي وهوى. سكنتْ آلامي. كأني غطستُ في مياهٍ دافئةٍ، وبدأت أتهادى في مملكة النومٍ، وأتأرجحُ، كدُميةٍ في نهرٍ، طافَ بعد ذوبان الثلوج. إلى أين أمضي؟؟ من يعيدني إلى مدرستي، لألعبَ مع مهيار وعيسى، لعبة (عسكر وحرامية)؟؟ من يأخذني إلى قبرِ أمِّي، أكحِّلُ عيني بترابه. أين قبرُ أمِّي؟؟ لا أعرفُ. أخافُ أن تُدَنِّسَهُ رائحةُ صهيوني أرعن آثم! آهٍ من هذا الخوف الذي يطاردنا في كل مكان، كما تطاردُ الأمراضُ الخبيثةُ الماكرةُ أكبادَ البشر. يقذفُ بي النهر إلى صخرة. تعودُ إلى الآلام بقسوة. أصرخُ. أستغيثُ: (ماما!!.. ماما!!) أفتحُ عينيَّ. امرأة ـ تقفُ أمامَ سريري، تجفِّفُ جبهتي وتمسحُ وجهي بمنديل أبيضَ. هل عادتْ أمِّي إلى الحياة أمْ أنني انتقلتُ إليها؟؟ تقدِّمُ لي المرأة كأسا ًوتساعدني لأشربَ. تطفئ الماءُ ناراً في أحشائي. أصحو. أحدِّقُ إلى المرأةِ. إنََّها حاملٌ. أراها تتألمُ، وتقع على الأرض. تتغلبُ على ضعفها وتنهضُ. تحاول السيرَ. تظهرُ عربةٌ صغيرة توزِّع الطعام. يا إلهي! لا أذكرُ آخرَ وجبة طعام تناولتها. تساعدني ممرضةٌ على تناول وجبة طعامي وهي تطمئنني على تحسن وضعي الصحي. يدخل الأستاذ ماجد. يعانقني. يسألني: (لماذا ثيابك مبلولة؟؟). أجبتهُ مازحاً بمرحٍ: (كنتُ ألعبُ تحتَ المطر....)

 

sss


 

 

عزُّ الدين ومريم

أيقظني صوتٌ ملائكيُ لطفلٍ وليدٍ, نَسَيتُ في البداية أنني في المشفى، مكسورُ اليَدِ، مُضَعْضَعُ الجسمِ. حاولتُ النهوضَ. أحبطَ الألمُ محاولتي. أدرتُ رأسي، فرأيتُ وليداً على يميني، يَتَمَلْمَلُ في مَهدِه. وآخرَ، يَتَنَهَّدُ مُغَرِّداً بصوتٍ ملائكي عَذْبٍ: (غا! غا!) ـ هلْ أنا في حلمٍ؟؟. كانتْ الساعةُ السادسةُ صباحاً. صوتُ المطرِ يصلُ إلى مَسْمَعي، لحناً بديعاً. يا إلهي! ما أجملَ الحياة! مطرٌ ينعشُ الروحَ، وتَغْريدُ طفلٍ وليدٍ. هَدْهَدَتْني أصابعُ الفرحِ، وراحتْ تعزفُ عل صدري أنغاماً، طهَّرتني من الألم والأحزانِ. كلُّ ما أتمناهُ أنْ آخذَ هذين الطفلين، على عَرَبَةٍ صغيرةٍ، وأدورُ مَعَهُما في نُزْهةٍ قصيرةٍ، بينَ الأزهارِ والأشجارِ؛ تحومُ حَوْلنا الطيورُ، منْ كلِّ حدبٍ وصَوْبٍ. ستأتينا العصافيرُ من أماكنَ بعيدةٍ. فقدْ أخبَرَني جدِّي أنّ الطيورَ تَعْشَقُ أصواتَ الأطفالِ، وتَحِنُّ إليها وتَسْمَعُها من أماكن بعيدة. آهٍ يا جدي! خذْ هذين الوليدين في أحضانكَ، وعمِّدْهما بأنفاسِكَ الطاهرة وبشِّرْهُما بأيَّامٍ حلوةٍ، وبشِّرِ الطيورَ والغيومَ والبحارَ بهما. آهٍ يا جدي! لو فارقني نورُ عينيكَ، طَرْفَةَ عَينٍ، لَخَنَقَني الظلامُ والبردُ والألمُ. كأنَّكَ الآنَ إلى جانبي وأنا طفلٌ وليدٌ، تنظرُ إليَّ... تهطلُ دمعةُ فَرَحٍ من عينكَ على خدِّي. ارتعشُ كعصفورٍ بَلَّلَهُ القَطْرُ. تهطلُ دمعة أخرى، فأطيرُ في سماءِ عينيك، وأغيبُ في الأفُقِ البعيدِ. لا تَقُلْ لي أني كنتُ في اليوم الأوَّلِ من عمري، لمْ أفقسٍ من البيضةِ بعدْ، ولا أميِّزُ الألفَ من العصا. هلْ نسيتَ أني حفيدُكَ.. والفَصيحُ من البيضةِ يصيحُ. أنظرُ، يا جدي إلى هذين الوليدين، وأصغي إلى حوارهما ـ يغرِّدُ مَنْ على يميني فيُجيبهُ منْ على يساري. إنَّهُما يناديان جَدَّيْهُما، ليبارِكا ميلادِهِما، ويتمنيا لهما حياةً سعيدة. تُرى أينَ جدُّاهما الآن؟؟ أينَ والدهما؟؟.... رعودٌ وبرْقٌ ومطرٌ غزيرٌ. ازدادتْ الحركةُ في المشفى. اقتربتْ عربةُ الطعامِ. حيَّتني المُمَرِضةُ نور ـ التي تساعدُني على تناوِل طعامي ـ بابتسامةٍ مشرقةٍ، وراحتْ تداعبُ الوليدين بمرَحٍ دافقٍ. كانَ الوليدان ينظران إلى نور، ويتابعان حركاتها بشيء من الدَهْشَةِ والفَرَحِ. قالتْ نورٌ: (وُلِدا بالأمس. توأمان. بنتٌ وَوَلَدٌ.. سبحانَ الله! قمران. اللهمَّ صل على النبي...) تذكرتُ تلك المرأةَ الحاملَ،التي رأيتُها، تَمْسَحُ العَرَقَ عنْ وَجْهي، وتَعْتَني بي في الليلةِ الماضيةِ. كانتْ نور تذوبُ مَرَحاً وسعادةً وهي تداعِبْهُما. قلتُ لها: (ظننتُهُما وَلَدَيْكِ..). شَهقتْ الممرضةُ نورٌ بفخرٍ: (كلُّنا أهلٌ. كلُّكُم أبنائي. والله كأني أنا التي وَلَدْتُهما...) سألتُها بفضولٍ: (كمْ ولد عندك، سلَّمهمْ الله؟؟). قالتْ وهي تَتَأمَّلُني بفرحٍ: (عندي ولدٌ بعمركَ ـ وَرَفَعَتْ يديها إلى الأعلى وهَتَفَتْ بلهفةٍ من  أعماقِ قلبها ـ وفَّقَكُم الله وأطالَ أعمارَكم، ونصرَكُمْ على الأوغادِ الصهاينة!!. يا رب!!). لم أكنْ أشعرُ بأيَّةِ رغبةٍ في الطعامِ، وقد زادتْ رغبتي في الاسْتِماعِ إلى المُمَرِضةِ نور. سألتُها: (فقطْ؟! ولدٌ واحد؟؟). تناولتْ طَبَقَ الطعامِ وملأتْ الملعقةَ، ودسَّتهْا برفْقٍ في فَمي وهي تتابعُ كلامَها، دونَ أن تريني عينيها، وقالتْ بفخرٍ يختلطُ بألم وأسى: (أنا أمٌ لشهيدين.. الحمد لله على كَرَمِهِ..) جاءتْ ممرضةٌ شابةٌ، وأخذتْ الوليدَ الأوَّلَ، بعد أن اعتذرتْ مني: (.. لمْ نجدْ مكاناً أكثرَ أمانا، نضعُ الوليدين فيه، إلاَّ عندك. الحمدُ لله. عادتْ أمُّهما لوعيها وصحتها. سآخذهما.. لترضعهما.).هتفتْ نور: (إن شاء الله، ألف صحة!). لم تُتِحْ الممرضةُ نور لي فرصةً لتوجيه الأسئلة ومتابعة الحديثِ معها، وهي تدعو لي بالشفاءِ والصحة. جاءتْ الممرضةُ الشابةُ وأخذتْ الوليدَ الثاني. تصورتُ المشهد وكأنِّي أراهُ بعيني ـ كيفَ ترى الأمُ وليدَها أوَّلَ مرة؟ وما هو طَعْمُ قُبْلةِ الأمِّ الأولى، على ثَغْرِ وليدِها، بعدَ حَمْلٍ طويلٍ وعذابٍ مَريرٍ، ومخاضٍ أليمٍ، قدْ تدفَعُ الأمُّ حياتها ثمناً له؟؟. رحمكِ الله يا أمِّي، وطيَّبَ ثراكِ.

رأيتُ الأستاذَ ماجد أمامي. اقتربَ وراحَ يمسحُ دموعي بصمتٍ. ثم جلسَ إلى جانبي يسألُني مشجعاً: (خيرٌ! خيرٌ!.. أعرفُ أنَّك اشتقتَ إلي..) كانتْ العَبَراتُ تمنعني من الترحيبِ بالأستاذِ ماجد. إنَّه يُدركُ أنَّ كلَّ طفلٍ في فلسطين، يحملُ في قلبه جراحاً لا حَصْرَ لها. جراحٌ تَنْزِفُ وتئن، وتصرخُ، وتستجيرُ، وتَحلُمُ، وتغنِّي! نعمْ! جراحي تُغَنِّي! وترقُصُ؛ تحاولُ أنْ تَقْفِزَ فوقَ آلامها وأحزانها. قلتُ وأنا أبكي بمرارة: (أبكي.. من جراحي.. من... أبكي على.. أمي.. و.. جـ..د..ي..) شعرتُ بالمرارة تلمعُ في عين الأستاذ. كانَ يمسحُ دموعي وهو غارقٌ في صَمْتٍ عميق. كأنَّه كان يسبحُ في بحرِ دموعي، يبحثُ في الأعماق، عن أسرارٍ دفينةٍ، وهو يقرأ حكايةً طويلةً لأطفالٍ يحلمونَ بربيعٍ دافئ. سألني بودٍّ: (منذُ متى وأنتَ تبكي يا أحمد؟). أجبتُ بعفوية: (لم أبكِ في حياتي قطْ!). سألَ بتحدٍ: (وما هذه الدموعُ من عينيكَ، تسيلُ نهراً على خديكَ وتجري على نَحْرِك وصدرِك؟!). قلتُ وقد فاضَ قلبي فرحاً وحبوراً: (هذه دموعُ حبي لأمي وأشواقي إليها... دموعُ حنيني لجدِّي.. دموعُ فرحي بميلاد طفلين توأمين.. جميلين..).. هكذا بَرَّرْتُ بكائي.. ثم قَصَصْتُ عليه قصةَ التوأمين.. وقبلَ أن أُنهي قصتي، وصلتْ الأمُّ، وهي تحملُ طفليها التوأمين. حيَّتنا، ثم وضعتْ واحداً على يميني والآخر على يساري، وقالتْ: (لم نسمِّها بعد. اخترْ لهما الاسمِ الذي يعجبك.). نظرتُ إلى أستاذي، راجياً أن يحملَ عنِّي شرفَ هذه المهمة. أشارَ بسُبابته مُعْتّذِرا، مؤكِّداً: (من فمكَ أحلى يا احمد.. ومنكمْ الخيرُ والبركةُ.). هَتَفْتُ: (عزُّ الدين!). تيمنا وإعجابا بشيخِ المجاهدين وإمامهم ـ القسَّام. ومريم! تخليداً لذكرى الجدَّة ـ زوجةِ رفيقه في النضال.. وأعني جدةَ أستاذي الحبيبِ ماجد.

????


 

 

حبيبتي جبلة

 

عشتُ أيَّاماً رائعةً مع صديقيَّ الجديدين التوأمين ـ عزُّ الدين ومريم. ناما إلى جانبي ساعات طويلة. لا أصدِّقُ عيني أنَّ عمرهُما لا يزيدُ عن أسبوع واحدٍ، حينَ كنتُ أسمعُ صوتَهما وأرى تعابيرَ وجْهَيْهِما. لمْ أرَ قريباً لهما إلاَّ أمَّهما ـ الخالة، أم حسام. ثم جاءتْ لحظةُ الوداع القاسية. غادرتْ الخالةُ ضياء المشفى، مع صديقيَّ الحبيبين، وبقيتُ مقيَّداً إلى سريري، بيدي المكسورة وجسمي الضعيفِ ـ المُضَعْضَعِ. حاصرني خوفٌ شديد قاسٍ، وأنا أفكِّرُ: (إلى أينَ تمضي هذه المرأةُ بتوءميها، بلا معين أو مساعد؟؟). لماذا لمْ تودِّعَني؟؟. حملتْ توءميها وهي تقول: (ألقاكمْ بخيرٍ وعافية.. السلامُ عليكم..). ومضتْ، إلى عالم محفوفٍ بالمخاطِرِ. لا شكَّ في أنها تكرهُ لحظةَ الوداع، وقد لا تتحمل مرارتها. كانت تغمرني بحنانها، في كل خطوة.. وكلِّ حركةٍ. كانتْ تهتمُ بي أكثرَ من اهتمامِها بوليديها... وفجأةً، يمضي هذا الملاكُ، بوداع فاترٍ. رافقتكِ السلامةُ أيَّتها الخالةُ الحبيبةُ ـ أيَّتُها الأمُّ الملاكُ... حماكِ اللهُ من الأشرارِ الصهاينة، وأنتِ تمضينَ إلى بيتكِ، مع شقيقَيْ روحي ـ عزُّ الدين ومريم. تُرى هل نلتقي ثانيةً؟؟.. ومتى..؟؟.. أهٍ كمْ أتمنى أن أرافقكِ إلى مدينتك؛ أو قريتك، لأراها وأتعرَّفها. فمن يدري، قد يصبحُ عزُّ الدين، قائداً كبيراً، يُكتبُ عنهُ في التاريخِ: (عزُّ الدين الثاني ـ الذي هزَم الصهاينةَ الأشرارَ في معركة كذا وكذا. وُلدَ في الخامس من كانون الثاني عام 2002 / في إحدى مشافي فلسطينَ العربية. وقدْ أطلقَ عليه ابنُ شهيدٍ، اسمهُ أحمد، اسمَ عزِّ الدين، لأنَّهُ يحبُّ عزَّ الدين القسَّام، ويعتبرُه مَثَلَهُ الأعلى. سنحققُ هذا الهدفَ العظيمَ، وسننتصرُ على الصهاينة الأشرار؛ عاجلاً، أم آجلاً