|
لعب و جد و طفولة
ماما
التقى
فرخا دجاجة، في باحة أمام القن، وراحا يلعبان سوية. وفجأة أبصرا قطة، تقبل مسرعة
نحوهما.
صاح الأول: "ماما".
وتمتم الثاني مذهولاً: "ماما!".
وكالسهم أقبلت الدجاجة، وقد تملكها الغضب، وتصدت للقطة، وأجبرتها
على الفرار.
أسرع الأول إلى الدجاجة، يصيح فرحاً: "ماما".
ووقف الثاني مذهولاً، فهو لم يعرف إلى الآن ما تعنيه كلمة "ماما".
وكيف يعرف ذلك، وقد فقس منذ ثلاثة أيام فقط، في مفرخة كهربائية؟
¯¯¯
"2"
الأسد العجوز
ضعف أسد، وتقدم به العمر، حتى عجز عن الصيد، وأضرّ به الجوع.
وذات يوم، مرّ بضبع عجوز، يأكل من بقايا فريسة، عافها أسد فتيّ.
فنظر إليه الضبع العجوز، وقال: "تفضل يا مولاي، الطعام وفير".
وتوقف الأسد لحظة، ورمق الضبع العجوز بغضب مشوب بالمرارة. فأطرق
الضبع العجوز برأسه، وقال: "آسف، يا مولاي، ظننت أن بك حاجة إلى بعض الطعام".
ورفع الأسد العجوز رأسه، ومضى متحاملاً على نفسه، من غير أن يلتفت
إلى شيء.
¯¯¯
"3"
أعترف.. لا أعترف
مسكينة الحمامة، ستحزن كثيراً، حين تعلم أنّ إحدى بيوضها قد سقطت من
العش وانكسرت. سأعترف بأنني السبب، لكنها قد لا تتفهمني، وتشكوني لأمي، و.. لا، لن
أعترف، سأقول لها: إن الريح دفعتها من العش، و.. لا.. لن تصدق هذا، سأقول لها: إن
البلبل هو..، لن تصدق هذا أيضاً، إن البلبل معروف بهدوئه، وتصرفه العاقل. وجدتها،
سأقول لها: إنه الغراب، نعم الغراب، إن الجميع يعرفون أنه عدواني.. ومخرب.. و..
آه.. لن أكون عندئذ عصفوراً صغيراً، بل غراباً، وأي غراب. يا للفضول اللعين، لقد
أردت أن أتفحص البيضة، وأحتضنها، فانزلقت مني، و.. فلأعترف.. لعلي أبقى عصفوراً.
¯¯¯
"4"
دجّ العواصـف
مثلما يعوي قطيع من الذئاب، راحت العاصفة تعوي. وقبع العصفور الصغير
مرتجفاً تحت جناح أمه.
وارتفع خلال العاصفة تغريد طائر، فأطل العصفور الصغير برأسه، من تحت
جناح أمه، وقال: "ماما، اسمعي، هناك طائر يغرد".
فقالت الأم: "هذا دجّ العواصف، وتغريده يرتفع كلما ارتفع عواء
العاصفة".
فخرج العصفور الصغير من تحت جناح أمه، وأصغى إلى تغريد الدجّ ملياً،
ثم قال: "لتعوِ العاصفة، فلن يخيفنا عواؤها، ما دام بيننا مثل هذا.. الدجّ".
¯¯¯
كان صوصو وبطبط وكتكوت يلعبون قرب شاطئ النهر، حين فاجأتهم الأفعى.
فطار صوصو، ولاذ بأقرب شجرة.
وأسرع بطبط، ولاذ بماء النهر.
وبقي كتكوت وحده، وصاح مستغيثاً: "النجدة".
وعلى الفور، أقبل القنفذ مسرعاً، وقد أشرع أشواكه الحادة.
وما إن رأته الأفعى حتى تركت كتكوت ولاذت بالفرار.
وعندئذ نزل صوصو عن الشجرة، وخرج بطبط من النهر، وتقدما خجلين من
كتكوت.
وغمز كتكوت للقنفذ، ثم قال: "لا عليكما، فقد لاذ أحدكما بالشجرة،
ولاذ الآخر بالنهر، أما أنا فقد لذت بصديقي.. القنفذ".
¯¯¯
"6"
المــلك والبــلبـــل
أمر الملك حرسه: "هاتوا البلبل".
فأسرع الحرس، وجاؤوا بالبلبل.
واستدعى الملك الصائغ، وأمره: "اصنع قفصاً من ذهب".
فصنع الصائغ القفص، وقدمه للملك.
وأمر الملك وزيره: "ضع البلبل داخل القفص".
وانحنى الوزير، وقال: "أمر مولاي".
ثم وضع البلبل داخل القفص.
عندئذ وقف الملك وسط حاشيته، وأمر البلبل: "غرد".
وكم كانت دهشة الملك عظيمة، عندما لم ينفذ البلبل الأمر، وظلّ
صامتاً داخل القفص.
¯¯¯
"7"
وللبلبل أيضاً فائدته
كلما رأى البلبل كائناً مفيداً، تذكر أنه كائن لا فائدة فيه.
وذات يوم، وقف حزيناً على غصن شجرة، وبدأ يغرد. وحين انتهى من
تغريده، رأى الأرنب، والسنجاب، والقنفذ، يصغون إليه.
قال الأرنب: "ما أجمل صوتك".
وقال السنجاب: "لقد أفرحنا تغريدك".
وقال القنفذ: "أرجوك يا صديقي، غرد ثانية وأفرحنا".
وفرح البلبل، فها هو أخيراً يعرف فائدته. وفتح فمه، وأخذ يغرد من
جديد.
¯¯¯
"8"
مجــرد حـكايـــــة
جلست النملات الصغيرات في ضوء القمر يستمعن إلى صرصار يغني.
تنهدت نميلة، وقالت: "يا للأغنية الحزينة".
ونهرها نميل قائلاً: "اسكتي، دعينا نسمع".
وتمتمت نملة: "لعله يغني الصيف الراحل".
وتململ نميل متذمراً، ورفعت نملة رأسها، وقالت: "هناك حكاية تقول،
إن الصرصار لجأ في ليلة شتاء باردة إلى نملة، فلم تفتح له الباب، و..".
وبصوت واحد، صاحت أكثر من نملة: "هذه حكاية لا أكثر..".

"9"
العصفور والغراب
احتل الغراب عش العصفور، وطرده بعيداً عنه. ومضى العصفور حزيناً،
منكسراً، يبحث عن مكان، يبني فيه عشه.
ورآه البلبل، وعرف بالأمر، فقال: "أنت مخطئ، ليس الحل أن تبني عشاً
جديداً".
وأدرك العصفور ما يرمي إليه، فتنهد، وقال: "من الصعب أن أستعيد عشي،
إن الغراب أقوى مني".
فرد البلبل قائلاً: "لكن عشرة عصافير أقوى من الغراب".
في اليوم التالي، فوجئ الغراب بأكثر من مئة عصفور.. ينقضون عليه،
فترك عش العصفور، وولى هارباً.
¯¯¯
"10"
الشــــبل والضبـــــع
عاد الشبل، قبيل المساء، من جولته في الغابة، ولاحظت اللبوة جرحاً
ينز دماً، فوق وجنته. فتفحصت الجرح، وقالت: "يبدو أنك تقاتلت مرة أخرى، يا بني".
فرد الشبل متفاخراً: "قاتلت ضبعاً أكبر مني، وأثخنته بالجراح".
ومسحت اللبوة الدماء من حول جرحه، وقالت: "سيفرح أبوك، إذا عرف أنك
قاتلت الضبع لسبب يوجب القتال".
وقال الشبل بحماسة: "قاتلته لأنه أراد أن يستأثر ببقايا حمار وحشي،
تركها أحد الأسود".
فأشاحت اللبوة عنه بوجهها، وقالت: "لن يفرح أبوك إذن".
¯¯¯
"11"
قائدة الســـرب
حطت البطة، فوق البحيرة، قلقة، ومعها حطّ سرب البط. وانهمك البط في
البحث عن الطعام، بينما اتجهت البطة نحو الشاطئ. ورأتها البطة العجوز، فأسرعت في
إثرها.
ووقفت البطة، فوق مرتفع، تتلفت حولها. واقتربت البطة العجوز منها،
وقالت: "لم أرَ هذه البحيرة في طريقنا، من قبل".
فردت البطة قائلة: "إنها بحيرة اصطناعية، ويبدو أنها أنشئت حديثاً".
وتنهدت البطة العجوز بارتياح، وقالت: "لا تقلقي إذن، نحن على الطريق
يا عزيزتي".
فقالت البطة: "لن أقلق كثيراً لو كنت وحدي، إنني أقود السرب، وعليّ
أن أصل به، في سلام، إلى بلاد الشمس".
¯¯¯
"12"
شــــجرة اللـــوز
حاول السنجاب العجوز، طوال سنين عديدة، أن ينسى شجرة اللوز، لكن بلا
جدوى.
ولجأ أخيراً إلى صديقه القندس، ورجاه قائلاً: "من فضلك، يا صديقي،
اقطع هذه الشجرة، وخلصني منها".
ونظر القندس إليه مستغرباً، فأطرق السنجاب العجوز رأسه، ولم يقل
شيئاً. وماذا يقول، وقد سرق بذرتها في شبابه من أحد السناجب، وخبأها في حفرة نسي
مكانها، فنبتت مع الربيع، وراحت تكبر.. وتكبر.. وتكبر؟
وعمل القندس أسنانه القوية بالشجرة، حتى قطعها، وألقاها جثة هامدة
على الأرض.
لم يشعر السنجاب العجوز بالراحة، ويبدو أنه لن يشعر بالراحة أبداً،
فقد ظلت شجرة اللوز حية في داخله، وظلت مع الزمن تكبر.. وتكبر.. وتكبر.
¯¯¯
"13"
دمــوع الفــــرح
ابتلت عينا العصفورة بالدموع، حين رأت بيضتها، الأولى تفقس. وأطل
العصفور من البيضة، وتطلع إلى أمه، وزقزق قائلاً: "ما الأمر، يا ماما؟".
وابتسمت العصفورة فرحة، وقالت من بين دموعها: "هذه دموع الفرح، يا
بنيّ، إنني فرحة بمولدك".
وهنا رأى العصفور الصغير قطرات لدمعة تذرفها الغيمة، فقال: "ها هي
الغيمة أيضاً تذرف دموع الفرح".
فضمته أمه ضاحكة إلى صدرها، وقالت: "أنت محق، يا بني، فهي فرحة
بآلاف الأزهار، التي ولدت حديثاً في الغابة".
¯¯¯
"14"
الســـنونو والعنقـــاء
أقبل السنونو على أمه مرة، وقال: "ماما، أريد أن أرى العنقاء".
وابتسمت أمه، وقالت: "هذا ما أردته أنا أيضاً، عندما كنت في عمرك".
فتساءل السنونو: "ورأيتها؟"
وردت أمه قائلة: "ابحث أنت عنها، لعلك تراها، أو ترى ما هو أهم
منها".
ومضى السنونو محلقاً، يبحث عن العنقاء، فوق السهول.. والتلال..
والجبال.. والغابات.. والمدن.. وبعد أشهر، عاد إلى أمه، فسألته: "هل رأيت العنقاء،
يا بني؟"
ورد السنونو مبتسماً: "رأيت ما هو أهم منها، يا ماما، رأيت العالم".
¯¯¯
"15"
البلبــل والــحدأة
بنى البلبل عشه بين أغصان شجرة زيتون، تطل على مسكن الخلد.
وذات مساء، سمع البلبل الخلد الصغير يقول لأمه: "ماما، سكن بلبل
شجرة الزيتون منذ أيام".
فقالت الأم مستغربة: "بلبل، يا للعجب، لم أسمعه يغرد، ولو مرة
واحدة".
ورد الخلد الصغير قائلاً: "قال لي إنه لا يغرد خوفاً من الحدأة".
فهزت الأم رأسها، وقالت: "البلبل الذي لا يغرد، يا بني، ليس ببلبل".
وفي أول الليل، سمع الخلد الصغير البلبل يغرد بأعلى صوته. فأسرع إلى
أمه، وقال: "ماما، اسمعي، البلبل يغرد".
فابتسمت الأم، وقالت: "آه، الآن تأكدت أنه بلبل.. بلبل حقيقي".
¯¯¯
"16"
عفواً ماما
جلست أنثى الطائر المقلد، في طرف العش، تصغي إلى مجموعة من البلابل،
تغرد على شجرة قريبة. وتمنت لو أن صغيرها معها، ليصغي هو الآخر إلى البلابل، ويتعلم
تغريدها.
ومن مكان قريب، ارتفع فجأة صوت يصيح: هو.. هو.. اوو".
وهبت البلابل متصارخة: "البومة".
وهزت أنثى الطائر المقلد رأسها،
دون أن تتحرك من مكانها، ثم صاحت:
"تعال يا صغيري، تعال".
وأقبل صغيرها ضاحكاً، لكنه كفّ عن الضحك، حين وجد أمه عابسة. فحط
إلى جانبها، وقال: "يبدو أنني أخطأت، عفواً ماما، لن أقلد صوت البومة ثانية".
¯¯¯
"17"
فراء دبدوب
مالت الشمس للمغيب، ودبدوب ما زال يتلكأ في العودة إلى البيت. لا بد
أن أمه ستعاقبه، فقد تبلل فراؤه، وتلوث بالأوحال. لتعاقبه أمه، نعم، لتعاقبه، لو أن
الخطأ خطأه. لقد سقط أرنوب في حفرة موحلة، وكاد أن يختنق، فمدّ يديه نحوه، واحتضنه،
و.. وتلوث فراؤه.
وحثّ دبدوب خطاه، سيصارح أمه بالحقيقة، قد تعفو عنه، وقد.. ومن
بعيد، رأى أم أرنوب تحدث أمه. آه لقد حانت ساعة العقاب، ولكن ما إن رأته أمه، حتى
فتحت لـه ذراعيها، واحتضنته، رغم فرائه الملوث، وقالت مهللة: "أهلاً بدبدوبي
البطل".

"18"
لنكن أصدقاء
فوجئت العصافير، ذات يوم، بكائن غريب، شائك، يدخل البستان، الذي
تعيش فيه.
وتوقف هذا الكائن، قرب شجرة التوت. ثم تلفت حوله، وقال: "سأبني بيتي
هنا".
والتمت العصافير حولـه، تحدق إليه قلقة، حائرة. فابتسم الكائن
الغريب، وقال: "أنا قنفذ، لنكن أصدقاء، ما رأيكم؟".
ولاذت العصافير بالصمت، فقال القنفذ: "أنا يا أصدقائي، حيوان لبون،
أقتات على الفئران والجرذان والأفاعي و..".
وهنا، وبصوت واحد، صاحت العصافير: "أهلاً بك".
¯¯¯
"19"
أبناء البيضة
انقض الثعلب مرة على حمامة، وكاد أن يمسك بها، لو لم يره الضفدع،
ويصيح بالحمامة محذراً: "أيتها الحمامة، اهربي، جاء الثعلب".
وهبت الحمامة هاربة، ووقفت فوق الشجرة فصاح الثعلب منفعلاً: "أنتم،
يا أبناء البيضة، كلكم جبناء".
فردت الحمامة قائلة: "لكن النسر والصقر والنعامة من البيضة".
وقال الضفدع: "وكذلك الديناصور".
فصاح الثعلب: "الديناصور انقرض".
وقال الضفدع: ها هو ابن عمه قادم".
وانشق النهر عن فم ضخم، أسنانه كالخناجر. فصرخ الثعلب، وهو يلوذ
بالفرار: "يا ويلتي، التمساح".
¯¯¯
"20"
العصفور الصغير والسلحفاة
منذ أيام، تعلم العصفور الصغير الطيران، وراح يخرج وحده، ويطير
فرحاً بين الأشجار.
وذات يوم، رأى سلحفاة صغيرة، تسير ببطء فوق شاطئ البحيرة. فأسرع
يرفرف حولها قائلاً: "يا لكِ من كائن بطيء، عاجز، مضحك، انظري إلي، إنني أسير،
وأطير، و.. مهلاً، لا تنزلي إلى البحيرة، مهلاً، مهلاً، ستغرقين".
لم تلتفت السلحفاة الصغيرة إليه، ومضت تغوص نحو الأعماق، حتى اختفت.
فوقف العصفور الصغير فوق إحدى الأشجار، المطلة على البحيرة، وقال: "يا لحمقي، لم
أعرف أن هذه السلحفاة تقدر على ما لا أقدر عليه".
¯¯¯
"21"
درس في مدرسة الأرانب
دفع أرنوب باب مدرسة الأرانب، واندفع إلى الداخل لاهثاً.
فقالت الأستاذة أرنبة للتلاميذ: "أيها الصغار، لقد ارتكب أرنوب الآن
عدة أخطاء، فما هي؟"
قال أرينب: "جاء متأخراً".
وقالت أرينبة: "ودخل بلا إذن".
وقالت أرينبة أخرى: "ولم يقل صباح الخير".
فصاح أرنوب لاهثاً: "ليس هذا وقته.. أصغوا.. جاء الثعلب..".
وفي الحال، لفته عاصفة من الغبار. وحين هدأت العاصفة، لم يجد أرنوب
أحداً حوله، فقال: "لم يدعوني أكمل كلامي، نعم، جاء الثعلب، لكن الكلب تصدى له،
وأجبره على الفرار".
¯¯¯
"22"
النملة الصغيرة والعصفور
توقفت النملة الصغيرة، ووضعت حبة الشعير على الأرض، وقالت: "آه
تعبت، فلأرتح هنا قليلاً".
ورآها العصفور، فحط إلى جانبها، وقال: "ما أكبر حبة الشعير هذه".
فابتسمت النملة الصغيرة مزهوة، وقالت: "ستفرح ماما بها كثيراً".
وعبس العصفور، متظاهراً بالحزن، وقال: "ابني الصغير جائع، ولم أعثر
على ما أسكت به جوعه".
لاذت النملة الصغيرة بالصمت لحظة، ثم دفعت حبة الشعير نحو العصفور،
وقالت: "لا عليك، خذ هذه الحبة، لعلها تسد بعض جوعه".
ضحك العصفور، وقال: "أشكرك يا عزيزتي، إنني أمزح، هيا، أحملي الحبة،
وسأرافقك حتى البيت".
¯¯¯
"23"
شجيرة البلوط وندفة الثلج
تساقط الثلج في بداية الشتاء، فوق أشجار الغابة. وحطت ندفة صغيرة
على غصن من أغصان شجيرة البلوط. وتأوهت شجيرة البلوط ساخرة، وقالت: "آ.. ه".
فردت الندفة الصغيرة قائلة: "لو عرفتِ ثقلي الحقيقي لما سخرت مني".
وضحكت شجيرة البلوط، وقالت: "ثقلك! إنني أكاد لا أشعر بهذا..
الثقل".
فقالت الندفة الصغيرة: "لا تتعجلي، ستشعرين به قريباً".
وضحكت شجيرة البلوط ثانية، وقالت: "يبدو أنك لا تعرفينني جيداً، أنا
شجيرة البلوط".
وطوال ساعات، راحت ندف الثلج، تتراكم فوق شجيرة البلوط، حتى
أثقلتها، وأحنت معظم أغصانها إلى الأرض، ولو لم تدفع الريح السحب، وتشرق الشمس،
لانسحقت شجيرة البلوط، تحت ثقل ندفة الثلج ورفيقاتها.
¯¯¯
"24"
زهرة بابنج للعصفورة
حلّ عيد الأم في الغابة، وانهالت الهدايا أزهاراً من كل نوع، على
الأمهات.
أهدى الخشف أمه الغزالة زهرة نرجس. وأهدى الحمل أمه النعجة زهرة
قرنفل. وأهدى الشبل أمه اللبوة شقيقة حمراء.
أما الوقواق الصغير، فقد قطف زهرة بابنج، وقدمها هدية للعصفورة.
فقالت العصفورة: "أيها الوقواق، اهدِ هذه الزهرة لأمك، أنا عصفورة".
ورد الوقواق الصغير قائلاً: "أنت أمي، فقد حضنتني بيضة، ورعيتني
صغيراً حتى كبرت، هذه الزهرة هدية مني لك، بمناسبة عيد الأم، أرجوك.. خذيها".
ووسط تصفيق الجميع، أخذت العصفورة زهرة البابنج، وقالت بفرح:
"أشكرك، أشكرك يا بني".
¯¯¯
الوقواق
: من الطيور التي تضع بيوضها في أعشاش الطيور الأخرى، وتترك صغارها
في رعاية الوالدين بالتربية.
¯
"25"
زقـــزق يا عصفــور
ولد عصفور وكبر في منطقة منعزلة من الغابة، يغلب فيها وجود البلابل.
وحين زقزق أول مرة، صمتت البلابل، وقد تملكها الذهول والانفعال.
قال بلبل: "هذا صوت مغاير".
وأضافت بلبلة: "وقبيح".
وصاح بلبل فتي: "فليسكت".
والتمتّ البلابل حولـه، وقال أحدهم: "أنت تعيش بيننا، وعليك أن تغرد
مثلما نغرد".
فرد العصفور الصغير قائلاً: "لكنكم بلابل، وأنا عصفور".
واحتد البلبل الفتي، وقال: "اسكت وإلا..".
عندئذ تقدم بلبل عجوز، وقال: "دعه يا بني، لصوته جماله، ومن حقه أن
يزقزق كما يشاء".
ولاذت البلابل بالصمت، ثم تفرقت مدمدمة. فابتسم البلبل العجوز،
وقال: "صوتك جديد عليها، زقزق يا بني، زقزق حتى تعتار على صوتك".
¯¯¯
"26"
حفنــــة بـــندق
عاد سنجوب عند المساء إلى البيت، وعلى غير عادته، لم يأتِ إلا بقليل
من البندق. فتطلعت أمه إليه، وقالت: "يبدو أن البندق قد قلّ في الغابة".
فرد سنجوب قائلاً: "على العكس، يا ماما، إن الأشجار ما زالت مليئة
بالبندق".
قالت أمه: "لكن ما أتيت به اليوم قليل جداً".
وهرب سنجوب بعينيه من أمه، ثم قال: "أعطيت بعضه لسنجوبة".
تساءلت أمه: "أهي مريضة؟".
فرد سنجوب: "لا".
وابتسمت أمه قائلة: ".. آه فهمت".
وقال سنجوب متأتئاً، وقد احمر وجهه: "إنها.. صغيرة".
فقالت أمه: "هناك مئات الصغيرات".
ووأوأ سنجوب قائلاً: "و.. و.. وضعيفة".
وقالت أمه: "وهناك من هي أضعف منها".
وتأتأ سنجوب: "إنها.. إنها..".
فقاطعته أمه قائلة: "إنها.. إنها ما يصعب التعبير عنه".
ونظر سنجوب إلى أمه مذهولاً، ولم ينبس بكلمة. فابتسمت أمه وقالت:
"حينما كنت في عمر سنجوبة قدم لي أبوك حفنة من البندق، وكانت ألذ حفنة بندق تذوقتها
في حياتي".
¯¯¯
"27"
الجــد الكــبير أرنب
أقبلت العمة دبة من النهر متعبة، وتمددت في ظل شجرة الجوز، وأغمضت
عينيها، علها تغفو قليلاً، وترتاح. سمعت أرنوب يتنطط نحوها، فأدركت أنه لن يدعها
تغفو. وبالفعل، وقف أرنوب على مقربة منها، وصاح: "من الخطأ أن تصدقي كل ما يقال عن
أن الأرانب شجعان".
وهمهمت العمة دبة متظاهرة بالنوم. لكن أرنوب تابع قائلاً: "البارحة
حدثتني أمي عن الجد الكبير أرنب وشجاعته، وقالت إنني أقرب اخوتي من الجد أرنب".
وصمت أرنوب، ثم تأتأ مرعوباً: "أيتها العمة".
وفتحت العمة دبة عينيها، ثم أغمضتهما، وقالت: "لا تخف، يا أرنوب،
إنه مجرد.. ذئب".
وشهق أرنوب، ووثب مرعوباً بين يدي العمة دبة. وقالت العمة وهي تغالب
ضحكها: "أنا أعرف جدك الكبير أرنب، حقاً أنت أقرب إخوتك إليه".
وتأتأ أرنوب قائلاً: "أرجوك.. احميني.. الذئب سيأكلني".
فردت العمة دبة قائلة: "اطمئن، لن يأكلك، هذا ذئب الأرض".
وحدق أرنوب في العمة دبة متسائلاً فقالت: "انظر إليه، إنه شديد
الشبه بالضبع الصغير، أسنانه صغيرة، وأشداقه ضعيفة، لا يأكل إلا النمل الأبيض،
والحشرات، والديدان، والثمار".
ومنذ ذلك اليوم، لم تسمع العمة دبة، أرنوب يتحدث ثانية عن.. الجد
الكبير أرنب.
¯¯¯
"28"
الشجرة الطيبة
قطع القندس شجرة، وراح يسحبها، ليتم بها بناء سد عبر الجدول.
واعترضه قاقم عند الشاطئ، فهتف به: "أرجوك ابتعد عن طريقي، إنني مشغول".
فقال القاقم من غير أن يتحرك من مكانه: "جئتك، يا صديقي، في حاجة".
وتوقف القندس، ونظر إليه متسائلاً، فقال القاقم: "لي عدو، وأريدك أن
تقتله بأسنانك القوية".
فرد القندس: "أسنانك أيضاً قوية".
وقال القاقم: "أسناني لا تؤثر فيه".
وقال القندس: "لا شك في أن عدوك.. شجرة".
وبحدة قال القاقم: "لقد حمت عدوي، رغم أني لم أعادها يوماً".
ومرة ثانية نظر القندس إليه متسائلاً، فقال: "طاردت أرنباً، أرنباً
فتياً، فاختبأ في حفرة بين جذورها، ولم تخبرني عن مكانه".
وفي الحال، عاد القندس إلى شجرته، وقال: "دعني".
قال القاقم: "لا تخذلني، أنت صديقي".
فرد القندس، وهو يسحب الشجرة: "هذه شجرة طيبة، ولا يمكن أن أقطعها".
¯¯¯
"29"
ما تتمناه السلحفاة
جلست الأم أرنبة أمام البيت، تراقب صغيرتها أرنوبة، التي كانت تلعب
قرب النهر مع صديقتها سلحوفة. وعند الظهر نادت الأم أرنبة صغيرتها قائلة: "أرنوبة،
حان وقت الغداء، تعالي ارضعي".
وانطلقت أرنوبة إلى أمها، وهي تقول: "سلحوفة، انتظريني، سأعود بعد
قليل".
لكن سلحوفة لم تنتظرها، بل سارت باتجاه النهر قائلة: "أنا أيضاً
سأذهب إلى أمي، وأرضع".
وتوقفت أرنوبة، تنظر إليها مذهولة، حتى نزلت النهر، وغاصت إلى
الأعماق. فأسرعت إلى أمها، وقالت: "ماما، قلت لي مرة، إن السلاحف الصغيرة لا تعرف
أمهاتها".
وابتسمت الأم أرنبة وقالت: "وقلت لك أيضاً، إنها لا ترضع".
وقالت أرنوبة محتجة: "لكنك سمعتها، منذ لحظة، تقول...".
فقاطعتها الأم أرنبة قائلة: "سلحوفة صغيرة مثلك، يا بنيتي، وقد قالت
ما تتمناه".
¯¯¯
"30"
الأخوات الثلاث
مرت أنسام في البستان بنحلة تختبئ بين أوراق زهرة قرنفل، ولم تنطق
النحلة بكلمة، وعرفت أنسام سبب اختبائها، فقد رأت عدداً من الزنابير تحوم في
الجوار، فهتفت بهم: "أرجوكم، دعوا النحل وشأنه".
فرد عليها زنبور: "امضي، هذا ليس شأنك".
ومضت أنسام عائدة إلى البيت، ولما علمت أختاها بما حدث، غضبتا أشد
الغضب. وصاحت ريح: "إنهم سيقضون على النحل، ويلحقون الضرر بالبستان، سأذهب إليهم،
وأنذرهم، و..".
وانتفضت عاصفة، وزأرت غاضبة: "كلا، لن يفهم الزنابير إلا لغتي".
وعبثاً حاولت أختاها تهدئتها، فقد انطلقت بسرعة جنونية، تطيح بكل ما
حولها وهي تزأر: "أيها الزنابير، سأحطمكم، وأخلص البستان من شروركم".
وحين هدأت عاصفة، أدركت أنها حطمت بغضبها المجنون، الكثير من
الأغصان.. والأعشاش.. وخلايا النحل.. و.. و.. ومع الفجر عادت إلى البيت، ووقفت
مطرقة أمام أختيها وقالت: "سامحاني، يبدو أنني أخطأت".
وأوت إلى فراشها متمتمة: "والأنكى أنني لم أحطم زنبوراً واحداً".
¯¯¯
"31"
السمّاك الصغير
تسلل السمّاك الصغير من العش، دون علم أمه. وحلق فوق الجدول، يحاول
أول مرة، أن يصطاد السمك. ورأى سمكة تتلاعب قرب سطح الماء، فانقض عليها، والتقطها
بمنقاره.
وحط السمّاك الصغير فوق أقرب شجرة، وهمّ بأن يبلع السمكة من ذيلها،
ورآه سمّاك فتي، فانطلق نحوه، يصيح محذراً: "تمهل، لا تبلع هذه السمكة".
وظن السمّاك الصغير أن السمّاك الفتي يريد أن يخطف السمكة منه،
فسارع بابتلاعها. وإذا ذيل السمكة يسد حلقه، ويمنع عنه الهواء. وعلى الفور، مدّ
السمّاك الفتي منقاره، وسحب السمكة بقوة. وشهق السماك الصغير، متقطع الأنفاس، ودمدم
لاهثاً: "أشكرك.. آه.. كدت أختنق".
فرد السمّاك الفتي قائلاً: "لقد حذرتك، لكنك لم تصغِ إلي".
وأطرق السمّاك الصغير خجلاً، فقال السمّاك الفتي: "السمكة، يا
عزيزي، لا تبلع من ذيلها، وإنما من رأسها، انظر".
والتقط السمّاك الفتي السمكة بمنقاره، وألقاها إلى أعلى، والتقطها،
من رأسها وبلعها بسهولة.
ووقف السمّاك الصغير مذهولاً، وتمتم: "سمكتي".
فتجشأ السمّاك الفتي، وقال: "لا درس بلا ثمن، يا صغيري".
¯¯¯
"32"
القمــــــة
نهضت مرة أخرى، متحاملاً على نفسي، ومرة أخرى تهاويت. آه يا إلهي،
لا بد أنها النهاية هذه المرة. وتطلعت إلى الأعلى، فلاحت لي القمة، يغمرها الفجر،
كأنها الحلم. عبثاً حذروني، وأكدوا، أن أحداً منا، نحن الحلازن، لم يبلغ هذه القمة،
وأن الكثيرين، انتهوا عند سفوحها. لا، ها هي القمة، على مرأى مني. واندفعت بما تبقى
لي من قوة، سأبلغها، سأبلغ هذه القمة، مهما كان الثمن، وتهاويت مرة أخرى، على
السفح، خائر القوى.
وأفقت على صوت فتي يحييني: "مرحباً".
والتفت، يا لله، إنه صورة مني، عندما بدأت مسيرتي نحو القمة. وقبل
أن أرد على تحيته، أشار إلى القمة، وقال: "سأقهرها".
قلت بصوت واهن: "بني..".
فقاطعني ضاحكاً: "ستحذرني، وتؤكد أن أحداً لم يبلغها، وأن الكثيرين
انتهوا عند سفوحها، لكن مع ذلك.. سأقهرها".
ابتسمت له، وقلت: "لست الأول، ولن تكون الأخير".
وضحك ثانية ملوحاً لي، ثم استأنف مسيرته. تطلعت إليه، ورأيتني أزحف
في إثره، خطوة بعد خطوة، حتى تلاشى، على طريق، يكاد لا ينتهي، نحو القمة.
¯¯¯
"33"
البلبل والمرأة العجوز
في كل يوم، عند الغروب، أمضي إلى حديقة منزل، يقع في طرف القرية.
فأحط على مصطبة، فوقها كمية من الحبوب، وقدح ماء. وعلى مسافة مني، تجلس امرأة عجوز،
تنظر إليّ ولا تتحرك، وكأنها تخشى لو تحركت، أن أهب من مكاني، وأحلق بعيداً عنها.
وذات مساء، مضيت إلى الحديقة، فلم أجد الحبوب، ولا قدح الماء، ولا
المرأة العجوز.
وتلفت حولي حائراً، قلقاً، أنا لا تهمني الحبوب، ولا قدح الماء، إن
ما يهمني فقط.. المرأة العجوز.
وحلقت حول المنزل، عَلّي ألمحها، أو أسمع صوتها، لكن، لا جدوى.
ووقفت فوق شباك غرفتها، يبدو أنها مريضة، فقد رأيتها في المرة
الأخيرة، شاحبة، متعبة، تكاد تتهاوى.
ورفعت رأسي، وأخذت أغرد بأعلى صوتي، علها تسمعني، وتعرف إني
أفتقدها.
¯¯¯
"34"
التــــــــم
عاد التم، بعد الظهر، إلى العش. وفوجئ باختفاء زوجته، وصغاره
الأربعة.
وخفق قلبه خوفاً، وغضباً. أهو الصياد؟ من يدري، لقد شكت زوجته،
أياماً عديدة، من أن الكلب يطوف في الجوار، وتخشى أن يدل الصياد إلى عشهم.
وانطلق محلقاً، يبحث عن زوجته، وصغاره الأربعة. وتناهى إليه، من بين
القصب نباح كلب. فانقض عليه، وراح يضربه بجناحيه القويين. ولاذ الكلب بالفرار،
جاراً ساقه المكسورة.
وانطلق التم ثانية، يبحث بلا جدوى، عن زوجته، وصغاره الأربعة. وقبيل
المساء، عاد إلى العش، وجلس فيه وحيداً، والدموع تغرق عينيه.
ومن بين دموعه، رأى زوجته، في بياض الثلج، تعوم نحوه في الماء، تحمل
فوق ظهرها الصغار الأربعة. وانتفض فرحاً، وأسرع يستقبلهم، فقالت زوجته: "سمعت نباح
الكلب، عند الظهر، وخشيت أن يكون الصياد بصحبته، فأخذت الصغار، واختبأنا بين
القصب".
فقال التم، وهو يعوم إلى جانب زوجته: "اطمئني، لن تري الكلب ثانية،
لقد كسرت ساقه".
¯¯¯
"35"
الحلزون والنورس
عادت الحلزونة، بأسرع ما تستطيع، إلى البيت. فهي تخشى أن يخرج
صغيرها حلزون في غيابها، ويتجول وحيداً على الشاطئ.
وحالما وصلت البيت، هتفت: "حلزون".
لكن حلزون لم يرد، وكيف يرد، وهو ليس في البيت؟ وحين عرفت الحقيقة،
انطلقت نحو الشاطئ، تبحث عن حلزون من غير أن تبالي بما قد يواجهها من أخطار.
وعلى منحدر قرب كومة الحشائش لمحت قوقعة، إنه هو، صغيرها حلزون.
وانطلقت نحو القوقعة، تصيح لاهثة: "حلزون.. حلزون".
وجمدت في مكانها، حين رأت القوقعة فارغة. وراحت تتمتم باكية: "يا
ويلتي، لا بد أن النورس قد..".
ومن بين الحشائش، ارتفع صوت تعرفه، يحذرها: "ماما.. النورس".
وانتفضت خائفة، وسرعان ما تخلصت من قوقعتها، وانطلقت نحو كومة
الحشائش، تختبئ إلى جانب صغيرها حلزون.
وانقض النورس على القوقعة، الشبيهة بالحلزون تماماً. وحين أدرك أنها
فارغة، أطلق صيحة غاضبة، ومضى مبتعداً لا يلوي على شيء.
وتنفست الحلزونة الصعداء، فنظر صغيرها حلزون إليها، وقال: "يا
للصدفة لقد هاجمني هذا النورس اللعين نفسه".
وهزت الحلزونة رأسها، فيما يشبه العتاب، وقالت: "وفعلت بقوقعتك ما
فعلته بقوقعتي".
فغمز حلزون أمه، وقال متفاخراً: "لقد كبر ابنك".
وحضنته أمه قائلة: "ستبقى ابني مهما تكبر".
¯¯¯
"36"
الكلمة السحرية
|