العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

 

لمسة حنان

 

البيت مرتب نظيف، يتوزع في أرجائه أثاث أنيق.. وعابد ذو السنوات السبع يجلس منزوياً على إحدى الكنبات المواجهة لجهاز التلفاز.. على الطاولة أمامه مجموعة أجهزة تحكم آلي.. جهاز تحكم بالتلفاز، وجهاز تحكم  بالمكيف، وجهاز تحكم بستائر البيت وجهاز تحكم بألعابه الإلكترونية.. ويقف إلى جواره مطيع، فهل تعلمون من هو مطيع؟! مطيع هو رجل آلي (روبوت) أكثر الأجهزة طاعة وتنظيماً. اشتراه أبو عابد الذي يمضي أكثر وقته مسافراً بسبب ارتباطه بأعمال تجارية في بلد بعيد.. وأم عابد هي الأخرى، طبيبة مشهورة تمضي أكثر وقتها في ممارسة مهنة الطب، وحضور ندوات، وحالات تستدعي حضورها.. وعابد!

قال مرة لأبيه: أريدك إلى جانبي لتعلمني ممارسة الألعاب الإلكترونية.

فقال أبوه: بسيطة

قال عابد: أريدك إلى جانبي لأستفيد من علمك

فقال أبوه: بسيطة

قال عابد: أريدك إلى جانبي لأستمتع برؤيتك

قال أبوه: وهذه أيضاً بسيطة!

ثم قال عابد لأمه: أريد أن تقدمي لي الطعام الشهي، والحلوى.

قالت أمه: لك ما شئت من أطايب الطعام والشراب والحلوى.

قال: وأريدك أن تبقي إلى جواري لتغني لي وتقصّي على مسامعي حكاياتك الجميلة قبل أن أنام.

قالت أمه: ولك هذا أيضاً. فرح عابد كثيراً، فقد نال وعوداً بتنفيذ كل أمنياته..

لكنه فوجئ بعد أيام قليلة وهو يرى صندوقاً كرتونياً كبيراً يُحمل إلى داخل البيت، ويُفتح فيتَبدّى فيه رجل آلي له هيكل البشر.. يتحرك ماشياً بخطوات منتظمة.. وأكثر من ذلك فقد اكتشف عابد أن هذا الرجل الآلي له قدرة على النطق والمحادثة.. إنما بكلمات متقطعة.

قال أبو عابد وأم عابد: هذا مطيع.. كل ما يطلب منه يلبّى. يعلمك ممارسة الألعاب الإلكترونية، ويريك صور من تحب، حين تريد. وهو مبرمج بحيث يوقظك صباحاً ويمضي إلى المطبخ فيعد لك الوجبات الشهية.. وينظف البيت، ويذكرك بمواعيد الدراسة واللعب.. ويقيس حرارتك كل يوم للاطمئنان على صحتك.. ويقص على مسامعك حكايات شيقة في مواعيد محددة. ويسمعك إذا شئت أغنيات مسجلة، ويجيب على أية أسئلة تطرحها.. باختصار إنه خادمك الأمين يا ولدي.. سيساعدك على تحمل غيابنا عنك..

سُرّ عابد كثيراً بهذا الخادم الأمين.

صباح اليوم التالي سافر أبو عابد.. وعادت أم عابد تمضي معظم وقتها بعيداً عن ساعات عمر ولدها.

بداية:

أخذ عابد يصدر أوامره، فينفذها مطيع في الحال.. ضحك كثيراً لحديث الرجل الآلي الذي كان ينطق كلمة كلمة.. وأعد مطيع وجبات طعام شهية ثم وقف إلى جانب الطاولة بانتظار أن يفرغ عابد من طعامه ليعيد تنظيف الأواني وترتيبها. مرة، دعاه عابد ليشاركه طعامه فرد مطيع: لا شكراً -سيدي- أنا- أتناول- كل سنة وجبة- واحدة" ضحك عابد لهذا الرد.. وهزّ رأسه ساخراً. فأيّ رجل يبقى دون طعام سنة كاملة؟!

بعد مضي أيام.. إسبوع.. بدأ الضجر يتسلّل إلى نفس عابد.. وأخذ يمقت وجود مطيع، ويحاول إجهاده بإصدار أوامر لا جدوى منها.. ومطيع ينفذ كل الأوامر ومرة ركض عابد باتجاه مطيع أخذ يركله برجله.. وبقي مطيع جامداً لا يتحرك. رنّ جرس الهاتف.. أسرع عابد يرد، كان على الطرف الآخر والده.

سأله: الأب مالي أسمع صوتك حزيناً.. هل يقصر مطيع في خدمتك؟

عابد: لا.. إنه ينفذ كل ما أطلب.

الأب: إذاً ما الذي يحزنك؟

عابد: لا أريد مطيعاً.. أريد أبي.. مطيع ليس أبي.. أريده أن يقبلني ويمسح على وجهي بعطف وحب..

الأب: فهمت.. أعدك أن أختصر أسفاري وأمضي بين حين وآخر وقتاً طويلاً إلى جوارك.. إلى اللقاء يا ولدي.. وبعدها رن جرس الهاتف أيضاً.. كانت على الطرف الآخر أم عابد..

قالت الأم: عابد حبيبي.. هل تتمنى شيئاً يعجز عنه مطيع؟ إنه مبرمج لتلبية كافة رغباتك.. رد عابد بحزن أجل يا أمي.. أتمنى أن أغفو ويدك تداعب شعري، أتمنى لمسة حنانك التي اشتقت لها كثيراً. مطيع ليس أمي.. أريد أمي.

قالت أم عابد: ولدي الحبيب.. لا تحزن أرجوك.. أعدك أن أعطيك من وقتي زمناً أكبر أمضيه إلى جوارك.. سامحني يا حبيبي..

وضع عابد سماعة الهاتف مكانها.. أحس بفرح كبير لأنه نال هذه المرة وعوداً أكبر.. إنه بلا شك يحب مطيعاً.. لكنه الآن يجلس منتظراً أن ينال ما عجز عن تقديمه خادمه الأمين.. مطيع..!!!؟!

****

ســـــالم.. وبـــلاد العباقـرة.

 

"ما أقسى أن يتألم الذين نحبهم، ونحن عاجزون عن تقديم ما يخفف آلامهم" ردّد الولد سالم هذه العبارة، ودموع حزن تغادر عينيه.. تمشَّى مبتعداً عن بيت أهله، حيث يرقد والده مريضاً يئن من الألم.. لقد حضر أكثر من طبيب لمعالجته.. قدّموا النصح والأدوية ولا جدوى.. اجتمع إلى جواره الأهل والأقارب.. وما يزيد الأمر سوءاً بكاؤهم عند سريره.. أبو سالم يتألم، وسالم يتمنّى لو يقاسم والده آلامه ومرضه.. إنما الأمنيات أمر، وتحقيقها أمر آخر.. بين خواطره وأمنياته غاب سالم في شرود.. وما أفاق من شروده إلا عند مشارف الغابة المجاورة.. كان الوقت غروب الشمس.. والغابة المكونة من عشرات أشجار السنديان المتماسكة بدأت تخلع ثوب النهار لترتدي حلة الليل السوداء..

فجأة بدا لسالم أمر غريب مدهش.. رأى إبهاراً نورانياً عند مشارف الغابة.. خاف.. أراد أن يصدر لساقيه أمر الهروب بعيداً. إلا أنه فوجئ بمخلوقين غريبي الشكل يقفان أمامه، لكل منهما قامة قصيرة لا تتجاوز المتر تقريباً. ورأس كل منهما خالٍ من الشعر تماماً، وملامحهما تكاد تتطابق.. ويغطي جسد كل منهما ثوب أخضر.. لم يعرف سالم الخوف كما عرفه حينها. حتى إنه بدا عاجزاً عن الحراك والبكاء والكلام. صدر عن أحدهما ما يشبه الكلام، إنما بسرعة كبيرة جداً، لم يتسنّ لسالم معها فهم أي كلمة فلم يرد.. عندها أدرك أحد المخلوقين السر، وبسرعة كبيرة غاب ثم عاد، ومعه جهاز صغير جداً.. وعندما تكلم من جديد كان حديثه مفهوماً واضحاً..

خاطبه الكائن الغريب: عرّفنا على نفسك..

قال سالم بخوف شديد: من أنتم أولاً؟ وماذا تفعلون هنا؟

ردّ الكائن الغريب: اسمي ت 8، ورفيقي ت9.. نحن من كوكب العباقرة.. كان أجدادنا على الأرض منذ زمن بعيد، واستطاعوا بفضل عملهم أن يصلوا إلى الكوكب الذي نعيش عليه الآن.. وهو كوكب غني جداً بكل شيء.. بثرواته، بطبيعته باستقراره.. أجدادنا كانوا أصحاب حضارة متفوقة على الأرض وعندما تعرفوا ميزات كوكبنا الجديد، وآلمهم ما يحدث على الأرض من كوارث وحروب ودمار، بنوا سفينة فضاء وانطلقوا بما يحتاجونه من معدات.. وكان عددهم قليلاً.. عشرة رجال وعشر نساء.. أقاموا مختبراتهم على كوكبنا البعيد، وبفضل علمهم أصبحنا على ذلك الكوكب أصحاب حضارة تفوق تلك التي على الأرض مرات ومرات.. علماً أن كوكب العباقرة ما كان مسكوناً قبلهم.. بالمناسبة، لن أكمل قبل أن تخبرني لماذا تبدو مضطرباً؟ من أنت؟

-رد سالم: اسمي سالم- عمري أربعة عشر عاماً.. أقيم مع أهلي في ذلك البيت الحجري القديم، ويحزنني مرض أبي.. إنه يتألم.. يتألم ولم نستطيع تقديم ما يخفف ألمه.. أرجوكما هل بإمكاننا مساعدته؟ قلتما حضارتكم تفوق مرات ومرات حضارة أهل الأرض.. لا شك أن بإمكانهم مساعدته.. حاولا من أجلي أرجوكما..

قاطعه ت8: لقد استطعنا هناك التخلص من الأمراض.. لا آلام ولا علل على كوكبنا.

تابع ت9: بالتأكيد نستطيع مساعدة والدك.. إنما لنا شروط.

قال سالم بلهفة: أوافق أياً كانت الشروط.. المهم أن يتخلص من آلامه ويعود سليماً معافى.. وتعود البسمة إلى وجهه الحبيب.. أرجوكما، إنني مستعد للتضحية بعمري من أجله..

تبادل ت8 وت9 النظرات، ثم نزعا الجهاز الصغير الذي يجعل حديثهما واضحاً وأخذا يتخاطبان بسرعة هائلة.. وقف سالم حائراً. وبعد قليل أعيد تشغيل الجهاز.

قال ت8: إن أعدنا إلى والدك عافيته وستمضي معنا إلى كوكبنا.. وتقيم في ضيافتنا ثلاثة أشهر.. ماذا قلت؟

قال سالم: ماذا؟ أمضي معكم ثلاثة أشهر؟ ولكن ماذا ينفعكم وجودي؟!

رد ت9: قلت إنك مستعد للتضحية.. أم أنك نسيت آلام والدك..

وبلهفة كبيرة قال سالم: أمضي معكم حيث تشاؤون.. لكن أرى أبي أولاً سعيداً بشفائه..

قال ت8: لك ما تريد.. أخبرنا الآن ما هي الآلام التي يعاني منها والدك ثم امض إليه وأحضره إلى طرف الغابة.. ولا يأتي معه سواك.. وبعد لحظات يعاد والدك إلى البيت وقد تخلص من آلامه إلى الأبد.. هيا، تحدث عن مرضه وألمه ثم انطلق وعُد به فوراً. لا تتأخر.. وإياك أن تخبر أحداً بوجودنا.. قص سالم على مسامعهما قصة مرض أبيه، والآلام التي يعاني منها وما قال الأطباء حول حالته. وبعدها انطلق بسرعة قصوى نحو بيته.. وحين وصل اقترب من والده.. ورجاه أن يقبل بالمضي معه إلى طرف الغابة بمفرده.. وحين بكى سالم، أحس والده برغبة في تحقيق ما يريد.. فطلب من الجميع أن يتركاهما يمضيان وحدهما، مدعياً أنه يريد أن يتمشى قليلاً برفقة ولده سالم..

سار أبو سالم متكئاً على ذراع ولده.. وحين وصلا إلى طرف الغابة، أجلسه سالم على صخرة.. وبسرعة خاطفة تقدم منه ت8، حتى أن أبا سالم لم ينتبه لوجوده.. نظر إليه ت8 وغاب قليلاً ثم عاد، وقدم لسالم زجاجة صغيرة.. وأمره أن يسقيها لوالده في الحال.. بدوره قدم سالم الزجاجة لوالده، وتوسل إليه أن يتجرعها ففعل الأب.. وما هي إلا لحظات قليلة حتى أحس أبو سالم بالقوة تسري في جسده وغادره الألم.. وقف.. نظر إلى نفسه. ثم عاد إلى ولده سالم. أحس بفرح كبير.. وأخذ يصيح الحمد لله.. لقد شفيت. شكراً لك يا ولدي.. ولكن أرجوك أخبرني ما السر؟.. ما الذي حدث..

لم يجب سالم. إنما ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهه، وانتهز فرصة انشغال والده بحيويته الجديدة.. وتركه وحيداً ومضى. كان الليل حل، وسالم اختفى وسط عتمة الغابة.. أحس الوالد باختفاء سالم، فناداه بصوت خفيض بداية: سالم.. سالم فأتاه صوت ولده من بعيد: وداعاً يا أبي، وداعاً..

خاف الأب كثيراً.. أراد أن يجري داخل الغابة، غير أنه سمع هديراً مختلفاً عن صوت أي مركبة يعرفها.. ثم ارتعد وهو يرى ظلام الغابة يتحول إشعاعاً وهاجاً.. وبعدها أخذ يرقب جسماً كروياً متوهجاً انطلق من طرف الغابة الآخر وأخذ يعلو بسرعة خاطفة.. حتى أن أبو سالم لم يستطع تبيان ملامح هذا الجسم الكروي الغريب.. إلا أن إحساساً بالحزن والأسى راوده وقد تيقن أن ولده على متن ذلك المركب الغريب فأخذ يعدو باتجاه بيته مذعوراً. وحين وصل سأل الحاضرين: ألم يعد سالم!؟

***

تجاوز المركب مسافات كبيرة جداً خلال زمن قصير. كان ت8 وت9 يراقبان من حجرتهما تصرفات سالم الذي بدا مضطرباً خائفاً وهو في حجرته المستقلة المغلقة. وصله صوت ت 8: ليس المهم أن تراني.. اسأل ما بدا لك. فقد بتنا على وشك الوصول..

 

قال سالم: أريد أن أعرف كيف تمكنتم من علاج والدي بهذه السرعة؟ ثم لِمَ اصطحبتموني معكم؟ ماذا يفيدكم وجودي؟.. وهل سأعود فعلاً لأرى أهلي من جديد؟

أجاب ت8: بالنسبة لعلاج والدك.. لقد تمكنا على كوكبنا من التخلص من الأمراض كما سبق وقلت لك، فنحن نمنح جهاز المناعة في الجسم قوة تساعده على التخلص من المرض.. لا شك أنك تعلم أن في جسم كل كائن جهاز مناعة يحارب المرض، عندكم أحياناً يتغلب المرض على هذا الجهاز فيصاب الجسم أما نحن فنمنح القوة -كما قلت لك- لهذا الجهاز فيغدو قادراً على قهر أي مرض حالاً.. إنه دواء اكتشفه أحد علمائنا ومنه أعطينا والدك.. فنحن نعطي كل جسم مقداراً يتناسب مع قدرته على التحمل..

أما عن وجودك فهو يفيدنا كثيراً يا سالم.. ولو لم نحضرك لأحضرنا غيرك.. نحن على كوكب العباقرة، ورغم تقدمنا الذي لا مثيل له نريد أن نتعلم منكم أمراً مجهولاً تماماً لدينا. وأما عن عودتك فنحن دائماً ملزمون بأية وعود نقطعها.. ستعود أجل.

قال سالم مستغرباً: ما الذي يمكنني تعليمكم إياه؟

رد ت 9: نريد أن نتعلم معاني التضحية.. الحب الفرح.. الحنين.. لقد عمد أجدادنا إلى إحداث تغييرات في طبيعة تكويننا، في بناء أجسادنا.. فقاموا بتعطيل المراكز والخلايا المسؤولة عن الأحاسيس والمشاعر منذ القديم وأصبحت أجيالنا تنشأ كالآلات دون أحاسيس.. لقد تعرفنا على هذه الأحاسيس من خلال وفد زار كوكبكم منذ سنتين، فتدارسنا إمكانية وأثر إدخالها إلى عالمنا من جديد، وتأكد لنا أن الأحاسيس ركن هام وجميل من أركان الحياة.. ستجري عليك بعض الاختبارات، علنا نستطيع التوصل إلى ما يبعث مشاعرنا وأحاسيسنا..

كان سالم ينصت باستغراب، وسأل: هل ستجرون على جسدي تجارب؟ اسألوني إن شئتم وأنا أجيب على أي سؤال.

تابع ت 9: نعدك ألا تصاب بأذى.. سنراقب علمياً تفصيلياً خلايا جسدك.. وأنت، استسلم لمشاعرك.. افرح لشفاء والدك، واحزن لفراق أهلك، واغضب لأنك هنا بلا أصدقاء، واشعر بالشوق لأهلك جميعاً، لأنك ضحيت من أجل من تحب.. نحن سنراقب أحاسيسك.. ومركز الإحساس والخلايا المسؤولة عنها.. سنراقب دماغك ونخاعك الشوكي للتعرف على الأحاسيس منذ تكونها وحتى اكتمال نضجها.. ثم نقوم بانتزاع خلايا من جسدك، علنا نتمكن من معالجتها واستكثارها بما يضمن إدخالها من جديد إلى أجيالنا المقبلة.

قال سالم: ولكن قلتم أن أجدادكم كانوا على الأرض.. أي أنكم بشر مثلنا. فلماذا عمد أجدادكم إلى إلغاء المشاعر والأحاسيس من حياتكم؟!

رد ت 8: برّروا ذلك بأن المشاعر هي المسؤولة عن الكوارث والدمار والحروب التي حدثت على الأرض.. واعتقدوا أننا بذلك سنحقق ثورة علمية وحضارة لا تفوقها حضارة ونعيش بلا متاعب على كوكبنا الجديد.. والحقيقية توصلنا إلى هذه الحضارة إلا أننا أصبحنا كالآلات.. الحياة المتكاملة، وعندما يلغى جانب منها يؤثر سلباً على النواحي الأخرى.. الآن عليك أن تستعد.. منها نحن على وشك الهبوط على كوكبنا. سأفتح إلى جوارك نافذة يمكنك أن تلقي نظرة إن شئت.. فجأة، فتحت نافذة صغيرة عند رأس سالم.. نظر من خلالها فبدا له كوكب العباقرة صغيرا، جميلاً.. مختلف الألوان.. وعندما اقترب أكثر شاهد نماذج أبنية لم ير مثلها من قبل.. كانت كل مجموعة من البيوت محاطة بسور ضخم.. أما داخل السور فلها أشكال المثلث والمربع والدائرة وثمة أشكال هندسية أخرى..

لم ينتبه سالم لتوقف المركبة.. لقد حطت على برج عال بكل هدوء وأمره ت8 بالاستعداد للمغادرة.. وحين غادروا المركبة انتقلوا بسرعة خيالية إلى منزل بعيد.. كان سالم يشعر برغبة كبيرة في النوم، فتركه ت8 وت9 ومضيا نحو مختبر كبير، استعداداً للبدء بالعمل. وبسبب حالة النعاس الشديدة التي أصابت سالماً فقد استمر في إغفاءته ست ساعات، لم يكن سالم يعلم أنها تعادل يوماً كاملاً على كوكب العباقرة.. فاليوم على هذا الكوكب لا يتجاوز ست ساعات..

حين استيقظ جاءه صوت ت8: المنزل مجهز بما يلزم، كل ما تحتاجه. أما عن الطعام فستجد علبة أقراص على الطاولة.. تناول كل يوم قرصاً واحداً..

قال سالم: ماذا؟.. الطعام أقراص! ثم فتح العلبة، وضحك سخرية.. فجاءه صوت ت 8 من جديد: تناول أحد هذه الأقراص الآن وبعدها أخبرني إن كنت بحاجة للطعام. هز سالم رأسه غير مقتنع، تناول قرصاً وابتلعه.. بعد قليل انتابه شعورٌ غريبٌ.. أحس كأن معدته امتلأت بأشهى المآكل التي يحبها..

خاطبه ت 9: والآن ما رأيك بوجبة دسمة؟

قال سالم: لا.. لا: إنني ما عدت جائعاً.. لقد شبعت...

 

دخل سالم الحمام، واغتسل ثم عاد وجلس على كرسي مثبت..

حدثه ت 8: قبل أن تباشر العمل، سنريك عالمنا.. ستطلع على كوكبنا بالتفصيل وأنت في مكانك. تبدت أمام سالم شاشة عرض، أخذت الصور تتلاحق.. رأى بداية مشهداً للمجرة الكونية وإشارتين ، إحداهما إلى الأرض والأخرى إلى كوكب العباقرة.

قال ت8: إن كوكبنا ينتمي إلى المجرة التي تنتمي إليها الأرض.. لا زال هناك الكثير من الأجرام الفلكية لم تكتشف بعد، وتحتاج جهداً كبيراً.. إلا أن المسافة التي تفصلنا عن كوكب الأرض بعيدة، فنحن في الجهة المقابلة لها بعد الشمس.. والآن سترى حياة كوكبنا بالتفصيل.

 

تتابعت الصور أمام عيني سالم.. رأى صوراً لكوكب العباقرة خلال صيف وشتاء وهما الفصلان الوحيدان المعروفان على هذا الكوكب.. ورأى حلول الليل والنهار ثم صور مختبرات ضخمة تنتشر على أرجاء الكوكب، وحركة الكائنات عليه.. لم ير أسواق بيع وشراء، فوضح له ت8 أن احتياجات الكائن هنا تصله إلى مكان إقامته علماً أن الطعام اليومي لكل كائن قرص كالذي تناوله سالم.. الجميع هنا يفكرون، يعملون.. ومما أثار فضول سالم رؤية مبان عملاقة مصنوعة من الزجاج، تبين له أنها ليست معدة للسكن، إنما هي أحواض زراعات، وحظائر حيوان.. لاستخراج المواد المكونة للأقراص المغذية.. وتوفير مصدر الأكسجين..

دهش سالم كثيراً مما رأى، وبعد زمن قصير جاءه صوت ت8، عليك الاستعداد للبدء بالعمل.. سيفتح أمامك باب، ادخله.. واجلس على كرسي ستجده أمامك داخلاً.. ثم سيهبط ببطء جهاز كالخوذة يحتضن رأسك.. لا تخف لن نسبب لك أي أذى.. فقط استسلم لأفكارك بعد أن يحل الجهاز على رأسك.. فكر بشفاء والدك، إنه معافى والبسمة رفيقة وجهه، ربما كان حزيناً لأجلك، إنما سيزول حزنه عندما تعود قريباً إليه.. لقد وعدناك أن إقامتك ثلاثة أشهر.. وهي تعادل أقل من شهر على كوكب الأرض.. هيا نفذ.

أطاع سالم الأوامر.. نفذ ما طلب منه بدقة.. حتى أن الخوف بدأ يغادره رويداً رويداً.. وعندما كان الجهاز يحتضن رأسه أخذ يتذكر السبب الذي من أجله أتى إلى هنا إنها الآلام التي كان والده غارقاً بها.. لقد وفر لوالده الشفاء بفضل تضحيته.. سر كثيرا بهذه التضحية..

في اليوم التالي أعيد سالم إلى الكرسي ذاته.. بل إلى الوضع نفسه تماماً.. ويومها استحضر صور أهله وأحبته.. ثارت أشواقه إليهم.. أحس بحزن كبير لفراقهم وتمنى لو يحل اليوم الذي يعود ليلتقيهم من جديد..

وتتالت الأيام.. اعتاد سالم وضعه على ذلك الكرسي.. وكما أراد ت8 وت9 تبدلت أحاسيسه بين فرح وحزن، وشوق، وغضب.. وكل المشاعر التي يمكن للإنسان أن يعرفها.. وفي الأيام الأخيرة أخذ يبكي دموع اشتياق لأمه وأبيه واخوته وأحبته..

قبل اليوم الأخير من إقامة سالم على كوكب العباقرة فوجئ بصوت ت8 يبلغه: لقد انتهى العمل سترحل غدا عائداً إلى الأرض.. أما اليوم فقد أعددنا برنامجاً ختامياً لزيارتك استعد. سيأتيك من يحضرك إلينا.

وخلال لحظات قليلة، فتح الباب، الخارجي للمكان الذي يقيم فيه سالم.. ورأى مركبة كروية صغيرة.. أشير إليه أن يدخلها ففعل.. كان لهذه المركبة نوافذ بحيث أمكنه رؤية مركبات كثيرة مثلها تنتقل في الهواء بسرعة كبيرة، وكأنما تسير على طرق ومسارات دون أية حوادث.. اقتربت مركبة سالم من نافذة إحدى الأبنية العملاقة، فُتحت النافذة وتوقفت المركبة عندها.. ثم خرج منها جسر انزلق داخل المكان، فغادر.. أخذوا ينظرون إليه بعيون مسددة، ويتبادلون أحاديثاً لم يستطع فهم أي كلمة منها وقف في الصدارة ت8 وكأنما هو قائد الجميع أشار إليهم أن ينصتوا ثم قال مستخدماً.

جهاز الإبطاء: لقد تمت التجربة بنجاح.. نفذتَ ما طلب منك بشكل جيد.. ونحن سنحاول أن ندخل تعديلاً على أجيالنا القادمة بحيث يعرفون ما خفي عنا.. ويحسون ما لم ندركه من مشاعر.. بالتأكيد ستكون حياتهم أروع من حياتنا فنحن رغم ما ننعم به من تقدم إلا أننا نفتقد جزءاً نعتقد أنه كبير جداً.. وسنحاول إعادته إلى تكوين أجساد أجيالنا من جديد.. والآن: ما الذي لفت انتباهك أكثر في حياتنا؟

أجاب سالم: كل شيء.. كل شيء.. رأيت كل جديد.. ما أثار استغرابي السرعة التي تتميز بها حياتكم.. سرعة في الحركة، في الكلام، في تنفيذ ما ترغبون به.. حتى أن يومكم سريع.. وأردت أن أسألكم: كيف تعيشون؟ أليس لكل منكم أب وأم وأخوة.. أسرة؟

رد ت8: أما عن السرعة، فهي أحد الأدلة على تطورنا وحضارتنا الكبيرة.. علماً أن هذه السرعة منتظمة.. فالوقت هام جداً ويجب أن يحسن استغلاله ما أمكن.. وأما من حياتنا والروابط الأسرية، فأقول قد يحدث هذا عندما تعود إلينا المشاعر.. الحقيقة لا توجد أية روابط أسرية تجمع بيننا.. فالحمل والولادة، وكل شيء يتم في المراكز العلمية.. يربى الواحد منا حتى يغدو قادراً على الانتقال إلى المرحلة الثانية في الحياة.. ثم المرحلة الثالثة.. وهكذا.. المهم.. لا تشغل بالك بنا.. ستحسن حياتنا بالتأكيد.. هيا، استعد.. فبعد زمن قصير ستنطلق في رحلة العودة إلى الأرض.. تقدم منه ت9 قائلاً: حتى أسماؤنا.. كل منا يُلقّب بحرف وعدد مرافق.. هذه هي أسماؤنا هذا ف1 وهذا ف4 وهذا س6.. وهكذا.. والآن لقد اتفقنا على تقديم هدية لك مكافأة على ما قمت به من أجلنا..

قال سالم: لقد نلتُ مكافأتي قبل حضوري.. أريد العودة فقط.

خاطبه ت 8: لا بد من قبول الهدية.. شريط صغير عليه تسجيل لطريقة تحضير علاج وتقوية جهاز المناعة في الجسم. فهذا سيساعدكم كثيراً في التخلص من الآلام. وسأعلمك طريقة الاستفادة من هذا الشريط.. تعلم سالم كيفية الاستفادة.. وتسلم الهدية..

وفي الصباح كانت المركبة بانتظار سالم.. وحين استقر داخلها انطلقت بسرعة كبيرة، متخذة مسار العودة، مجتازة الملايين من الأجرام والنيازك والشهب. وحين دخلت المركبة مجال الأرض كان سالم يجلس منتبهاً.. بعد قليل، جاورت المركبة حدود الغابة.. ثم حطت عند طرفها بسلام، وفتح بابها فغادرها سالم فرحاً..

وعندما انطلقت المركبة عائدة أخذ سالم ينظر إلى نفسه كأنه غير مصدق ما حدث ثم ما لبث أن جرى نحو بيت أهله.. دخل البيت.. كان عدد كبير من أهل القرية يجتمعون في بيت الأسرة كأنما يعزون أبا سالم بولده.. وعندما رأوه، استغربوا جميعاً. حتى أن أمه أغمي عليها.. أسرع والده يتلمسه ويقبله.. كان سالم مجهداً فقال: إنني بخير.. بصحة جيدة.. كل ما في الأمر أنني متعب.. أرجوكم اتركوني أخلد الآن للراحة.. بعدها أحدثكم بما جرى.. رافقه والده إلى غرفته، أجلسه على السرير.. ثم قال له: ربما كنت أعرف شيئاً مما حدث.. لكن أرجوك يا ولدي، قبل أن تحدث أحداً بشيء أطلعني على ما ستبوح به فهناك الكثير من الأمور الصادقة علينا ألا نتفوه بها لأحد.. لأنها أمور غريبة قد يتهم قائلها بالجنون.. أو الكذب.. وأعتقد.. أعتقد أن حكايتك من هذه الأمور..

قال سالم: يهمني أن تعرف أنني غبت من أجلك.. من أجل آلامك، والحمد لله ها أنت عدت سليماً معافى.

قال أبوه: فكرت في هذا.. علماً أنني ما استطعت تفسير ما حدث.. والمهم أنك عدت والحمد لله على سلامتك.. إنما هل تعدني بما طلبته منك؟

رد سالم: أعدك يا أبي.. ولكن معي هدية من المكان الذي كنت فيه. أعتقد أنه سيكون لها شأن كبير بين الناس.. ويجب علينا تقديمها لمركز علمي، أو لطبيب قال أبوه: سنتفق على هذا.. أجل سنتفق.. المهم الآن اخلد للراحة.. نم واسترح وعندما تستيقظ تذكر أنك وعدت والدك أن يكون مفتاح سرك..

ابتسم سالم.. وابتسم أبو سالم.. تعانقا من جديد.. وأخذ الأب يمسح بحنان رأس ابنه سالم الذي استسلم لنعاسه وكاد يغفو.. ثم سار متثاقلاً نحو سريره.. وما هي إلا ثوان حتى كان يغط في نوم عميق عميق..

***
 

 

الـــبذور العجيبــــة

 

كان بائع الصحف اليومية، يتجول، وهو ينادي بأعلى صوته: "اقرؤوا صحيفة اليوم.. صحيفة اليوم.. أخبار العلم.. جديد العلم.. البذور العجيبة -جديد العالم نزار" ثمة أناس اشتروا الصحيفة وآخرون يتجمعون بغية الإطلاع.. بينما مضى بائع الصحف نحو شارع آخر يطلق صيحاته المعلنة..

 

"حقاً، إنه خبر يستحق الانتباه" قال بعضهم.. وسرى حديث البذور العجيبة بين الناس بسرعة فائقة.. فالعالم نزار ابن مدينتنا.. وما زاد اهتمام الناس إعلانه أنه سيجري تجارب على هذا الاكتشاف على مرأى من الناس في الحدائق العامة..

"ما الحكاية البذور العجيبة؟" سألني والدي.

فقلت: الأقاويل تدّعي أنك بعد أن تغرسها تنمو بسرعة خيالية فلا يمر يومٌ واحدٌ على زراعتها حتى تنمو وتزهو وتثمر..

قال أبي: يا إلهي.. أيعقل هذا‍!! وهل يتعلق الأمر بنبات محدد؟

قلت: الأقاويل أيضاً تؤكد أن بذور أنوع أي نبات إذا عولجت كما يريد العالم نزار يمكن أن تحمل هذه الصفات.. على كل حال غداً موعد التجربة سيعرض للناس اكتشافه مجرباً على بذرة بندورة.. سيحضر أناس كثير غداً لا شك.. فالجميع متلهفون للرؤية بعد أن سمعوا..

قاطع أبي حديثي: اطمئن.. سنكون من الحاضرين..

صباح اليوم التالي، تجمع مئات من البشر في الحديقة العامة، المكان الذي اختاره العالم نزار لتجريب بذوره العجيبة وكان من بين الحضور علماء مهتمون.. توقفت سيارة تكسي قرب مدخل الحديقة.. ترجل منها العالم نزار يحمل حقيبة صغيرة بيده ويتقدم واثقاً.. اخترق جموع الحاضرين حتى توسطهم.. ثم طلب أن يفسح المجال له لبدء العمل.. وحين أصبحتْ أمامه فسحة كافية. فتح حقيبته وأخرج علبة زجاجية صغيرة.. فتحها واستخرج من داخلها بذرة.. غرسها بيده في تربة الحديقة وطلب إلى الناس أن يراقبوا ما سيحدث في زمن قياسي. لم يطل انتظار الناس فبعد قليل نمت فوق التراب نبتة البندورة وراحت تنمو أكثر فأكثر والناس بين مؤمن بالعالم مصدقٍ لما يرى، وبين مشككٍ فيما يرى.. وبين مدّعٍ أن هذا ما هو إلا سحر وما هي إلا ساعتين حتى تبدت على النبتة براعم سرعان ما تفتحت وأصبحت أزهاراً ولم تلبث أن تحولت ثمار بندورة، بدأت صغيرة ثم أخذت تكبر حتى اتخذت حجماً طبيعياً. وبعد مضي ثلاث ساعات حصل العالم على ثلاث حبات بندورة ناضجة، قطفها، واقتلع.. نبتة البندورة من جذورها بصعوبة فائقة حيث وضعها في كيس أحضره -ربما- لهذا الغرض صفق الناس بإعجاب شديد.. وأخذت تعليقاتهم تشيد بالعلم والعلماء.. وخصوصاً نزار الذي يجب أن يلقى كل تشجيع لمتابعة بحوثه... ثلاثة رجال فقط، من بين جموع الحاضرين ما صفقوا.. وحين بدأ الناس ينصرفون بقوا هم في أمكنتهم.. إنهم العلماء: بسام -وسعيد- وإياد.. وحتى بعد أن غادر العالم نزار مزهواً وعلى وجهه ابتسامة النصر تبادل الرجال الثلاثة نظرات حذرة وتساءل بسام: ما الذي حدث؟ ما الذي رأيناه؟

رد سعيد: علينا أن نتريث في أي حكم.. وفي النهاية كل جهد علمي مشكور..

أضاف إياد: نحن أصحاب خبرة في مجال علم الأحياء.. علينا التريث -كما قلت- في أي حكم لكن في أعناقنا مسؤولية مقارنة فائدة الإختراع الجديد وضرره. فإن كان الضرر أكبر من النفع يجب أن نجتهد في تطوير هذا المكتشف وتخفيف ضرره، أو إلغائه قطعاً.. أما إن كان نفعه أكبر فنشد على يد العالم نزار ونبارك جهوده.. المهم الآن بين أيدينا ابتداع، وعلينا تقصي نتائجه..

قال بسام: لنبدأ بالمنافع الاقتصادية. لا شك أن هذا الاكتشاف سيوفر للناس حاجاتهم من النبات في زمن قياسي.. فيمكن للمرء أن يحوي في منزله بذوراً من أي نبات يشاء. وإذا أراد ثماراً طازجة يزرع على الفور هذه البذور فيجني ما يريد.. إنها إحدى الإيجابيات.

رد سعيد: وما يدريك أنها إيجابية؟ ألم تتساءل عن المواد التي يعالج بها بذوره حتى تمتلك هذه القدرة العجيبة على النمو؟

وبينما كان بسام وسعيد يتجادلان.. صرخ العالم إياد انتبها.. انتبها.. أعشاب الحديقة والنبات المجاور لمكان زرع البذور أخذت تصفر وتذبل.. بل إنها تكاد تموت، لا شك إن هذا من أثر البذور العجيبة.. انتبه العالمان بسام وسعيد وإياد لملاحظة صديقهما، وبعد قليل انطلق بسام نحو المختبر الذي يجري فيه بسام وسعيد وإياد تجاربهم.. وعاد بأجهزة كشف، ومواد اتفق الثلاثة على إحضارها. اجتهد العلماء في البحث.. اقتلعوا بعض الأعشاب التالفة، وتفحصوا جذورها، ثم اختبروا تربة من مكان زراعة البذرة العجيبة.. وبعد وقت قصير قال إياد: يا إلهي.. إنها كارثة.. هل مضى نزار ليجرب بذوره في مكان آخر؟ يجب إيقاف نشاطه حالاً..

قال بسام: أجل.. بذوره مزوده بمواد كيماوية تمنحها قدرة على سحب خيرات الأرض التي تزرع فيها.. إنها تمتص النسغ من جذور النباتات الأخرى في مساحة خمسة أمتار مربعة انظر التلف الذي أصاب النباتات المحيطة.. علينا اللحاق به ومنعه من إجراء المزيد من التجارب.. فمن المؤكد أن أي أرض تزرع فيها بذرة كهذه ستبقى فقيرة زمناً طويلاً ولن تستطيع تزويد جذور أي نباتات أخرى بالمواد العضوية اللازمة لنموها.. أسرع العلماء الثلاثة نحو السيارة التي أوقفوها خارج الحديقة.. وانطلقوا يبحثون عن العالم نزار.. وفي السيارة تساءل إياد الذي يتولى القيادة: لا شك أنه استحوذ على اهتمام الناس.. كيف نستطيع إيقاف اكتشافه دون أن نثير سخط الناس؟

رد سعيد: ببساطة، نطلب إلى نزار أن يغرس بذرة في أرض لا نبات فيها وعندها لن يتمكن من إبهار الناس..

تابع بسام: أو ندعوه، ومن يحضر تجربته للبقاء قليلاً بعد إتمام التجربة وملاحظة ما شاهدناه. لا شك أن هذا سيحول إعجاب الناس بهذا الاكتشاف الخطير. لم يكن عسيراً أمر التعرف على مكان نزار.. فجمهرة الناس توحي بوجوده في حديقة عامة أخرى.. أحس نزار بالضيق، وهو يرى تقدم العلماء الثلاثة وقد ارتسمت على وجههم علائم غضب.. إنه يعلم أن إعجابهم لا يولد فوراً.. لكنه ما توقع أن يكتشفوا أمره بهذه السرعة كان نزار يمسك بيده بذرة، ويكاد يغرسها حين جاء صوت العالم بسام: نزار.. توقف!

انتبه الجميع للنداء.. قال نزار: لِمَ أتوقف؟ الناس ينتظرون تجربة بذوري العجيبة.

أجابه العالم سعيد: يا نزار، كلنا نحب العلم.. نبارك أي جهد علمي نافع. إنما اكتشافك هذا سيؤدي إن انتشر إلى كارثة.. وأنت تعلم ذلك.

رد نزار غاضباً: إنه الحسد.. أجل. الحسد بدل أن تحاولوا منعي من إجراء تجاربي وإثبات نجاحي، امضوا إلى مختبركم.. علكم تتمكنون من فعل شيء.. هيا هيا.. لا تضيعوا الوقت.

تقدم العالم إياد وقال: نزار.. أمام الجميع أتحداك أن تزرع بذورك العجيبة في أرض لا نبات فيها.. وإن غرستها في مكان مخضر، فإنني سأدعو الناس للبقاء بعد التجربة بعض الوقت ليروا بأعينهم ما الذي سيحدث .. اضطرب نزار لهذا التحدي.. وتظاهر بأنه سيغادر مغضباً.. إلا أن أحد الحاضرين أصر على منعه من المغادرة قبل إجراء التجربة.. فانصاع نزار لهذا الإصرار، وغرس بذرة باذنجان.. وراح الحاضرون يرقبون ما يجري.. أبدوا إعجابهم الشديد بداية وبسرعة نمو مراحل النبتة.. إلا أنهم بقوا ساعة بعد انتهاء الاختبار، حيث جاء دور الثلاثة في إظهار الأثر السلبي لهذا الاختراع.. فتحول إعجاب الناس إلى غضب وسخط على العالم نزار.. أما الرجل الذي أصر على إجراء التجربة، فقد تقدم واثقاً من نزار وأخرج بطاقة تثبت أنه ضابط شرطة.. وطلب من نزار والعلماء الثلاثة بسام وسعيد وإياد مرافقته إلى مركز القسم. ركب العلماء الأربعة سيارة الشرطة.. وحين وصلوا مكتب الضابط المرافق لهم، سمح لهم بالتحاور علمياً في الاختراع الجديد.. وكان يسجل حوارهم على شريط كاسيت.. بدا نزار ضعيفاً، وخجلاً أمام خبرة وحرص رفاقه الثلاثة.. وأقر أن ضرر اختراعه أكبر بكثير من فائدته.. وإنه إن انتشر فسيؤدي إلى إفقار التربة في المكان التي تزرع فيه عندما طلب ضابط الشرطة أن يوقع نزار تعهداً بعدم إجراء أية تجارب على اكتشافه الجديد إلا بعد تفادي ضرره وتسليم كامل الكمية من البذور المعالجة، والمواد المستخدمة في منحها هذه إلى قسم الشرطة ليتم إتلافها. فرضخ. خرج العلماء الأربعة من قسم الشرطة.. كان نزار يسير مطأطئ الرأس فحدثه بسام: لا بأس عليك يا نزار.. كلنا نحاول البحث والاكتشاف.. بذورك قد تصبح يوماً ما ذات جدوى وفائدة قصوى.. المهم في أي كشف علمي ما يقدمه للناس من نفع.. فعلمنا وبحثنا في النهاية لخدمة الناس.. تابع بحثك.. وإن احتجت نصحنا ستجدنا إلى جانبك حتماً.. واعلم أننا أكثر من يسر بأي إنجاز جيد.. ولسنا أبداً كما تصورت حاسدين.

قال سعيد: إننا ندعوك لزيارة مختبرنا.. ومشاركتنا أية تجارب مخبرية..

وأضاف إياد: لنكن أصدقاء.. لنتعاون.. فأربعة عقول مجربة مجتهدة خير من جهد فردي.

نظر إليهم نزار وكأنما يعتذر عما أقدم عليه، وقال: هل تقبلونني صديقاً؟ أجاب الثلاثة بصوت واحد: بل نحن ندعوك لصداقتنا ستكون صداقة نافعة بإذن الله. ابتسم الأربعة وساروا بضع خطوات، بينما كان حشد من الناس يجتمعون عند باب قسم الشرطة وينادون: البذور العجيبة.. نريد البذور العجيبة..

فخاطبهم نزار: أعدكم أن أعود إليكم بها.. ولكن بعد تعديلات لا بد منها.. وسيساعدني رفاقي بسام وسعيد وإياد في ذلك.

ردد الناس: إننا ننتظر.. إننا معجبون بكم.. حياكم الله أيها العلماء.. أنتم زينة هذه الأرض ونعمتها.. وبينما كان الناس يتابعون مدحهم وتشجيعهم .. كان العلماء الأربعة يسيرون مبتعدين.. متجهين إلى مختبر سيضمهم ويستقبل تجاربهم المشتركة منذ الآن.

 

***


 

 

"المنقـــذون"

 

قال جدي: آه يا زمن البساطة، زمن العيش الهانئ. أتدري يا حفيدي العزيز! كنا نسقي دابة من الماء أضعاف الكمية التي يحلم بها الواحد منا الآن.. آه.. الماء سر الحياة.. ها نحن على مشارف العام 2050 تجاوزنا مخاطر الأمراض والعلل، ويكاد العطش يفتك بنا.. آه لو تزول حضارة الأرض كلها، ونعود لنتناول أوراق الأشجار.. بل وحتى التراب، على أن نتجاوز أزمة المياه هذه.. قال جدي، وقال جد صديقي.. وقال والدي وكل الآباء.. وأمي وجميع الأمهات.. كل الناس أصبح حديثهم، بل وهم يومهم العطش الذي أخذ يفتك بأعداد كبيرة من البشر والحيوانات.. والحرارة التي تكاد تشوي أجساد الناس بلا رحمة.. وكاد الجفاف يقضي على النسبة العظمى من الغابات والأشجار.. وأكثر من ذلك فقد ردّد العلماء أن المخاطر والكوارث المقبلة أقسى بكثير.. فأي ذعر؟ وأي خوف؟ وأي دمار يكاد يفتك ببني البشر وبالحياة على سطح الأرض؟! مصادر المياه جفّت أو تكاد.. ودرجات الحرارة تصل في بعض الأماكن إلى سبعين درجة لم يبق من حل سوى جهود العلماء.. في مركز علمي عملاق، اجتمع خمسة من كبار علماء العالم وهم: عبد الله، راجيف، جان، إيفانوف، أوليفر.. حتى إن أنظار العالم توجهت إليهم بالأمل والترقب..

أبدى كل عالم رأيه، ناقشوا بحثاً قدمه الخبير أوليفر.. تحدث عن إمكانية استمطار كميات كبيرة من الماء.. ومضاعفة البحث عن مصادر المياه الجوفية، ودراسة ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض فضائياً من خلال رحلة فلكية، يحاولون من خلالها الاقتراب من الشمس ما أمكن.. أما إيفانوف فقد اقترح البحث عن كوكب بديل لكوكب الأرض يمضي إليه من استطاع من سكان الأرض عبر رحلات فضائية منتظمة.. وعبد الله تحدث عن أسباب الكارثة، إنه الاستهتار بنعم الله.. فاعترض جان على هذا الحديث.. إلا أن عبد الله أكد أن دراسة الأسباب والسعي إلى إزالتها جوهر الحل.. بعد مضي ساعات على مناقشة طروحات العلماء، اتفق الخمسة على القيام برحلة استكشافية فضائية بغية تعميق الأفكار.. وزيادة فرص الحل. وبعد ذلك بأيام، كانت مركبة الانطلاق جاهزة.. تولى العالم عبد الله قيادة الرحلة، وانطلقت المركبة نحو الفضاء الكوني.. كانت حالة الناس على الأرض تزداد سوءاً.. فالموت بات في كل زاوية، وفرق المتطوعين تقوم -ما استطاعت- بدفن الجثث، والتخفيف من الآلام.. أما الحيوانات فقد انتشرت، هي الأخرى في الطرقات وراحت تصدر أصوات الاستغاثة.

مركبة العلماء اتخذت مساراً لها بمحاذاة الغلاف الجوي للأرض.. وراح فريق العمل يراقب انتشار الحرائق في أمكنة كثيرة.. عندها اتفق العلماء الخمسة على ضرورة البحث عن كوكب بديل بسرعة قصوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بني البشر..

انطلقت المركبة في مسار بحثها الجديد كالبرق.. متحررة من أغلفة الأرض..

الترقب والحزن والخوف.. عناوين كتبت بوضوح على وجوه العلماء.. وهم يناقشون أي طرح جديد.. ويتخذون مساراً لهم كوكب الزهرة.

وبعدما اجتازوا مسافات طويلة تنبهوا لإشارات ترتسم على شاشة الاستقبال، كانت هذه الإشارات تزداد وضوحاً.. ثم بدا أن مصدرها صحن طائر أخذ يقترب رويداً رويداً من المركبة.. سارع العلماء للتحاور في أمر هذا الصحن الطائر..

قال جان: أرى أن الإشارات التي نتلقاها تشابه تلك التي سجلتها مراصدنا على الأرض ودرسنا دلالاتها كثيراً..

قال إيفانوف: بكل الأحوال لدينا تسجيل لتلك الإشارات ودراستنا لها حينذاك.. والآن يمكننا تزويد الكمبيوتر بهذه المعلومات لنرى ما يمكن فعله..

تابع عبد الله: تعلمون أنني كنت الأكثر شغفاً بدراسة الإشارات القادمة من سكان الفضاء.. سأتابع الآن علني أستطيع محاورتهم..

اتفق العلماء على إسناد الأمر إلى قائد الرحلة عبد الله.. فزود الكمبيوتر بتسجيل ودراسة الإشارات السابقة.

كان الصحن الطائر يقترب ولا تزال شاشة الاستقبال تتلقى الذبذبات الصوتية التي يرسلها.. وخلال زمن قصير جداً جاء صوت عبد الله فرحا: وجدتها.. وجدتها.. بمقدرونا فهم أية إشارات نتلقاها. بل ويمكنني برمجة الكمبيوتر بحيث تحول هذه الإشارات إلى لغتنا المنطوقة.

فوجئ العلماء بهذا الإنجاز السريع.. تبادلوا نظرات الدهشة.. فقطع عبد الله دهشتهم.

 

وقال: تذكروا أن الحاجة هي أم الاختراع.. ليس هذا وقت الشرح والتفصيل ولكن دعونا نتلق الذبذبات الصوتية.. سأدخل نظام البرمجة الجديد إلى الكمبيوتر.. بدت السعادة على وجه عبد الله، وهو منهمك في إعداد برنامج جديد لتفسير الإشارات.. وبعد زمن قصير جداً جاءهم إعلانه السعيد: بات الكمبيوتر جاهزاً لتفسير أية إشارات قادمة.. حولوا الذبذبات الصوتية.. ازدادت سعادة عبد الله ودهشة العلماء الأربعة الآخرين وهم ينصتون لصوت مصدره جهاز الكمبيوتر.. يقول: "حاولوا -تفسير- إشاراتنا- نحن- استطعنا- فهم- لغتكم- منذ- زمن- بعيد- أجيبوا- إن- كنتم- قادرين- على- استيعاب- ما- نقول"

أرسل عبد الله الرد فوراً: "أجل، يمكننا التخاطب. مرحباً بكم". جاء الصوت من جديد "علمنا -بالمأساة- التي- يعاني- منها- سكان- الأرض -شح- المياه- وارتفاع- الحرارة- ارتفاعاً- كبيراً- لدينا- أجهزة- رصد- لأية- تطورات -على- الكواكب- الحية".

قال عبد الله: وهل يوجد الكثير من الكواكب الحية؟

جاءه الرد: "اكتشفنا- حياة- على- ثلاثة- كواكب- حتى -الآن- المهم -سوف -نتخذ-مدارا- حول- مركبتكم- للتحاور-في- مشكلتكم"

بدا الصحن الطائر على شاشة استقبال مركبة العلماء. تحولت دهشة العلماء إلى أمل وترقب.. فحديث الكائن الفضائي يظهر حسن نية، ورغبة في المساعدة.

بعد انقطاع قصير، عادت الشاشة تستقبل الذبذبات الصوتية من جديد.. فتنتقل فورا إلى جهاز الكمبيوتر الذي يترجمها وفق البرمجة الجديدة إلى حديث منطوق واضح..(هل- جئتم- تبحثون- عن-حل- لمشكلة- الأرض؟"

رد أوليفر: أجل -فهل لديكم ما تساعدوننا به؟

قال الكائن الفضائي: "الكارثة -على -الأرض- وحلّها- لا- يكون- إلا- على -الأرض"

تحدث عبد الله: هذا ما فكرت به- ولكن الحياة ستصبح مستحيلة بعد فترة على الأرض.

تابع الكائن الفضائي: "حاولنا -تنبيهكم- منذ- وقت- طويل- وما- استطعتم- فهم- رسائلنا- لقد- أسأتم- إلى الأرض- كانت- من- أفضل- الكواكب- الحية".

قال راجيف: نفكر في إمكانية انتقال البشر إلى كوكب آخر؟ فجاءه صوت الكائن الفضائي: "هراء- عودوا- إلى كوكبكم- أزيلوا- أسباب- المأساة- فالحل- مازال- ممكنا".

قال إيفانوف متلهفاً: نتوسل إليكم ما هي الحلول التي نستطيع من خلالها تجنب استمرار الكارثة؟

أجاب الكائن الفضائي: "ما فائدة- الحلول- إن- لم- تنفذ؟"

قال عبد الله: أي حل جدير سينفذ إن شاء الله..

تابع الكائن الفضائي: "إذاً- إليكم- مجموعة- بنود- لا بد- من تكاملها- كي- يكون -الحل- ناجحا- لا شك- أنها -خطرت- في- بالكم- إنما - هي- الحل- الأجدى:

1-أوقفوا- جميع-المعامل- التي- تلوث- البيئة- مدة- عشر- سنوات- على- الأقل- أيا- كان- إنتاجها.

2-أوجدوا -الحل- لتعويض- الغلاف- الأوزوني-ما -أصابه- من تلف- فهو- المسؤول- عن- ارتفاع- درجة- الحرارة- إلى هذا- الحد.

3-جندوا -كل- من- يستطيع- العمل - في -زراعة- الأشجار -والغابات- وحاولوا- تأمين -قدر- ولو- ضئيل- من الماء- لها- واعلموا- أن- تدني- نسبة- الخضرة- كارثة.

4-حاربوا- الهدر- بكل- أشكاله- ووجهوا- عقول -الناس - إلى -حتمية -تعاظم- أمر- الكارثة- إن- استمرت- واحرصوا- على-كل -قطرة- ماء.

5-حاولوا- محاصرة - الحرائق- ما استطعتم- ومنع- امتدادها.

6-أقيموا -معامل- تحلية -لمياه- البحار - على -أن- تستخدم-في -الحدود- الدنيا.

7-نفذوا -فكرة-الاستمطار- بعد- أن تفرغوا - من غرس- الأشجار- هذه- الأفكار- نواة- حل-المشكلة- واعلموا- أن- الأرض- التي -تعيشون- عليها - أروع- وأجمل- الكواكب- في- الكون- الواسع - فلا- تدمروها- باستهتاركم- والآن- عودوا- إلى الأرض- فالناس- هناك- بحاجة- لمن- لديه- الحل".

كان العلماء الخمسة منصتين لحديث الكائن الفضائي الذي انتهى من إرسال إشاراته، وغاب اتصاله عن شاشة الاستقبال.. ثم اختفى أثر الصحن الفضائي الطائر.. تبادل العلماء من جديد نظرات دهشة.. فقال عبد الله: إن هذا وقت العمل، إنني أرى صدق كل ما ورد في تعليماتهم.. فلنعد إلى أرضنا، عّلنا نستطيع إنقاذها..

بعد قليل، كانت المركبة تتجه نحو الأرض.. وأمام العلماء الخمسة ورقة طبعت عليها أفكار الحل.. وبدأت أذهانهم تعد تصورات التنفيذ.

كان الخبر الأكثر أهمية على سطح الأرض وصول مركبة العلماء الخمسة.. فالحالة تزداد سوءاً وبعد مضي ثلاثة أيام فقط.. وضعت تصورات التنفيذ، وبدئ العمل بها.. استجاب الناس لأفكار الحل..

والأمل يراودهم في رؤية اخضرار الأرض من جديد، وتجرع كؤوس الماء حتى الارتواء.. فتوقفت فوهات معامل إنتاج المواد الملوثة للبيئة عن إرسال سحب دخانها المقيت نحو الفضاء.. وأخذ الناس يتبارون في غرس كميات كبيرة جداً من الأشجار في كل مكان.. في الحدائق.. أمام البيوت.. على أطراف المدن.. وما زاد العمل روعة وبهاء انهمار مطر غزير من غير حاجة للاستمطار، وكأنما يد الله تبارك هذا التعاون المثمر من أجل الحفاظ على الأرض.. بدا المشهد رائعاً مؤثراً.. لم يتأخر عن العمل أي قادر عليه فغدا الكوكب الأرضي ورشة عمل متكاملة.. حتى العلماء الخمسة الذين أرسوا بنود الحل ووضعوا تصورات التنفيذ كانوا يشرفون على العمل في مواقعه من بعيد.. من بين النجوم التي تلألأت في السماء.. أخذ يدنو ذلك الصحن الطائر..

وعندما أصبح بمقدوره مخاطبة مركز المختبرات على سطح الأرض أرسل إشارات سجلتها أجهزة الرصد- حيث تمكن عبد الله ورفاقه من تفسيرها فكانت رسالتهم: "بوركتم- هذا -سبيل- إنقاذ- الأرض- ولكن- حذار- من- تناسي- ما حدث- فالمأساة- حينها- ستتكرر- وربما- لا يجدي- عندئذٍ- جهد- منقذين- أمثالكم".

تبادل العلماء الخمسة ابتسامات الرضى.. وسعدوا كثيراً وهم يستمعون لقطرات المطر تضرب بقوة زجاج النافذة والرصيف.

لأول مرة أرى دموع جدي كان يبكي فرحاً.. الحمد لله.. قُدّر له أن يعيش زمناً يرى فيه اخضرار الأرض من جديد.. ويشرب ماء عذباً حتى يرتوي..

 

***

جميع الحقوق محفوظة العاب العاب فلاش العاب بنات العاب أطفال .