العابلعب و جد و طفولة |
العابلعب و جد و طفولة بسم الله الرحمن الرحيم
فرحتْ ليلى كثيراً، لأنَّ أُمَّها سمحتْ لها بالذهاب إلى الحديقةِ القريبةِ. كان الفصلُ ربيعاً، والشمسُ ضاحكةً. تمتعتْ ليلى بالأزهارِ الملوّنةِ، والفراشاتِ المرفرفةِ، والمناظرِ الجميلةِ. وقبل أن تعودَ، اقتربتْ من الحارسِ بأدبٍ، وقالت: ـ أرجو أن تعطيَني زهرةً حمراءَ، أقدّمها لأمي الحبيبة. ËË
في الربيعِ، والشمسُ مشرقة حطّ عصفورٌ دوريٌّ على سور المدرسة سمعَ المعلمةَ تسألُ الأطفالَ عن أجملِ امرأةٍ في الوجودِ لكنَّ العصفورَ طار. وتنقَّلَ من مكانٍ لمكان. يسألُ عن أجملِ امرأة وحين عادَ والشمسُ لا تزالُ دافئةً. حكى للفراخِ الصغارِ. عمّا رأى في النهار. قال: ذهبتُ إلى الرسّام. قلتُ: يا فنَّانَ اللونِ الأجمل أريدُ لوحةً لأجملِ امرأةٍ في الوجود. قال: اذهبْ إلى البستانيّ *** قلت: يا فنّانَ الروضِ الأخضرِ. أريدُ وردةً ناضرةً لامرأةٍ رائعةٍ قال: اذهبْ إلى بائعِ الوردِ. *** يا بائعَ الورد: أريدُ وردةً صافيةً مثل عينيها قال: اذهب إلى بائع الزنابقِ. *** يا بائع الزنبقِ: هل مَسَحَتْ على رأسِكَ أصابعُ الحنان؟ وهل ربتتْ على كتفك يدٌ حانية؟ أريدُ زنبقاً كأصابعها. قال: اذهبُ إلى بائع الحرير.. *** يا بائعَ الحريرِ: هل شاهدَتْ أزهارَ الياسَمين؟ أريدُ ثوباً لأجملِ امرأةٍ. قال: اذهبْ إلى ذلك البيتِ القريبِ. *** في البيت القريبِ المجاور. وجدتُ اللوحةَ الجميلة. رأيتُ امرأةً تعمل بمهارةِ. تمسحُ زجاج النافذة. تسقي أصيصَ الزهرِ. تقتربُ من طفلٍ صغير. تُسرّحُ شعرَه. تعطيه قطعةَ حلوى.. *** الطفلُ الصغيرُ يحملُ حقيبتَهُ المدرسية. وعلى ثغرهِ ابتسامة يُقَبّلُ يدَ المرأةِ. وقبلَ أن ينطلقَ يقولُ: "شكراً يا ماما" ËË
أخذتْ ليلى علبةَ أقلامِ التلوينِ، وبدأتْ ترسمُ فوقَ الورقةِ بالألوان.. رسمتْ ليلى مدينةً مسوَّرةً بالوردِ والأزهارِ. رسمت في وسطها شارعاً نظيفاً رسمتْ في طرفِ الشارعِ منزلاً جميلاً. رسمتْ في المنزلِ غرفةً في الغرفةِ نافذةٌ للشمسِ والهواء. داخلَ الغرفةِ سريرٌ. بجانبِ السريرِ طاولةٌ. الطاولةُ عليها سلَّةُ أزهار. جلستْ ليلى فوقَ السريرِ. قرَّبَتِ الأزهارَ من وجهها. ثم شمّتها ونامتْ.
ËË
قطفَ أحمدُ مع أبيهِ ثمارَ شجرةِ الكرزِ. امتلأتِ السلَّةُ . لكنَّ بعضَ حبّاتِ الكرزِ الشهيّ ظلّت معلقةً على الأغصانِ العاليةِ... قالَ الأبُ: ـ أحمد... اصعدِ الشجرةَ بتأنٍّ واقطفْ بقيَّةَ حبّاتِ الكرزِ. نظرّ أحمدُ إلى الحبَّاتِ الجميلةِ التي تتلألأَ تحت أشعَّةِ الشمسِ. ثم ابتسمَ ، وقالَ:
ـ عفواً يا أبي... أرجو أن نتركَ الحبَّاتِ الباقيةَ للعصافيرِ... ËË
غسلتْ ليلى الكأسَ جيَّداً، ثم ملأتْها ماءً، وسارتْ نحو أبيها. كانَ أبوها يقرأُ الجريدةَ في ظلِّ شُجيرةِ الياسَمين. عندما صارتْ ليلى قربَ أبيها. طارتْ زهرةُ ياسَمينٍ، وسقطتْ في الكأسِ. توقَّفتْ ليلى، وفكَّرتْ لحظةً... سألها أبوها: ـ مابكِ يا ليلى؟ أعطني الكأسَ. ابتسمتْ ليلى وهي ترى أوراقَ الياسَمينةِ يُحَرِّكُها الهواءُ، فتصلُ إليها رائحتُها المنعشةُ، وظلَّتْ واقفةً. أعاد الأبُ سؤالَهُ: ـ مابكِ يا ليلى؟! ابتسمتْ ليلى من جديدٍ، وقالتْ: ـ الياسَمينةُ تشيرُ إليَّ... إنها عطشى! سقتْ ليلى الياسَمينَة، ثم ملأتِ الكأسَ من جديدٍ، وانحنتْ قليلاً، ثم قالتْ مبتسمةً: ـ تفضَّلْ يا بابا... ËË
شمَّتْ (عبير) الوردةَ الحمراءَ، وقالتْ: ـ هذه الوردةُ جميلةٌ. سأقدّمها إلى معلَّمتي. لكنَّ أخاها (خالداً) اعترضَ، وقالَ: ـ سآخذها ـ أنا ـ وأقدِّمُها إلى معلِّمي. أمسكتْ (عبير) الوردةَ وأبعدتها. لكنَّ (خالداً) شدَّها... فحزنتِ الوردةُ، وتناثرتْ أوراقُها على الأرضِ.
ËË
راقبوا جيِّداً صديقيَ الصغيرَ إنه يأخذُ من أبيهِ قطعةَ النقودِ ويركضُ مسرعاً إلى الحانوتِ. انظروا إليه انظروا جيِّداً إنه كعادتهِ كلَّ يومٍ يشتري (بالوناً). انظروا كيف ينفخ (البالون). ينفخُ.... والبالونُ يكبرُ.. يكبرُ... ثم ينفجرُ!!!...
ËË
كنتُ مع أهليّ على ضفِّةِ النهرِ، نتمتَّعُ بالمنظرِ الجميلِ... قلتُ لأخي سامر: ـ تعالَ نشاهدِ الصيَّادين. وقفنا دقائقَ ننظرُ إلى الصيادين، وهم يصطادون السمكَ... تمنَّيتُ لو كان معنا (سنارة) نصطادُ بها، ونجرِّبَ حظَّنا... قلتُ لسامر: ـ سأشتري شيئاً أتسلَّى به، من الدكان. ذهبنا إلى الدكانِ القريبِ. كان يحتوي على كلِّ شيءٍ... اشتريتُ قصَّةً ملوَّنةً، لكنَّ سامراً قرَّرَ شراء (بالون). سألتهُ: ـ لماذا اخترتَ (البالون)؟ فأجابَ: ـ لأنَّه يسلِّيني طوالَ الوقتِ. ضحكتُ في سرِّي، وجلستُ على مَرجٍ أخضرَ بجانب أُمِّي وأبي، أمامَ النهر، وأخذتُ أقرأُ القصَّة، بينما نفخَ سامرٌ (البالون) فصارَ كبيراً.. كبيراً، حتى ظننتُ أنَّهُ سينفجرُ!... بدأ سامرُ يلعبُ بالبالون. يضربه بيده، فيعلو قليلاً في الجوِّ، ثم يلحقُ به، والسعادةُ تغمرُ نفسَه. لكنَّه ضربَه ضربةً قويةً بيدهِ، فاندفع (البالونُ) بعيداً... لاحقناه جميعاً بأنظارنا، حتى رأيناه يحطُّ مثلَ بطَّة فوق الماءِ! ... وذهبَ مع النهرِ... مسكينٌ سامر!!.. ظلَّ ينظرُ إليه حتى غابَ عن الأنظارِ، وقد بدتِ الخيبةُ على وجهه... وحين التفتَ إليَّ حزيناً. شاهدَني أطالعُ قصَّتي الملوَّنةَ، ولكني كنت ـ في الحقيقةِ ـ أضحكُ من أعماقِ قلبي، ضحكةً طويلةً...
ËË
ذاتَ ليلٍ ربيعيٍّ دافئٍ، أحبَّتْ ليلى السهرَ في ضوءِ القمر، حتى ساعةٍ متأخِّرةٍ. قالتْ لها أُمُّها: ـ هيَّا يا ليلى. اذهبي إلى النوم. قالتْ ليلى: ـ لكنِّي أحبُّ القمرَ. ـ القمرُ (سيزعلُ) منكِ. إذا لم تنامي الآنَ. قالت ليلى للقمرِ:
ـ هل صحيحٌ (ستزعلُ) منِّي لأني أُحبُّ السهرَ معك؟ ابتسمَ القمر، وغمرها بأشعَّتهِ الفضيَّة. عندَ الصباحِ استيقظْت ليلى متأخَّرةً، ونظرتْ إلى أمّها تعاتُبها: ـ لماذا لم توقظيني باكراً؟ ردَّتِ الأمُّ: ـ لأنَّ القمرَ قد (زعلَ) منكِ. عندئذٍ أدركتْ ليلى خطأها، واعتذرتْ من أُمِّها قائلةً: ـ لن يزعلَ القمرُ مني بعدَ اليوم، لأني سأنامُ باكراً. ËË
كلما خرجتُ من المدرسةِ في الشتاءِ، أشاهدُ سيَّارةً صغيرةً تنتظرُ تلميذةً صغيرةً مثلي قربَ بابَ المدرسةِ، وما إنْ تصلُ إليها حتى يفتحُ لها السائقُ البابَ، ثم تسيرُ السيَّارة... أتابِعُها لحظاتٍ بأنظاري، ثم أسيرُ تحتَ المطرِ بجانبِ الجدارِ. عندما عدْتُ أمسِ من المدرسةِ، كان المطرُ غزيراً، وحينما شاهدتْ أمي شعريَ وثيابيَ المبلَّلةَ، أسرعتْ إليَّ، فقبَّلتني، وضمَّتني إلى صدرها، ثم قادتني إلى جانبِ المدفأةِ، وقالت مبتسمةً: ـ أولَ الشهرِ. عندما يستلمُ بابا راتِبَهُ، سأطلبُ إليه أن يشتريَ لكِ مظلَّةً صغيرةً.. ËË
صديقتي سميرةُ. ثوبُها نظيفٌ، لكنَّهُ قديمٌ، يتمزَّقُ دائماً، فتصلحهُ أُمُّها... في المدرسةِ تقفُ وحدَها حزينةً. لا تضحكُ، ولا تلعبُ، ولا تضعُ في فمها سكَّرةً، وكلَّما شاهدْتُها واقفةً بجانبِ حديقةِ المدرسةِ وحيدةً، أشعرُ بالحزنِ، مع أني مثلُها، ليس لديَّ سكّرةٌ أو قطعةُ كعكٍ، ولكنَّ ثوبي لم يكنْ ممزقاً.. هذا اليوم، قرّرتُ مساعدتها، وعلى الرغم من أنني لا أملكُ شيئاً، فقد تقدَّمتُ منها، وقدَّمت لها ابتسامةً دافئة. ËË
قالَ خالدٌ: ـ هل تسمحين لي أيَّتها النحلةُ بدخول بيتكِ. ـ ابتعدْ أيها الطفلُ!.. ـ ولكنِّي أحبُّ أنْ أتعلَّمَ، طريقةَ صُنْعِ العسلِ. ـ المسألةُ سهلةٌ. أخرجُ في الصباحِ الباكرِ. أطيرُ نحوَ الحقولِ والحدائقِ، أجمعُ رحيقَ الأزهارِ، ثم أُحوِّلُهُ إلى عسلٍ، وأضعُهُ في الخلية. مدَّ خالدٌ إصبَعَهُ ليذوقَ العسلَ. ـ آه!... لقد لسعتني نحلةٌ. يدي تؤلمني!! ضحكتِ النحلةُ وهي تنظرُ إلى يدِ الطفلِ... حين سحبَ خالدٌ يدَهُ... وقفَ لحظاتٍ يفكّرُ. ثم قالَ: ـ "أنتِ رائعةٌ أيَّتها النحلةُ. تدافعينَ عن بيتكِ دفاعَ الأبطالِ"!...
ËË
منتصفَ الشهرِ..
عندما صارَ القمرُ بدراً... قالتْ ليلى: ـ أنا القمرُ. كبيرٌ... كبيرٌ جداً. ولا يستطيعُ الأطفالُ معرفةَ حجمي!!!... قالتْ ليلى: "هذا القمرُ متكبِّرٌ!!... إنه بحجمِ رغيفِ الخبزِ...".
لكنَّها في المدرسةِ، عندما كانتْ تُصغي قالتْ: ـ كم كنتُ متسرِّعةً!... القمرُ لم يكن متكبِّراً... وإنما أنا التي حكمتُ عليه قبلَ أن أعرِفَ الحقيقةَ جيِّداً.
ËË
حملتُ إبريقَ الماءِ، وبدأتُ أسقي شُجيراتِ الحديقةِ... سقيتُ الياسمينةَ والورداتِ، والداليةَ، وشجرةَ الزيتونِ الصغيرةَ... ثم شاهدتُ بعض الأعشابِ حولَ شجرةِ الزيتونِ، فقلعتُها، وسقيتُها ثانيةً. كانتْ أمي تنظرُ إليَّ معجبةً، وعندما أنهيتُ عملي، شكرتني، وسألتني عن سبب عنايتي الزائدة بشجرة الزيتون. فابتسمتُ وقلت لها: لأن المعلمةَ قالتْ لنا اليومَ: "إنها شجرةٌ مباركةٌ تحبُّ بلادَ الشامِ"..
ËË
في ساحةِ القريةِ.. اجتمعَ الأطفالُ.. قالوا: سنلعبُ لعبةَ العساكر واللصوص. فرحوا كثيراً وبدأوا يوزِّعون الأدوراَ.. ـ أحمدُ : ضابطٌ. ـ حسانُ: شرطيٌّ. ـ نبيلُ : حارسٌ. ـ أما خليلُ وحسينُ وبسَّامُ فسيقومون بتمثيلِ دورِ اللصوصِ. رفضَ الثلاثةُ معاً تمثيلَ دورِ اللصوصِ. ولم تتمّ اللعبةُ.
ËË
قالتْ سلوى: ـ ألا تحبُّني يا سامرُ؟ ـ أحبُّكِ.. أنتِ أختي. ـ إذنْ أرجو أنْ تشرحَ لي الدرسَ. شرحَ سامرٌ الدرسَ، لكنَّ سلوى قالتْ: ـ ما دمتَ تحبُّني يا سامرُ، أرجو أن تُجيب ليَ عن الأسئلةَ. ضحكَ سامرٌ كثيراً، ثم اعتذرَ قائلاً: ـ ومن سيجيب لكِ عن الأسئلةَ، غداً في الامتحانِ؟!....
ËË
عند المساءِ كانتْ ليلى وحيدةً في المنزلِ.. كتبتْ واجباتِها المدرسيةَ، وجلستْ تنتظرُ عودةَ والديها، لكنَّها خافتْ أن تنامَ، فنهضتْ إلى التلفازِ. ـ هذا "توم وجيري" لقد كرهتُهُ! ـ وهذا "السوبرمان" لا أُحبُّه!!
ولكنْ هذا "خالدُ بنُ الوليدِ" يا الله شاهدتْ ليلى أبا عبيدةَ بنَ الجرَّاحِ، أمامَ سورِ البابِ الشرقيِّ لمدينةِ دمشقَ يحاصرُ المدينةَ، وبجانبه خالدُ بنُ الوليدِ، وبقيَّةُ أفراد الجيشِ يقاتلون بشجاعةٍ، وما إن فتحَ بابَ السورِ الكبيرِ، حتى تَنَفَّسَتْ ليلى بعمقٍ وشعرتْ بالسعادةِ، وأغمضتْ عينيها، ولم تنتبهْ إلاَّ على رنينِ الجرسِ المتواصلِ، فنهضتْ مسرعةً، وفتحتِ البابَ، واعتذرتْ من والديها إن كانتْ تأخَّرتْ في فتحِ البابِ.
ËË
مرَّ رجلٌ أحمقُ بعقربٍ فحيَّاها. ردَّتِ العقربُ التحيةَ، وقالتْ له: ـ أنتَ رجلٌ عاقلٌ، وتحبُّ الخيرَ. أليسَ كذلك؟ قال الرجلُ الأحمقُ فرحاً: ـ أجل أنا رجلٌ عاقلٌ جداً، وأحبُّ الخيرَ كثيراً. ـ إذنْ اقتربْ مني وأخرجْ هذه الشوكةَ من ذنبي.. إنها مؤلمةٌ جدَّاً. تقدَّمَ الرجلُ الأحمقُ من العقربِ، ومدَّ يده ليخرجَ الشوكةَ، من ذنبها، فلسعته!.. عندئذٍ صرخَ من الألمِ، وقالَ معاتباً: ـ ماذا فعلتِ أيَّتها الحمقاءُ؟!..
ËË
عاشتِ الصفدعةُ عند سدٍّ، خَلْفَهُ ماءٌ، وفجأةً شاهدتْ ثقباً في السدِّ يتسرَّبُ منه الماءَ، فخافت أن يضيعَ ماءُ السدِّ، لذلك بدأتِ العملَ بهمَّةٍ ونشاطٍ. مرَّ الصرصور فشاهدَ الضفدعةَ تدحرجُ حصاةً أمامها. فسألها: ـ ماذا تفعلين أيتها الضفدعةُ؟ أجابتِ الضفدعةُ: ـ الماءُ يتسرَّبُ من السدِّ، وأنا أعملُ على إيقافهِ. نظرَ الصرصورُ إلى الماءِ المتدفِّقِ من السدِّ، فقالَ لها: ـ إنكِ لن تستطيعي سدَّ الثقبَ، ومنعَ الماءَ من التدفُّقِ. إن ذلك يحتاجُ إلى عددٍ كبيرٍ من الضفادع، وأنتِ صغيرةٌ، والثقبُ كبيرٌ... أنصحكِ أن تتركي هذا المكانَ، وترحلي عنه.. قالت الضفدعةُ: ـ كيف أتركُ هذا المكانَ الذي عشتُ فيه، وكيفَ أعيشُ بلا ماء؟! فكَّرتِ الضفدعةُ قليلاً، ثم جمعتْ قوَّتها وأخذتْ تدفع الحصاةَ وتدحرجها، وهي تقولُ للصرصور: ـ انصرف عني.. إلى غنائك ولهوك... ودعني أكملْ عملي، ومهما كان الثقبُ واسعاً... فأنا لن أتأخَّرَ عن القيام بواجبي...
ËË
جاعَ الغرابُ فسرقَ قطعةَ جبنٍ وطارَ حطَّ فوقَ شجرة قالَ: أنا سعيدٌ جدَّاً هنا سآ كلُ قطعةَ الجبنِ وأستنشقُ الهواءَ النقيَّ لكنَّ الغرابَ شاهدَ حديقةً الحديقةُ في المدرسةِ
قالَ : الطعامُ بين الأزهارِ أشهى وأطيبُ حطَّ الغرابُ في الحديقةِ وفي منقاره قطعةُ الجبنِ في المدرسةِ تعالتْ أصواتُ الأطفالِ بالغناءِ. أنصتَ الغراب إلى اللحنِ الجميلِ والكلماتِ العذبةِ. أعجبَهُ اللحنُ، فقال: هؤلاءِ الأطفالُ سعداءُ جدَّاً طَرِبَ الغرابُ لأصواتهم، فرقصَ، وأحبَّ غناءَهم فغنَّى وقد نسيَ قطعةَ الجبنِ التي تدحرجتِ بين العشبِ وظلَّ يرقصُ، ويغنّي حتى قرعَ الجرسُ واندفعَ الأطفالُ إلى الباحةِ يلعبون فطارَ الغرابُ سعيداً ونسيَ أنَّهُ جائع...
ËË
نقرَ العصفورُ ثلاثَ نقراتٍ على زجاجِ شبَّاكِ ليلى: ـ استيقظي يا صديقتي.الشمسُ مشرقةٌ، والساعةُ تجاوزتِ الثامنةَ، لقد تأخَّرتِ عن المدرسةِ.. ضحكتْ ليلى، وأيقظتْ أختَّها سميرةَ، وقالتْ لها: ـ اسمعي، اسمعي يا سميرةُ، يبدو أن مدارسَ العصافيرِ لا تعطِّلُ في فصلِ الصيفِ!... ËË
كانت العصفورةُ تُغرّدُ على سورِ المدرسةِ، فأحبَّتْ أن تتعلَّمَ مثلَ التلميذاتِ الصغيراتِ. تقدَّمتْ نحوَ المديرةِ مستأذنةً: ـ يا آنسةَ: هل تسمحينَ لي بأن أكونَ تلميذةً ، أتعلَّمُ مع البناتِ الجميلات؟ قالتْ المديرةُ: ـ التلميذةُ يجب أن تلبسَ (صدّارةً)، وتضعَ شريطةً على شعرها، وتُحضَر حقيبةً فيها دفترٌ وقلمٌ... حزنتِ العصفورةُ، وعادتْ إلى السورِ، فشاهدَها الصيّاد، فسألها: ـ لماذا تقفينِ على سورِ المدرسةِ؟ ـ أريدُ أن أتعلمَ القراءةَ والكتابة. ـ ولكنكِ عصفورةٌ تجيدين الزقزقةَ والطيرانَ. قالتِ العصفورةُ: ـ أريدُ أن أكتبَ اسميَ على العشِّ، والأشجارِ، والأزهارِ، والسهولِ، والمروجِ، والسماءِ الجميلةِ، والأوديةِ والجبالِ... ضحكَ الصيَّادُ، وقال: ـ إذن، اقتربي. سأكونُ معلّمَكِ، وتصيرين تلميذتي. اقتربتِ العصفورةُ من الصيَّاد. فشاهدتِ (الحقيبةَ) الملأى بالعصافير، فطارتْ هاربةً. نادى الصيّاد بأعلى صوتهِ: ـ لماذا تطيرين؟... ألم تقولي إنك ستتعلَّمين القراءةَ والكتابة؟! ضحكتِ العصفورةُ، وهي تصفُّقُ بجناحيها، وتقولُ: ـ ظننتُ في حقيبتكَ العلمَ والنورَ، فهربت عندما شاهدت الريشَ، والدم المنثور.
ËË بالأمسِ تساقطُ الثلجُ الجميلُ، فغطَّى الأرضَ والأشجارَ والسطوحَ؛ واليومَ سطعتِ الشمسُ الدافئةُ. نظرتُ من الشرفةِ، فأعجبني المنظرُ البديعُ. قلتُ لنفسي: سأصعدُ إلى السطحِ، لأتمتَّعَ بجمال الطبيعةِ الخلاَّب... ولكني تذكَّرتُ البلبلَ الصامتَ الذي لم يغرّدْ منذ يومين. لعلّه يحسُّ بالبردِ.لذلك حملتُ القفصَ، وصعدتُ إلى السطحِ، ووضعتُهُ قريباً مني، تحتَ أشعَّةِ الشمسِ الدَّافئةِ، فنفشَ البلبلُ ريشَهُ، وقفزَ، وغرَّد قليلاً ثم صمت.
وبينما كنتُ أرسلُ نظري إلى الأفقِ البعيدِ، أتمتّع بمنظرِ البساطِ الناصعِ البياضِ الذي يكسو الأرضَ، سمعتُ زقزقةً صاخبةً، وشاهدتُ عصفوراً كان يقف على حافَّةِ المدخنة. قلت لنفسي: لعلَّ العصفورَ يحسّ الآن بالبرد، ويريدُ أن يأوي إلى مكانٍ دافئٍ. وفي الحالِ، اقتربتُ من القفصِ، وفتحتُ البابَ، ثم ابتعدتُ عنه، لعلَّ العصفورَ الغريبَ يستأنسُ بالبلبلِ فيأتي إليهِ، ويدخلُ القفصَ. غرَّدَ البلبلُ، فردَّ العصفورُ بزقزقةِ عذبةً... فرحتُ كثيراً، وحسبتُ أنهما يتبادلان الحديثَ، وأن العصفورَ لابدَّ أن يأتيَ إلى القفصِ ليأكلَ الحبَّ ويشربَ الماءَ، ويشاركَ البلبلَ في مسكنهِ الدافئ... ولكنْ ياللعجب!!! كم كانت دهشتي كبيرةً حين شاهدتُ البلبلَ يخرجُ من القفصِ ويطيرُ إلى المدخنةِ، حيث يقفُ العصفورُ. ويرسلُ الاثنان ألحاناً عذبةً رائعةً، ثم يطيرانَ معاً، ويحلّقان في السماءِ الصافيةِ الزرقاءِ...
ËË حطَّت العصفورةُ على الشبَّاكِ، وأرسلتْ ألحانها العذبةَ... رفعتْ (ليلى) رأسها عن السريرِ، وعركتْ عينيها، ثم سألتها: ـ لماذا تأتينَ كلَّ صباحٍ، وتزقزقينَ قربَ سريري؟ ـ لأقولَ لكِ : "صباحُ الخيرِ".. عندما طارت العصفورةُ، فكَّرتْ ليلى: "ـ ألا يجب أن أردَّ على تحيَّتها؟".. قبل أن تنامَ. وضعتْ ليلى بضعَ حبَّاتٍ من القمحِ على حافَّةِ الشبَّاكِ. عند الصباح. غَرَّدَتِ العصفورةُ كثيراً، ففرحتْ ليلى، ولم تنسَ عند المساءِ أن تضعَ حبَّاتِ القمحِ. في الصباح الثاني. استيقظتْ ليلى على أصواتِ عصافيرَ كثيرةٍ، فهتفتْ بفرحٍ: ـ يا إلهي.. ما أسعدني... لقد صارَ عندي سربُ عصافير!
ËË فتحتِ القطَّةُ بابَ القفصِ، وقالتْ للعصفور: ـ اخرجْ بسرعةٍ!! |