العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

الشـــهيد

 

كنا متلهفين لسماع بقية القصة حقاً!

فمعلمنا الجديد لديه قصص رائعة ما سمعنا مثلها من قبل!! يكفيه أن يقول: "مرة يا أبنائي". حتى ينقطع الهمس، ويخيّم الصمت تماماً، فلا صوت إلا صوته، يعلو تارة وينخفض أخرى ونحن ننظر إليه بلهفة واندهاش، متجاهلين صوت الجرس الذي بدأ يقرع معلناً نهاية الحصة وبدء الاستراحة..

"لا نريد أن نخرج.." قال كلّ واحد منا، إلا جاري حسّان لم يعجبه ذلك أبداً، فهو مضطر للخروج ليهيئ وظيفة الدرس التالي، كعادته دائماً، لكزني فجأة لأكون شريكه في مطلبه، لم ألتفت إليه، حتى لا تفوتني كلمة واحدة مما يقوله المعلم، بل دستُ على رجله ليسكت فأنَّ قليلاً وانزاح إلى طرف المقعد..

ازدادت نبرات المعلم ارتفاعاً، وهو يلوي فمه مقلَّداً الضابط الصهيوني الذي كان يحقق مع أحمد، طالب الصف العاشر، حيث أوقف وهو يهاجم دوريات العدو بحجارة الشارع..

قال الضابط:

أأنت من نابلس؟

-نعم

-ومن علّمك الاعتداء على دورياتنا؟

-....

-أجب!

-ومن قال أنني أعتدي؟!

-آ.. أنت الآن من يسأل! ماذا فعلت إذاً؟ هل قدّمت لهم الحلوى؟

-نعم.

-أنت تسخر مني أيها القذر؟!

-ولماذا أسخر؟! إن الضيوف الذين يجيئون من باب الدار نفتح لهم قلوبنا، ونشاركهم طعامنا، نعم ونقدم لهم الحلوى وكل ما لدينا من طيبات! لكن ماذا تقدم لمن جاءك متسلقاً السور، وأطلت بندقيته قبل أن يظهر وجهه؟! هل تقدم له سوى الرصاص؟ والحجارة هي رصاصنا كما تعلمون!.

-هكذا إذاً؟!.. أنت تحفظ درسك جيداً، ألم تنل ما يكفيك من التعذيب؟

-التعذيب يجعل الدرس أكثر وضوحاً.

-حسناً.. سترى!

صار معلمنا يلهث وهو يسرع لإكمال القصة بأقصر وقت ممكن، وأحسسنا أننا نلهث معه.. "عرف أحمد بعد أن عصبوا عينيه، أنهم ينقلونه إلى معسكر لاعتقال السجناء العرب، وقدّر من المسافة التي قطعتها السيارة العسكرية أنه سجن الرملة"، فهو يعرف أرض فلسطين شبراً شبراً..!

كانت الزنزانة التي رموه فيها مظلمة موحشة، فأحسّ قلبه ينخلع من صدره، بينما لا يسمع إلا صوت قطرات الماء القذر تتقاطر من السقف الرطب تذكر زملاءه وأهله، غرفة الصف ودروس التعبير التي يحبها جداً فراح يدق بقبضتيه جدران الزنزانة دقاً عنيفاً، وفجأة سمع دقاً من الزنزانة المجاورة ثم أخذ هذا الصوت يعلو حتى شعر أن السجن كله يهتز تحت قبضات رفاقه المحبوسين في الظلمة، عندها فقط أحس جسده يرتعش بالسعادة والقوة فجلس وبدأ يغني..

هكذا يا أحبائي –قال المعلم- يوماً ما سيكون هناك حرب!

أما الأغنية التي أنشدها أحمد في ذلك اليوم فسأقولها لكم في درس قادم، والآن هلموا لتنالوا ما تبقّى من الاستراحة، ثم لملم أوراقه سريعاً ومضى..

ولم يكن هناك درس قادم لمعلمنا هذا، لأن معلماً آخر احتل مكانه بعد أن ذهب فجأة..

قبل أن يودعنا..

كان معلمنا الجديد أصغر سناً، وأقلّ معرفة بالقصص الرائعة، وكنّا كلما لمّحنا له بذلك ابتسم ابتسامة رقيقة وتهرّب من الإجابة بلطف عن أسئلتنا الكثيرة:

أين ذهب؟ ولماذا لم يعد؟ وإذا عاد فهل سيكون ذلك قريباً؟!

إلا حسّان فلم يكن شيء من ذلك يشغل باله، فهو لا يكاد يسمع صوت الجرس يقرع حتى يقفز كالغزال ليكون أول الخارجين، لكنا استغربنا حين رأيناه يقف فجأة، ومن دون أن يستأذن المعلم سأل: أستاذ.. متى تبدأ الحرب؟

توقف المعلم عن الكتابة على السبورة، وهو ينظر إلينا بذهول وهو يسألنا:

ومن قال لكم أن حرباً ستبدأ؟!

فأجبنا بصوت واحد:

كلهم يقولون يا أستاذ!

ابتسم المعلم ابتسامته الرقيقة، وقال:

قريباً..! وعاد يكتب على السبورة أنشودة عن النهر...

وكان ذلك اليوم الموعود قريباً جداً، فبعد يومين فقط كنت ترى الشوارع تزدحم بالناس وهم يتحدثون عن الحرب!

ومع أننا كنا نفهم معظم هذه الأحاديث إلا أن كلمات فيها كانت تزعجنا جداً مثل "خط بارليف" أو "الجسر الجوي"!

حتى أمي وهي تجلس قرب الشمعة المشتعلة، تعيد علي تلاوة قطعة الإملاء كانت منشغلة بالحرب، فراحت تنقّل نظراتها بيني وبين لهب الشمعة المهتز وقد عرفت كيف تختار الكلمات التي ستمليها علي، سكتت قليلاً، ثم قالت: اكتب.. "أسقطنا للعدو خمس طائرات، سقطت إحداها عند بيادر القرية، فرأتها رباب، وهي تبحث عن جديها الهارب، فنسيت الجدي وركضت مع الناس، لترى حطام طائرة العدو.." انتهى.

نظرت أمي إلى الورقة ثم عضّت على شفتها وهي تنظر إليَّ عاتبة، فقلت مرتبكاً: ماما هل أخطأت؟!

-قلت طائرات، خمس طائرات، وليس طائرة.

-نعم خمس طائرات

-لماذا إذاً كتبتها بتاء مربوطة؟!

فانتبهت، نعم لقد أخطأت! لكنني قلت محتجّاً بمرح:

لأنها طائرات معادية، تسقط سريعاً فهي مربوطة!

ابتسمت أمي بفتور وقالت: صحيح!

وصححت، لكن قطعة الإملاء هذه ملأت نفسي بحزن كبير شغلني طويلاً وكاد ينسيني سؤالي عن معلّمي القديم، وكيف أنه كان يعرف سلفاً أن الحرب لا بد ستقوم، ولم أعد أفكر بالأغنية التي غنّاها أحمد الفلسطيني في سجن "الرملة" فلدي ما هو أهم من ذلك!

كيف قدّر لرباب الصغيرة البلهاء أن ترى طائرة العدو المحترقة، وأنا نفسي لم أرَ واحدة حتى الآن؟!

أيكون السبب أن لها جدياً يضيع فتبحث عنه؟! أيمكن ذلك؟! ولم تكن أمي تجيبني عن كل تلك الأسئلة، مرة تكتفي بالضحك، فإذا أجابت فإن كلماتها القليلة لا تشبع ولا تقنع بينما هي ساهمة وكأن شيئاً لا أعرفه يشغل بالها..

وأخيراً حينما جئتها سائلاً كالعادة مسحت شعري بيدها الرقيقة وهي تقول:

يا بني أرى أنك تنشغل كثيراً عن واجباتك المدرسية! أنت لم تعد الأول في صفّك، أليس كذلك؟!

فأقسم لها أن ذلك غير صحيح، وأنا أتمتم غاضباً:

تأتي إليهم لتسألهم فيبدؤون بسؤالك! كلهم يسألون ولكن ما من أحد يجيبك إذا سألت!!

كلهم يذهبون فجأة، ولا أحد يعرف إلى أين..

أي سوء حظ هذا؟! حتى الأولاد الصغار الذين بالأمس فقط "فقسوا" من البيضة، الأولاد والبنات يرون أشياء غريبة، يرون طائرات تحترق، عشرات الطائرات تهوي كل يوم، يرونها جميعها..

وأنا لم أصادف أن رأيت حتى واحدة! فمن يقول لي كيف..؟

سنوات عديدة مرّت حتى عرفت الجواب على أكبر الأسئلة التي احتلّت مخيلتي حينما التقيت معلمي الأول في مكتبة المركز الثقافي، حيث اهتديت إلى استعارة كثير من الكتب، كنت أقرؤها بشغف وشوق، وفي مقدمتها تلك القصص التي تروي بطولات حرب تشرين فكانت جزءاً كبيراً من ذكريات طفولتي.

كانت مصادفة رائعة أن أراه، يقف عند أحد الرفوف، يتصفّح كتاباً وقد عقد حاجبيه كما كان يفعل وهو يروي لنا القصص المثيرة فتصل أحداثها المتشابكة إلى موقف حرج..

لم يتغير كثيراً، فقط بعض الشعرات البيضاء لوّنت سالفيه، فبدا أكبر قليلاً مما عرفته.

"أستاذ.." ناديته حين اقتربت منه

استدار بتمهل وهو لا يزال يحمل كتابه، لم ينطق بكلمة، بل فتح ذراعيه وعانقني بقوة حتى أحسست الكتاب في يده قاسياً على ظهري، وهو يقول بهدوء أنت أطول مني الآن! كيف حالك؟ أأنت بخير؟

-الحمد لله، وأنت يا أستاذ كيف أحوالك؟

تناول الكتاب من يدي ونظر إلى عنوانه وهو يبتسم، ثم سألني:

هل تقرأ دائماً؟

قلت: نعم، تقريباً!

وأوشكت أن أصافحه مودّعاً مرتبكاً من هذه المصادفة غير المتوقعة، حينما أمسك يدي وقال:

تعال أعرّفك على ابني

وفي البيت رحّبت زوجته بي وجلست، فقدّمني إليها:

انظري يا فاتن، هذا الشاب كان قبل الحرب واحداً من تلاميذي الأذكياء المجدين، لم أره منذ ذلك الزمن، حتى التقيته مصادفة اليوم...

كم من الحوادث مرت!! فهزت رأسها مبتسمة وهي ترحب بي:

أهلاً وسهلاً بك.. وعسى أن تكون حققت طموحك في دراستك

-نعم، الحمد لله، شكراً لك.

كانت الكتب والقراءة الدائمة قد جعلتني ميالاً إلى الصمت، أفضّل الاستماع على التحدّث، وأنا أقارن ما أسمعه بما قرأته في بطون الكتب من معارف وأفكار.

والآن كان لا بد من حديث طويل بيننا، وكأن معلمي قد أحس ذلك فخفف عني حرج السؤال عندما قال:

أنت حتماً تريد أن تعرف حكايتي، سأرويها لك فاطمئن!

اشرب القهوة أولاً.

فرشفت فنجاني وأنا أرمقه بنظراتي. ضحك وهو يقول:

من أين أبدأ؟ أنت تتذكر الفترة التي سبقت الحرب، فترة بغيضة، تحمّلنا فيها كل أنواع التبجح والغطرسة من أعدائنا الأنذال وهم يتقنون كل أساليب الاستفزاز ببراعة لا شبيه لها!

فمع أنهم سلبوا وطناً كاملاً، وشرّدوا كل أبنائه تحت كل نجم، كانوا يتباهون أن ذكر العربي يثير في أنفسهم الهزء والسخرية!

هل تذكر؟ كل صباح كانت هناك بقعة أخرى من الأرض يحتلها الصهاينة فيمسحون بجرافاتهم كل معالمها العربية، معلنين أنها أرض آبائهم وأجدادهم، بينما أهلها العرب ينضمّون إلى قوافل المشردين الضائعين.

وهكذا كانت الحرب هي الخلاص، نعم الحرب، حرب تزغرد لها الأمهات العربيات بعد طول القهر والذل والعذاب، فكانت حرب تشرين..

تراكضت الذكريات في ذهني بينما كان معلمي يتنفس بعمق مكملاً كلامه:

أسفت لأنني لم أستطع أن أودّعكم في المدرسة، فقد كان الاستدعاء العسكري سريعاً جداً، مرّت ساعات قليلة فإذا أنا قائد جماعة من الجنود، بندقيتي الرشاشة تلتصق بجسدي ليلاً ونهاراً، ونحن مثل أسرة واحدة نملأ التحصين بأحاديثنا وضحكاتنا، نضحك كأن لا شيء في نفوسنا سوى الفرح الكبير، وكان أكثرنا مرحاً وضحكاً شاب طويل القامة، تجاوز العشرين بقليل دوت ضحكته الرنانة طويلاً حتى كاد أن يختنق، فأسرع خارجاً من التحصين يستنشق الهواء البارد، وما كاد يطل برأسه نحو الفضاء حتى عاد وشخص أمامنا، لم ينطق، بل تناول رشاشه، هزّه بيديه، وهتف بأعلى صوته:

أعرف أنك ستكون عظيماً..!

فقلنا ضاحكين:

أيّة تمثيلية هذه؟ ماذا تعني؟!

فأجاب بثقة: إنها الحرب أيها الأصدقاء، لا بد ستقوم الحرب قريباً أنا أعرفها من وجهها، قوموا انظروا.. الصمت الرهيب، ليس في الكون حتى نسمة، صدقوني سوف تبدأ.. فلا تزعجوني رجاءً لأني سأجلس الآن لأكتب رسالة..

قلت: ليس الآن وقت الرسائل، تعال، سأروي لكم حكاية تضحككم حتى التعب!

قال: لا، لا أريد أن أضحك بعد.. دعني أكتب رسالتي.

ولم يستطع أن يكتب شيئاً، بل جلس متربعاً وهو يحكّ جبينه بالقلم..

ساعة، ساعتين ثم نهض ونام دون أن يجرؤ أحد على إضافة كلمة..

وفي الغد صدقت نبوءته فعلاً..

ففي الساعة الثانية بعد الظهر، أزّت أجهزة اللاسلكي توزع الأوامر والمهمات، وانطلقت أسراب طائراتنا تقصف في عمق تحصينات العدو الذي أفاق مذهولاً لا يصدق أن يرى جندياً عربياً يقف أمامه مباشرة ويقول له:

هذه هي الحرب! ألست تحبها؟ فانهض واقبض ثمن وحشيتك، انهض! لك معنا ثمن كتب الأطفال التي تناثرت مع أجسادهم.. تحت قصف قنابلكم!

ساعة واحدة مرت، كان الأفق يشتعل، هل تخيلت الأفق مرة، وقد تحول إلى كتلة من لهب؟!

كان جنودنا قد توغلوا عميقاً داخل جبهات العدو، وكنت تسمع على أجهزة اللا سلكي، إضافة إلى الأوامر والتعليمات، أناساً يغنون بأصوات خشنة بعيدة، أما مهمة جماعتنا فقد كانت البقاء في موقعنا، سلاحنا بطارية من صواريخ "السام" وبنادقنا الرشاشة لنصطاد كل الطائرات المعادية التي تتجرأ فتقتحم أجواءنا لتقصف مدننا وقرانا.

لم نستغرب طبعاً كيف استطاع صديقنا صاحب الرسالة أن يتنبأ بهذه النبوءة الصائبة، فإذا كنت تذكر، كان الناس يومها يحملون نبوءات مشابهة.

ينامون وهم يعرفون أنَّ الصباح قد يحمل إليهم جبهات تشتعل بالقذائف، فكانت أجهزة الراديو تنام تحت وسائدهم، وحين قامت الحرب. استقبلها الناس دون دهشة وكأنها شيء حتمي ومنتظر.

فكان الفلاحون لا يزالون يذهبون إلى حقولهم مع الفجر، يبذرون بذارهم ويقتلعون الأعشاب الغريبة من بين زرعهم..

الأطفال فقط تغيروا قليلاً، حين تعلّموا لعبة جديدة أسموها "لعبة الحرب" حيث ينقسمون فيقوم فريق بالحراسة والدوريات، وينصرف الآخرون لتنفيذ المهمات القتالية، فإذا فرغوا منها، عادوا وأدّوا التحية للعلم الذي خاطوه بأيديهم ورفعوه فوق أحد البيادر أو السطوح.

لكن ما أحزنني أن صديقي الشاب لم يجد فرصة لكتابة رسالته، فلم يكن هناك وقت! وعدونا صبّ كل شراسته في غاراته الجوية في الأيام الأولى للحرب.

هل تستغرب أننا، وفي يوم واحد، أحصينا مائتي غارة فوق قاعدتنا فقط؟!

لم تكن شاشة الرادار تصفو أبداً، فسرعان ما تبدو فوقها نقاط مضيئة، ونحن ما علينا إلاَّ أن نقول: أهلاً وسهلاً!

لكن رغم كل هذه الطائرات التي أسقطناها، لم نمتّع أنظارنا برؤية إحداها عن قرب، كما فعل أهالي دمشق مثلاً، حيث خرجوا إلى سطوح منازلهم، يرقبون الطائرات المخيفة تتهاوى ساحبة خلفها ذيلاً من الدخان الأسود.

أما نحن فلم يكن هناك وقت!

فجأة وجدت نفسي أقاطعه: تقولون لهم أهلاً وسهلاً إذاً؟!

فأجاب ضاحكاً: وماذا تريدنا أن نفعل غير أن نرحب ترحيباً يليق بهم؟

قلت: أستاذ، هل زرت يوماً سجن "الرملة"؟

-لكن ذلك في فلسطين!

-ألم تكن هناك يوماً؟

-لم أفهم

-أتنسى "أحمد"؟

-أي أحمد؟

-الولد النابلسي الذي كان يقدّم الحلوى لجنود العدو حجارة يلتقطها من الشارع.

-آ.. أنت لا زلت تذكر؟ إنما أنا من القنيطرة، وأنت تعرف ماذا يعني ذلك بالنسبة إلينا!

يعني أن تجد نفسك وفي أيام قليلة، مطروداً من بيت أبيك وجدك، وبعيداً عن ذكريات طفولتك، تجرّ خلفك أسرة يتعسها الجوع والبرد وأنت عاجز عن أن تقدّم لهم شيئاً، تلك قصة أخرى تطول لو أردت روايتها، لكنني من يومها أقسمت لبلدي قسم الرجال أن أعود إليها كما خرجت منها تماماً بقوة الحرب والسلاح. ولقد عدت كما وعدت!

 

كم من القصص سمعت عن المآثر والبطولات! وكم من الأغاني والأناشيد صدحتْ في سماء الوطن، لكنّ قصة صديقي الفتى ظلت أكثر اختلافاً وأكثر غرابة، والتفت إلى زوجته، وقد عادت ببعض الفاكهة، قائلاً:

-فاتن أين الأولاد؟

-في الداخل، سامر يكتب، أما إياد فهو دائماً منهمك مع ألعابه فابتسم معلمي وهو يقول:

-دعيه يرح ألعابه وليأتِ قليلاً.

وجاء إياد بسنواته الخمس وألعابه التي تتقافز بين يديه، ناعماً كالهرة لكن عينيه الواسعتين كانتا تحملان أسئلة كثيرة وألعاباً لا حدود لها..

قال أبوه: إياد ماذا تفعل اليوم؟ فتقدم الصغير ليقف جانب أبيه دون أن يرفع نظره عني، ثم قرر أخيراً، فمدّ يده الصغيرة ليصافحني وقال:

أنا اسمي إياد وأنت ما اسمك؟

فذكرت لـه اسمي، مندهشاً من أسلوبه في الكلام الذي لا يشبه أسلوب طفل في الخامسة.

قال: هل تحفظ أناشيد وأغاني.. حكايات..؟؟

قلت: نعم أحفظ بعض الأناشيد عن العصافير والأنهار. فألقى نظرة سريعة على ألعابه، وكأنه يطمئن عليها ثم التفت إلي وقال:

أنشدني. فضحك أبوه قائلاً: لا ليس هذا الوقت المناسب يا بني! فنهض إياد عائداً إلى ألعابه، ملتفتاً نحوي كلما سمعني أتكلم فتبدو عيناه واسعتين بشكل غريب، نظراتهما لا تشبه نظرات طفل بل هي أقرب إلى نظرات رجل ناضج يعرف معنى كل كلمة مما يقال حوله.

قال معلمي:

إياد هذا ابن الحرب، لذلك فهو يذكّرني بها، على كلّ حال هو ولد صعب، إننا نمنح أخوته من الرعاية أقل بكثير مما نمنحه ومع ذلك فأنت قلّما تراه راضياً.. ولكن دعني أكمل لك قصته.

قلت: تفضل يا أستاذ.. فأنا مشتاق لمعرفة بقية أحداث القصة.

طوال أيام الحرب، ما كانت الغارات الجوية تتوقف قليلاً حتى يرمي صاحبنا خوذته جانباً، ويخرج من التحصين، ليستلقي على الأرض ساكناً، محملقاً في زرقة السماء، ثم نسمعه يغني بصوت دافئ حزين من مواويل الريف، عن الفرح والأعياد ومواسم الغلال!

وما كان أحد منا يظن أن ذلك الفتى النحيل الجسم يمتلك هذا القدر العظيم من الشجاعة، ولكن كيف نسي رسالته تماماً، وصار يغني لكل طائرة تهوي وهو يستلقي مستمتعاً بزرقة السماء؟!

من أين جاءته كل تلك البسالة؟ لم يكن أحد منا يعرف بالضبط، حتى أننا تساءلنا مرة:

أيمكن أن يحب الإنسان وطنه كل هذا الحب؟!

أيكون لحب الوطن قوة كقوة السحر؟! هكذا كان صديقي، قوياً جداً وغريباً جداً، ورقيقاً مثل الأطفال تماماً.

بعد شهور من بدء الحرب، كان كانون ينثر برودته بلا حساب خلال لياليه المعتمة ونحن نتحلق كل ليلة حتى ساعة متأخرة نرصد العدو ونتسلى بشرب الشاي، وسرد ذكريات الحرب التي لم تنتهِ على هضاب الجولان وسفوحه والتي لا تزال تجعل بنادقنا مشدودة وأيدينا على الزناد دائماً.. في إحدى هذه الليالي سمعنا صاحبنا يهمس وكأنه يحدّث نفسه: كيف يمكنني الحصول على إجازة يومين.. يومين فقط؟.. سأل بسرعة وعاد إلى ذهوله وكأنه لا يتوقع جواباً، وبالفعل لم يكن لهذا السؤال معنى في مثل هذا الوقت الصعب، فالعدو بدأ يصعّد من هجماته وقد أزعجه تقدم قواتنا والأعداد الكبيرة من طائراته المحطمة فصارت غاراته تزداد فوق المدن والقرى الحدودية، غير آبه بأن يسقط حمولته من القذائف والدمار ولو فوق مدرسة أو مشفى، ورغم كل جهود مقاتلينا الشجعان فإن الخطر كان لا يزال موجوداً، فكيف يخطر ببال صاحبنا أن يحلم بإجازة بينما نحن بحاجة إلى كل فرد في هذه المجموعة المهمة؟!

لا بد أنّ هناك سبباً كبيراً يدفعه إلى ذلك، فهو ليس من الرجال الذين يتنازلون بسهولة! لقد بدا مهموماً حقاً، وغشاوة من الحزن تكسو نظراته قلت، محاولاً التخفيف عنه:

تعال إن، غلبتني في لعبة شطرنج سعيت لك لتنال إجازة مدتها أسبوع فتنهد، وقال:

شطرنج، ألا تكفينا هذه الحرب؟! لا، عذراً لا أريد!

قلت: ما الحكاية؟

فأجاب: أيمكن أن تقدم لي معروفاً؟ قلت: أبشر ما دمت قادراً.

-حدثني عن أسرتك من فضلك

-أنت لست على ما يرام، فماذا حدث لك؟ وسمعته يضحك بفتور وهو يقول: أبداً، أبداً فقط أريد أن أسمع أخبار الناس لأرى إن كان في العالم من هو أتعس مني..

-بالتأكيد فحينما نسمع عن مصائب الناس وأحزانهم، تبدو مصائبنا الكبيرة لا شيء أمامها، وعلى كل حال أنت تعرف أني معلم ولي زوجة وطفل، وإذا كانت تهمّك التفاصيل، فنحن ننتظر مولوداً آخر قريباً، نسكن في بيت مؤجر فيه غرفتان صغيرتان ومطبخ يطل على الجيران، نصف مرتبي تأكله الكتب وديون عتيقة، وبالنصف الآخر نعيش حياتنا البسيطة، ماذا تريد بعد؟ سألته وأنا أضحك!.

-هكذا..؟ أتسمي هذا حياة صعبة؟

-هل تريد أن تفهمني أن حياتك أصعب بكثير؟!

-أنت احكمْ، إن لي أماً عجوزاً تكاد لا تقوى على المشي

قلت: وبعد؟

-كيف وبعد، أنت تعرف النهاية. جاء الصهاينة ليبعدوني عنها في وقت هي أحوج ما تكون إلي، فليس لها من أحد سواي، وأعتقد أنني لولاها لكنت محارباً ممتازاً.

-أنت غريب حقاً! ومن قال أنك الآن لست محارباً ممتازاً؟!

-كنت أشتهي أن أكون واحداً من هؤلاء الجنود الذين يتقدمون إلى العمق يواجهون العدو، ويخرجونه من أوكاره!

أريد أن أمسك جندياً صهيونياً وأهزّه من كتفيه لأفهمه أنه من العار أن يهجر وطنه الأصلي ليموت على أرض ليست لـه، وأنه ليس أكثر من دمية يحركها جنرالات يتاجرون بدماء الأطفال.

كنا نتحدث بصوت خافت بينما انصرف رفاقنا إلى لعب الورق، والليل من حولنا رائع بهدوئه لحظة هبّ أحد الرفاق فجأة وكأنه أفعى لسعته وصرخ: غارة.. غارة!

قفزنا فوراً حين أمسك صاحبي يدي وقال وهو يلهث:

أنت تنتظر طفلاً أليس كذلك؟ إذا كان صبياً عدني أن تسميه باسمي، سمِّه "إياد" ضغطت على يده وقلت: كفاك الآن!!

ولكنه أكمل: اذهب إلى أمي في أطراف الريف وقل لها أن إياداً سيعود إليك ذات يوم محملاً بالدواء والهدايا..!

كانت الغارة كثيفة ووحشية، لم نشهد مثيلاً لها قبلاً.. حامت الطائرات مزمجرة بالعشرات ورأينا عيونها الوحشية المحمرّة تنخطف هاربة من صواريخنا التي كانت تطاردها وتحرمها فرصة النجاة فتملأ فضاء الليل بلهيبها الوهاج.

ما كنا نسمع إلا أصوات الهدير والنداءات تختلط فتنزع عن الليل هدوءه الرقيق، راحت بعض الطائرات تنخفض باحثة عن أهدافها، حتى صرنا نسمع أزيز رشاشاتها وهي ترشق الصخور بالرصاص فتتطاير الشظايا النارية في كل اتجاه، ثم تغيب تلك الطائرات الأشباح قليلاً في بحر الظلمة لكي تعود من جديد.

فجأة رأيت إياداً يتناول رشاشه، ويهمّ مغادراً التحصين فصرخت:

إياد إلى أين تذهب؟ عد إلى مكانك.. عد.

قال، دون أن يلتفت إلي: سأعود حالاً!

وحين فتح الباب دخلتْ نسمة من نسمات الليل الباردة، فسرت رعدة في جسدي وشعرت بالخوف على إياد لأول مرة منذ التقينا.

رشف معلمي بعض القهوة، وارتسمت ملامح غريبة على وجهه، بينما كان شوقي لمعرفة المزيد يكبر ويزداد.

-نعم خرج إياد إلى العراء وكَمَنَ خلف صخرة، بعد أن لقم رشاشه وكأنه ينتظر وحشاً كاسراً سيبرز له في أية لحظة.

كان هادئاً، مطمئناً أكثر من أي وقت، حتى أنه أسند رشاشه إلى كتفه وبدأ يغني، حين أطلت تلك العين الشيطانية تضيء وسط النجوم، وتقترب سريعة كبيرة كما لم ترَ من قبل..

ومن الفوّهة المتجهة نحو الطائرة المقتربة بسرعة البرق انطلقت زخّة الرصاص سريعة لاهبة حتى آخر طلقة في المخزن، والغريب أن الطائرة لم ترتفع أبداً! بل تابعت مصطدمة بالأرض الرطبة، فأرسلت عموداً من اللهب وانفجاراً أجفلنا جميعاً، فهرعنا نطلّ برؤوسنا خارج التحصين..!

كان إياد لا يزال يتكئ إلى الصخرة وقد أضيئت الأرض تماماً، كان يضحك!! يضحك بسعادة مثل طفل وجد لعبته الحبيبة الضائعة!

لقد فعلها إياد وأسقط للعدو طائرة "شبحاً" ببندقيته الرشاشة! حتى أن طلقاته اخترقت قمرة الطيّار فلم تمهله ليطلق صواريخه وقنابله..

هتفنا بصوت واحد: إياد.. ماذا فعلت يا رجل؟؟

فنهض وهو ينفض التراب عن ثيابه، يحمل بندقيته، يضمّها إلى صدره، ثم يعود إلينا وهو يقهقه ويقول: لقد انتقمتُ منهم! نعم لقد أسقطت طائرة "فانتوم" برشاشي هذا!!.. ما تسقطونه بالصواريخ أسقطه ببندقيتي! ثم راح يقهقه.

اقترب منّي وهمس: أريد أن تقدّم لي خدمة!

قلت: بكل سرور، أطلب ما تشاء فأنت تستحق يا إياد!!

قال: غداً صباحاً سأخبرك.

ولم أستطع أن أفي بوعدي له، فقبل الصباح وصلت سيّارة عسكرية تحمل أوامر بنقلي إلى موقع آخر أكثر توغّلاً في جبهات القتال، فعانقت رفاقي واحداً واحداً، ضحكنا لننسى قلوبنا التي كانت تخفق بقوة!! وصدحت ضحكة إياد:

أيها الرفاق.. كل حرب وأنتم بخير! سنلتقي مرّة أخرى بلا شكّ إن لم تتحرر الأرض.

وجدت نفسي أعانقه وأهمس له:

سترى غداً أننا سنلتقي فوق أرض ترسم حدودها خضرة البيارات، وتغسلها شمس الحرية والكرامة، شدّ على يدي وقال: نعم، ولا تنسَ..!

ولم أنسَ وصيته لي، تذكرتها دائماً، وأنا أعلّم تلاميذي تهجئة الكلمات، أو حين أمسك أيديهم الصغيرة، أعلمهم كيف يرسمون أذناً للخروف الأبيض، وهو يرعى العشب الأخضر عند سفح التلة.

لقد أوصاني أن أسمّي ابني القادم باسمه، انظر هذا هو، ينبطح طول النهار خلف مخّدة أو فراش، بعد أن يوزّع ألعابه حوله، ثم يصنع معركة حقيقية.

كان عمره أسبوعاً حين عدت إلى البيت، وكان لا يزال بلا اسم.. ركضوا حتى باحة الدار وقالوا: "مبروك"، إنه صبي أسود الشعر، أكحل العين. قلت: نسميه "إياد!

وبهذا نفّذت نصف الوصية، وبقيت أحلم أن أرى سريعاً تلك العجوز التي أرسلتْ إلى الحرب شاباً يتقن إسقاط الطائرات أكثر مما يتقن كتابة الرسائل!

هل أطلت عليك؟ "قال معلمي"

قلت: لا، أرجوك قل لي هل استطعت أن تلقاها أخيراً؟

نهض معلمي وخطا باتجاه النافذة، فنظر إلى البعيد وهو يقول بصوته المتهدّج:

غريب منطق المستعمرين، فكل تلك الضربات التي تلقوها لم تجعلهم يفهمون العبرة، أن الظلم لا يخلق عند الشعوب إلا مزيداً من الكفاح والبسالة.

ففي الوقت الذي توقّعنا فيه انتهاء القتال، وجدنا الصهاينة يواصلون غطرستهم ويشعلون الحرب فوق قمم الجبال، وفوق سفوح الجولان المحتل لذا لم يكن إياد، كما اعتقدت، جالساً قريباً من أمه عند الموقد الدافئ، يحدثها عن ذكريات الحرب، بل علمت أنه لا يزال هناك في تحصين على إحدى الجبهات، يتابع النقاط المضيئة على شاشة الرادار، يطاردها بالصواريخ، فيسقطها متهالكة تجرّ نيرانها حتى أعماق الوديان، ولكن الذي عرفته فيما بعد أن رسالته إلى أمه وصلت أخيراً، فحينما اهتديت إلى داره بعد رحلة شاقة، وبعد وقت طويل.. طويل جدّاً..

حين وصلت، بادرتني أمه حتى الباب تتلمّس طريقها وهي تقول:

أنت الأستاذ؟ تفضل أهلاً وسهلاً!

فقلت متعجباً:

نعم، ولكن كيف عرفت؟

-اجلس ريثما آتيك بالطعام، وحين عادت قالت:

-لقد حدّثني إياد عنك وعمّا حدث معكما أيام الحرب، أخبرني أنك ستأتي لزيارتنا، قال لي:

إنه صديقي، وأنا أعرف أنه سيأتي مهما طال الزمن، رحبّي به وأكرميه يا أمي! فقد حاربنا معاً أياماً طويلة وقاسية، ونحن ندافع عن هذه الأرض..

-لكن أين هو؟ قولي لي.. إنني في غاية الشوق إليه!

لم تنتبه، ربما.. فقد تابعتْ حديثها:

قال لي: أكرميه يا أمي! فهو أخي وحبيبي.. كم كان يحبّك يا ولدي!! قال كلماته وذهب، وعدني أنه سيعود يوماً، لأن الأرض ستعود أيضاً..

-لكن أين إياد؟ أين هو؟!

نظرتْ طويلاً إليّ بعينيها المتعبتين، تفحصّتني بدقة، ثم نطقتْ كلماتها مرتجفة:

أأنت حقاً لا تعرف؟ ونهضتْ..

لم تغب طويلاً، وأنا أسمع دقات قلبي تقرع مثل طبل، عادت وألقت بين يديّ أوراقاً، عرفت فيها رسالة إياد.. لكم كانت كتابته جميلة!! رغم أن الرسالة مكتوبة بسرعة ظاهرة!

كلمات كثيرة تمتلئ بشوق حقيقي للأرض، وللأم، ولبيادر القرية، وللسنابل الملأى بالحب الناضج أكان إياد شاعراً؟! كثيراً ما كنت ألمحه ساهماً يفكر بعمق، ويغرق في صمت حالم وحين أناديه "إياد" يجفل فجأة: هل كلمتني؟

-فقط أريد أن أعرف بماذا تفكر كل هذا التفكير العميق؟!

-لا، مجرد أشياء صغيرة، كنت أقول لنفسي: كيف استطاع قوس قزح أن يرصف على هامته كل تلك الحزمة من الألوان الرائعة ثم يضحك..!

-أسأله: أأنت شاعر يا إياد، هل جرّبت كتابة الشعر؟

-أنا أحب هذا الأرض، ولا أعرف كيف أردّ لها بعض جمائلها..

فإذا كان هذا شعراً، فأنا إذاً شاعر!

جاءتني بالشاي وجلست قريبة مني.. قالت: أأنت قادم من بعيد؟

قلت: من أقصى الجنوب!

-كلكم متشابهون...!

قلت وأنا أبتلع آخر لقمة:

الطعام طيب، شكراً لك يا خالة.. وحين رشفت كوب الشاي، أمسكتني من يدي ونهضنا لتقودني نحو باب الدار وهي تهمس كلماتها التي تشبه البكاء أكثر: تعال لتعرف إياد على حقيقته، فجمدت في مكاني لكنها قالت: هيا نزره.
خارج القرية انتصب واحد من صواريخ "السام" الضخمة فوق منصته مشيراً برأسه إلى الفضاء الأزرق، فتنعكس شمس الصيف على جسده الفضي بحدّة، ثم تتطاير حزماً من الضوء الباهر.

كانت نفسي لحظتها مزدحمة بعواطف هي مزيج من الفرحة والغضب، من الألم والشجاعة والقهر، فاشتقت أن أفلت يدي وأركض طويلاً بين حقول الذرة الممتدة حتى الأفق، أستلقي فوق الأرض التي أحبها إياد حتى أحسّ ترابها يلتصق بجسدي ويدفئه.

عند قاعدة النصب كان تمثال نصفي لإياد بلباس القتال، يعتمر خوذته، ويسند بندقيته إلى كتفه ولمحت ابتسامة لا تزال على فمه مثل ابتسامة طفل طيب، حتى وجدت نفسي أبتسم لـه وأجثو قريباً منه لأقرأ: "إياد.. مثلما أَحبّ الأرض سنظل نحبه ونذكره".

مدَّت العجوز يدها في عبّها فأخرجت شمعتين قدّمت إحداهما لي وقالت: أشعل.

نظرتُ في عينيها فرأيتهما تبتسمان، آنذاك وجدت نفسي أمسك يدها الكبيرة الخشنة، أرفعها إلى فمي، وأقبّلها طويلاً وأنا أهمس لها:

أجل يا أمي.. سنظل دائماً نحبه ونذكره!

 

&&&

صفقة رابحة

 

ابن عمي عدنان ولد يحلو لك أن تظلّ معه!!

إنّه حين تصل سيارتهم إلى باب بيتنا، وقبل أن تتوقف عجلاتها تماماً يقفز مثل جندب ناسياً حتى أن يسلّم علينا فلا يتوقف إلاّ في الحظيرة بين الجديان والخراف الصغيرة!

ثم تبدأ المعركة، يطاردها ليحمل أحدها، وهي تفرّ من أمامه قافزة وكأن أرجلها قد تحوّلت إلى نوابض...

أخيراً ها هو يمسك جدياً صغيراً يلمع شعره الأسود، وكأنه دهن بزيت الزيتون، سوى بقعةٍ بيضاء كانت تحتل جبينه مثل نجم وهذا ما جعلنا نسميه "الأنجم". كان عدنان لحظة الإمساك به يبدأ يقبّله ويمسح شعره الناعم بيديه، وهو يضمّه إلى صدره حتى يحس نبضات قلبه، سعيداً حتى أعماقه، عندها فقط يفطن إلى وجودنا حوله فيبدأ يضحك، بينما الجدي "الأنجم" يثغو بين يديه بصوت يشبه صوت المزمار محاولاً الإفلات.

قلت لأبي: لماذا يحبّ عدنان الخراف والجديان كل هذا الحب؟!

ضحك أبي وقال: ألا ترى أنه يشبهها فهو مثلها يحب القفز والركض بلا كلل أو ملل، ثم أنهم في المدينة لا يرون هذه الحيوانات اللطيفة أبداً..!

عجيب أمر هذا الولد!! فأنا مستعد أن أمنحه كل ما لدينا من جديان مع أمهاتهم مقابل أن يكون لدينا مثل سيارتهم الأنيقة التي يتحلّق الأولاد حولها الآن.. يتلمسون دهانها اللامع ويتفحصون أضواءها وما ترسمه إطاراتها على التراب من نقوش جميلة!

لكن عدنان لم تكن مداعبته للخراف كافية، فهو سرعان ما يودّعها ليمتطي ظهر حمارنا الرمادي رافضاً أن يساعده أحد، ثم يهرع به إلى البيدر، وكأن الحمار يعرف أن راكبه ضيف بلا خبرة في الركوب فيبدأ يحرن هنا ويرفس الأرض برجله هناك، وقد يُسقط الفارس الصغير لكن عدنان لم يكن يتألم أبداً! حتى لا يكلّف نفسه أن ينفض الغبار عن ثيابه، بل سرعان ما يعود لامتطاء الجحش الأغبر اللعين الذي يرضخ في النهاية ويسير إلى البيدر! حتى بعد أن يصل ويبدأ بقضم سنابل القمح بنهم، لم يكن عدنان يترجّل عن صهوته..

وهو يأمره بصوت عالٍ: حا. حا. امشِ ثم هش. هش. توقَّف

وسرعان ما تنتهي العطلة ويتأهب عمي وأسرته للعودة إلى المدينة حيث يقيمون منذ مدّة طويلة وتكون ليلتنا الأخيرة معاً حافلة بالسمر والضحك والكثير من الأحاديث الطريفة.

ويظل أطرفها على الإطلاق تلك القصص التي يرويها عمي المحامي القدير عن أغرب الحوادث التي سمع عنها أو رآها! ويطول السمر حتى يغفو الأطفال منكسين رؤوسهم فوق صدورهم ليحملهم أهلهم إلى فرشهم ضاحكين، ودائماً يكون عدنان أسبقهم جميعاً إلى الإغفاء لكثرة ما يتحرك ويتعب في النهار.

ولكننا فوجئنا به يعود إلينا متمايلاً كالسائر في نومه ثم يخاطب والده:

أبي أنت محام بارع وشهير أليس كذلك؟

-هكذا يقولون!

*وأنت قادر على أن تقنع الآخرين؟!

-بالحق طبعاً!

*إذاً أرجوك أقنعْ عمي أن يقبل السيارة منّا مقابل أن يعطينا الجحش الأغبر..

وقهقه الجميع بصوت عال بينما ظل عدنان واقفاً ينظر إليهم مستغرباً لا يعرف سبباً مقنعاً لهذا الضحك كلّه.

 

???

 

اختراع أنمار

 

"أنمار" ولد غريب حقاً!! وأغرب ما فيه أنه لا يسمّي الأشياء بأسمائها! فهو يعبّر بطريقة لا نسمعها من الأولاد الذين في عمره أبداً حتى صار الناس يتحرّشون به ويسألونه عن أشياء يعرفونها، فقط كي يسمعوا أجوبته العذبة، والتي تملؤها الضحكات المختبئة في زواياها. وكأنه يروي نكاتاً..

وحتى الآن لا يزال الناس يتذكرون ما قاله أنمار يوم امتطى مع أبيه حماراً أغبر. راح ينزل بهما المنحدر بطيئاً ومع كل خطوة كانت البردعة التي لم تُشدّ جيداً تزحف باتجاه عنقه، عندها سأل أنمار أباه ببرودة: هل ستظن أن الحمار سينتهي قبل أن نصل آخر السفح؟! والذي حدث أن أباه سقط أرضاً ثم سقط أنمار فوقه بينما وقف الحمار وقد أصلى أذنيه لا يفهم شيئاً مما حدث!

قلت لـه مرّة: من أين تأتي بهذه الأفكار يا ولد!؟.. قال:

*اسمع هل للغيمة رأس تفكر به؟!

-لا ليس لها رأس، لماذا؟

*ومع ذلك فهي تهطل مطراً يسقي الناس والأشجار!

-قلت لم أفهم.

*قال جربْ أن تلمس واحداً من هذه الزيزان الخضراء ستراه ينقلب على قفاه، متظاهراً أنه ميت حتى تبتعد عنه، فيضحك منك ثم يتابع زحفه.

-هذا مكر.

*هذا ذكاء فقط والعصي وحدها لا تفكر لأنها ليست ذكية.

شغلني أكثر فأحببت أن أثيره!

-والحجارة، ألا تفكر؟!

صفن ثم اقترب مني ونظرا في عيني تماماً.. قلت:

-ما بك أنك تخيفني؟!

انحنى وأمسك حجراً بحجم قبضة اليد وراح يتأمله طويلاً ثم نطق:

 

*ليست الحجارة سواء يا صديقي إنها مختلفة مثل البشر!

-كيف لم أفهم؟

*لو كان هذا الحجر في غزَّة لرأيته مثل كوكب يطير وكأن لـه جناحين، نعم سيطير مثل كوكب راسماً خلفه ذيلاً من ذهبٍ أحمر!

-هل تتمنّى لو أنك هناك بين الأولاد الشجعان الذين يكسرون أنياب الوحش؟!

نظر إلى البعيد البعيد ومطّ صوته وكأنه يغني:

-أنا هناك يا صديقي أنـــا هناك، وراح مبتعداً كأنه لم يعد يراني..

اليوم رنّ جرس الهاتف في بيتنا، كان أنمار على الخط.. قال:

*تعال سأريك شيئاً يعجبك.

-الآن؟

*نعم، نعم الآن! وفي الطريق حاولت أن أخمّن اكتشافه الجديد.. قد تكون لعبة جديدة أو لوحة رسمها ببراعة مثلما عوّدنا! وقبل أن أصل بيتهم بخمسين متراً سمعته ينادي:

*قف عندك وانتبه حتى لا تصيبك الحجارة، وقفَ لكي أراه، ثم انحنى قليلاً لتنطلق كومة كاملة من الحجارة تناثرت حولي وراحت تتدحرج بينما أنمار يقهقه فرحاً.. ركضت إليه:

-هل استدعيتني لترجمني أيها اللعين؟! ضحك..

*لا لا، هل أعجبك اختراعي؟!

نظرت إليه، كان يوشك أن يطير من الفرح وهو يهتف: إنه منجنيق حقيقي هذا سيمطر الجنود الصهاينة بوابل من الحجارة فلن يمهلهم ليسددوا على رؤوس أطفال فلسطين إنه هديتي إليهم!!

منذ بدء الانتفاضة لم يعد أنمار ولداً طبيعياً وغابت النكات التي كان يلقيها أينما ذهب وبدلاً من الابتسامة الدائمة التي لم تكن تفارق وجهه بدا دائماً مشغولاً وحزيناً، وها هو فرحه يعود إليه الآن دفعة واحدة!

-قلت أنمار كيف خطرت لك الفكرة؟!

*قال تعال وجرب وراح يملأ كفة خشبية بكومة من الحجارة والحصا، اقتربتُ، وبحركة واحدة اندفعتْ متناثرةً، كأن يداً سحرية قد حملتها.

*هل رأيت؟!

-نعم إنه عظيم اختراعك هذا!

لكنْ أنمار، كيف يمكن أن نجعل أطفال فلسطين يستفيدون منه؟! رأيته يجلس على حجر قريب، ويستغرق في التفكير.

*صدّقني إن ذلك يشغل بالي منذ البداية ولكن قلبي يقول لي لا بد أن يكون هناك طريقة لتحقيق ذلك، أنا واثق من أنه ممكن!

مرَّ من العطلة أسبوع آخر، لم أرَ أنمار خلاله أبداً وكان ذلك غريباً، دفعني شوقي إليه أن أهتف له: (كانت أمّه مَنْ أجابني).

-صباح الخير خالتي

*أهلاً حبيبي أين أنت؟ لماذا لا تزورنا؟

-شكراً لكِ يا خالتي سأزوركم قريباً إن شاء الله ولكن أين أنمار، لماذا انقطع عني كلَّ هذه المدة؟!

*أنمار؟ سمعتها تتنهد، إنه مشغول يا ولدي، مشغول دائماً!

-مشغول؟ وبماذا يا ترى؟!

*أنت تعرفه، الآن هو غارق بين حطام أجهزة الراديو القديمة التي جمعها من أين لا أدري

-وما حاجته إليها؟!

أما أنا فلا أعرف أبداً، ولكني سمعته يقول إنه بحاجة إلى جهاز هاتف لا سلكي، ليكلم عبره شخصاً بعيداً، لكنه مهم..

ويقول أيضاً: أن الأمر في غاية السريَّة. فما رأيك؟

-ها؟ نعم نعم، فعلاً! الأمر في غاية السريَّة! ثمَّ ودّعتها همساً وأنا أتمتم:

إلى اللقاء يا أمي!

A A


 

 

حيّان يؤلف قصصاً

 

أكثر ما يفتن "حيّان" في قصصه المصورة هي تلك الرسوم الملوّنة التي أبدعها فنانون بارعون! لقد حفظها جميعها عن ظهر قلب! لكنه منذ نجح إلى الصف الرابع بدأ يلعب معها لعبة جديدة أعجبته كثيراً!

صار، منذ أن يدخل غرفته، ينشر هذه القصص حوله، وبعد أن يتأملها جيداً، يأخذ دفتره ويبدأ يجرّب كيف يؤلف منها قصّة جديدة غريبة!

ينقل جملة من هنا، وعبارة من هناك، ويضحك كلما اختلطت الأشياء، وتعقّدت المشاهد!

وتغريه هذه المغامرة، فيعيش معها ساعات طويلة حتى ينبّهه صوت أمه:

حيّان! أنت لا تزال هناك؟

فيجيبها: أجل يا أمي! إنني أكتب!

-جميل! ماذا تكتب يا ترى حتى تنشغل عنا كل هذا الوقت؟!

*هل تريدين أن تري؟ تفضّلي!

وتجلس أمه إلى جانبه، ثم ترتسم على فمها ابتسامة كبيرة وهي تقرأ:

"بينما كان السندباد يسير وحيداً على أرض الجزيرة الغريبة، كانت "أليس" لا تزال تبحث عن ملكة القلوب! فسارا معاً مسافة طويلة حتى تعبا، عندها انتبهت أليس إلى أن السندباد فتى عربي، يضع على رأسه عمامة كبيرة، فخطر لها أن تسأله عن بغداد وهارون الرشيد، وعن غابات النخيل! لكنها تذكرتْ أنها لا تتقن اللغة العربية.."

*نعم، اقرئي! تابعي.

"تناولت أليس زهرة قرمزية، وقدّمتها للسندباد.. شمّ أريجها العذب، ثم قفز وبدأ يرقص رقصة البحارة الغريبة، وهو يضرب الأرض بحذائه المدبب، والفتاة تصفق له فرحاً حتى وصل الأرنب، نظر إلى ساعته، ثم انعطف مشيراً لأليس أن تتبعه..

نهضتْ غاضبة، ولكنها قبل أن تبتعد علّقتْ على صدر السندباد وساماً صغيراً له شكل القلب!

فطن "علاء الدين" أن السندباد لم يكن على ظهر السفينة، فبدأ يبحث عن مصباحه العجيب، وعندما وجده أخيراً في قبو السفينة، وحوله عدد من الفئران ينظرن إلى وجوههن تنعكس على معدنه اللامع كالمرآة، فرك علاء الدين المصباح ثم انتبه إلى أنه لا يزال في القبو، فأسرع يخرج إلى السطح قبل أن يظهر المارد فيحطّم السفينة بجسده الضخم!

ولكن، يا لهول المفاجأة!! لقد تدفّق الدخان من فوّهة المصباح، وبدلاً من أن يبدأ الصعود إلى الأعلى، راح يتكوّر قليلاً قليلاً.. ثم قفز السندباد صائحاً.

شبيّك.. لبيّك.. أنا قادم إليك!!

-أين كنت يا ولد؟! (هتف علاء الدين)

*الآن فقط كنت في بلاد العجائب! برفقة أليس المشهورة! هل سمعت عنها؟

-انظر، أريد أن ترافقني في مهمتي القادمة، لقد بحثت عنك!

*اعذرني إنني مشغول، سأجهّز نفسي لأنطلق في رحلة جديدة إلى بلاد السودان، يجب أن أشرف على تجهيز السفينة.

-لا تكن عنيداً! تعال لنمتطي ظهر خادم المصباح، وننطلق إلى جزيرة نائية في المحيط!

هناك تنمو أعشاب بريّة تشفي من النسيان، وأريد أن أجلب قليلاً منها لجدتي، إنها تنسى كثيراً هذه الأيام!

*جدّتك؟ وما علاقتي بجدّتك؟! أنا بحّار ومغامر!!

-وأنا..؟ هل تظنني تاجر كلاب؟!

مسح علاء الدين مصباحه، ثم انطلق الدخان، وما هي إلاّ لحظات حتى كانت الحقول والجداول والبيوت الريفية تسحّ تحتهما وكأنها سجادات ملونة بأبهى الألوان! ثم أحاطت بهما الزرقة من كل جانب فعرفا أنهما أصبحا فوق البحر! ولولا قوس قزح الذي كانت إحدى الغيوم تحمله على كتفها لظن السندباد أن الألوان الأخرى قد اختفت من الكون..!

أية جزيرة نائية هذه؟! قال السندباد، أظن أننا درنا حول الأرض كلّها!

*انتظر لا تكن لجوجاً! أوشكنا أن نصل... ثم "هوب" ها هما تحت شجرة جوز هند عالية، والجزيرة من حولهما غابة كثيفة تنطلق من وسطها ألحان وأصوات غريبة لطيور لا حصر لها.. وبينما هما يبحثان عن النبات الذي يشفي من النسيان أحسّ علاء الدين أحداً يجذب المصباح المعلّق في وسطه! فالتفت ليجد عنزة حمراء تشدّ المصباح بفمها، جفل وتراجع سريعاً، فقفزت العنزة هاربة، لكن فتاة في الخامسة من عمرها تقريباً ظهرت فجأة وهي تنادي عنزتها..

هتف السندباد: يا للعجب! هل يمكن؟ إنها "فلونة" ألم تعرفها؟ ها هو وجهها المرقوش بالنمش، وفستانها القصير الأصفر.. يبدو أنها لا ترانا.

قال علاء الدين هامساً: هس لا تثر ضجّة، لا نريد مزيداً من المشاكل، فأنا أعرف السيد "روبنسون" والدها! لكن جيد أننا وجدناهم! الآن لن يقضوا عمرهم على هذه الجزيرة البعيدة، فعند عودتنا سوف نرسل لهم سفينة تنقذهم!

ضحكتْ أم حيّان كثيراً حتى هرع الأب يسأل آ.. أية سعادة هبطتْ عليكم اليوم؟!

تفضّل –قالت الأم- وقدّمت إليه دفتر حيان، ابنك هذا لا بدّ يوماً ما أن يصبح كاتباً مبدعاً!

وضع الأب نظارتيه ثم بدأت ابتسامة تتسع على فمه شيئاً فشيئاً.

ثم سأل ابنه: وكيف تظن أن قصتك ستنتهي؟

-نعم، أعرف أنها نهاية محزنة! أن علاء الدين يخطئ في اختيار النبتة، فيجلب نوعاً من الأعشاب إذا تناولـه الإنسان فقد ذاكرته شهراً كاملاً! وفي طريق عودتهما راح يغري السندباد بقضم بعض أوراقها الخضراء الزاهية، ولولا أنه كان قد أعطى الأمر لخادم المصباح قبل ذلك: أن يهبط بهما في باحة الدار، لظّلا يدوران في الفضاء شهراً كاملاً، وهما لا يعرفان إلى أين يصلان! لكن ها هما الآن يصافحان الجدّة فرحَين بالسلامة.

ابتسمت الجدة لهما ولكنها راحت تتأملهما وهي تسأل: من أنتما أيها الشابان الغريبان؟!

قدما لها النبات وهما يغرقان في الضحك.

 

 

ZZZ