العابلعب و جد و طفولة |
العابلعب و جد و طفولة
كان في قديم الزمام، ملكٌ كبيرٌ حكيم، اسمه حسَّان.. وكان الملك حسان، يحبُّ الأذكياءَ، ويرفعُ قَدْرَهم، فهو يُقيم مُسابقةً، بينَ حينٍ وآخر، يطرحُ فيها سؤالاً واحداً، ومَنْ يجبْ عنه، يقلّدْهُ وساماً ملكيّاً رفيعاً. واليوم. هو يومُ المسابقةِ الكبرى.. الملك حسان في شرفةِ القصر، وحولَهُ الوزراء والقُوّاد.. والساحة الواسعة، تغصُّ بالبشر ،من رجالٍ ونساءٍ وأطفال، وكلُّ واحدٍ يقول في سِّرهِ : - ماسؤالُ اليوم ؟! لقد حضر الناسُ، من أقصى المملكة، ليسمعوا السؤالَ الجديد ... - ما أَغلى قطرةٍ في المملكة؟ - ومتى الجواب؟ - في مثل هذا اليوم، من العام القادم . *** وانصرف الناسُ، يفكِّرون في السؤال ... قال طفلٌ لأبيه : - إذا عرفْتُ أغلى قطرة، هل أنالُ وسامَ الملك؟ ابتسمَ والدهُ، وقال : - نعم يابني! قال الطفل : - قطرة العسل . - لماذا؟ - لأنها حلوةٌ ولذيذةٌ. وقالتْ طفلةٌ لأُمِّها : - أنا أعرفُ أغلى قطرة.. - ماهي؟ - قطرة العطر.. - لماذا؟ - لأنَّها طيِّبةُ الرائحة . *** وشُغِلَ الناسً بالقطرات، فهذا يقول : - إنَّها قطرةُ الزيت.. وذاك يقول : - إنَّها قطرةُ النفط .. وأكثرهم يقول : - سؤالُ الملكِ، ليس سهلاً، كما تظنّون ! فما القطرةُ التي يريد ؟! *** قال عقيل : - لن أهدأَ حتى أعرفَ الجواب .. وأقبلَ على مطالعةِ الكتب، ومصاحبةِ العلماء تارةً يقرأُ في كتاب ،وطوراً يصغي إلى عالم... مضتْ عدَّةُ شهور، ولم يصلْ إلى مايريد! وذاتَ يوم... زار عالماً كبيراً، فوجدَهُ مُنكباً على تأليفِ كتاب ... المحبرةُ أمامه والريشةُ في يده.. وفجأة .. لمع في ذهنه الجواب : - إنها قطرةُ الحبر! رمزُ العلوم والأدبْ لولاها ضاع تراثنا .. لولاها ماكانتْ كُتُبْ *** وفي مكانْ آخرَ من المملكة، كان ربيعةُ يمشي تعِباً، في أرضٍ قاحلة جرداء .. اشتدَّ به العطش، ولم يعثرْ على ماء! ظلَّ يسيرُ حتى وهنَتْ قواه، وأشرفَ على الهلاك . - ماذا يعمل ؟! وقف يائساً ، ينظرُ حوالَيه .. شاهدَ بقعةً خضراء ! لم يصدِّق عينيه، وقالَ مُستغرباً : - الأرضُ الميتةُ، لا تنتجُ خضرة! ومع ذلك .. سارَ نحو البقعة الخضراء، يدفعه أملٌ جديد... وعندما وصل إليها ،وجد الماء ! أقبل عليه فرِحاً، يشربُ ويشربُ، حتى ارتوى تماماً.. حمد الله، وقعد يستريح، ويتأمَّلُ المياه، وما يحيط بها، من عشبٍ غضٍّ، ونبتٍ نضير... وتذكرَّ سؤال الملك، فنهض واقفاً، وقال : - لقد عرفتُ أغلى قطرة ! إنَّها قطرةُ ماء فيها أسرارً الحياة إنَّها قطرةُ ماء *** واختلط الحارثُ بأصنافِ الناس ... شاهدَ البنَّاءَ الذي يحوِّلُ كومةَ الأحجارِ إلى قصر جميل، وشاهد النجارَ الذي يصنعُ من جذعٍ غليظِ خزانةً أنيقة... وشاهد الفلاح الذي يحوِّلُ أرضه البَوار إلى جنَّةِ أشجارٍ وثمارٍ شاهد وشاهد كثيراً من العمال، الذين يعمرون الوطن، ويسعدون البشر وشاهد قطرات العرق، تزين جباههم السُّمر.. عادَ مسروراً ،وهو يقول : - عرّفْتُها.. عرَفْتُها ... إنَّها قطرةُ العَرَق ! رمزُ النشاطِ والعملْ تكرهُ كلَّ القاعدينْ كأنَّها لؤلؤةٌ تهَوى جِباهَ العاملينْ *** أمْا طارق ، فقد وصلَ في أسفارهِ، إلى جنوب البلاد... وجد الناسَ في هرج ومرج... سأل عنِ الخبر، فقيل له : - لقد اجتاز الأعداءُ حدودَ مملكتنا.. دخل السوقَ، فسمع كلماتٍ غاضبة: - الأعداءُ يقتلون ويحرقون ! - إنَّهم يخربون مابناه العمال ! - ويفسدون زروعَ الفلاحين ! - ويلقون كتبَ العلماءِ في النهر! - مياههُ تجري سوداء! - حياتنا أشدُّ سواداً ! - هيّا إلى الجهاد ! - هيّا إلى الجهاد ! انضمَّ طارقٌ إلى المجاهدين، وانطلقوا جميعاً إلى الحرب، يتسابقون إلى الموت، ويبذلون الدماء، حتى أحرزوا النصر، وطردوا الأعداء ... عادت الأرضُ حرَّةً .. وعادتِ الحياةُ كريمةً وعادَ الناسُ فرحين، يحملون شهداءهم الأبرار.. سقطَتْ على يد طارق، قطرةُ دمٍ حمراء ،نظر إليها طويلاً، وقال : أنتِ أغلى القطرات أنتِ رمزٌ للفداء أنتِ عزٌّ للحياة أنتِ روح للضياء *** مضى عامٌ كامل، وحانَ موعدُ الجواب .. الملك حسان في شرفةِ القصر، وحولَهُ الوزراءُ والقُوّاد.. والساحة الواسعةُ، تغصُّ بالبشر، من رجالٍ ونساءٍ وأطفال ... وكلُّ واحدٍ يقول في سرِّه : - مالجوابُ الصحيح ؟! لقد حضر عقيل، ومعه قطرةُ حبر . وحضر ربيعة، ومعه قطرةُ ماء . وحضر الحارث، ومعه قطرةُ عرق . وحضر طارق، ومعه قطرةُ دم.. إنَّهم أربعةُ رجال، يحملون أربعَ قطرات .. والسؤالُ الآن : - مَنْ سيفوزُ بالوسام ؟! *** في قريتنا كَرْمٌ فسيح ، يملكه " سحلول " البخيل .. حلَّ فصلُ الصيف، وأينعتْ عناقيدُ العنب .. فرحتِ العصافيرُ كثيراً، وطارتْ مسرعةً إلى الكرم ، وعندما صارتْ قربه.... قال عصفورٌ مُحذِّراً - ها هوذا رجلٌ يقفُ وسطَ الكرم! قال آخر : - في يده بندقية! قال ثالث : - يجب ُ ألاّ نعرّضَ أنفسنا للخطر .. خافتِ العصافيرُ، وولَّتْ هاربةً.. في اليوم الثاني .. استفاقتِ العصافيرُ باكراً، وهرعَتْ إلى الكرم، آملةً أنْ تصله، قبلَ الرجل المخيف .. وهناك.. فوجئَتْ برؤيةِ الرجلِ واقفاً، لم يبارحْ مكانه! رمقَتْ بندقيته خائفةً وانصرفتْ حزينةً ..غابَتْ أيّاماً.. ملَّتِ الصبرَ والانتظار، ازداد شوقها إلى الكرم، قصدَتهُ من جديد.. وكم كانتْ دهشتها عظيمةً ، وحينما شاهدَتِ الرجلَ منتصباً، في مكانه نفسِهْ، كأنَّهُ تمثال! لم تجرؤ العصافيرُ على دخولِ الكرمِ.. لبثتْ ترقبُ الرجلَ عن بُعد.. مرَّ وقتٌ طويل.. لم ينتقل الرجلُ من مكانه .. قال عصفورٌ ذكيّ : - هذا ليس رجلاً ! قال آخر : - أجل ... إنَّهُ لا يتحرَّك! قالتْ عصفورة: - عدَّةُ أيامْ مضتْ، وهو جامدٌ مكانه ! قال عصفورٌ جريء: - سأمضي نحوه ،لاكشفَ أمره وقالتْ له أمُّهُ : - أتُلقي بنفسك إلى التهلكة ؟! قال العصفور الجريء: - في سبيل قومي العصافير، تهونُ كلُّ تضحية ... ثم اندفعَ بشجاعةٍ تجاه الرجل .. نزلَ قريباً منه ..تقدَّم نحوه حذِراً.. لم يتحرَّكِ الرجل ... تفرَّسَ في بندقيته.. ضحكَ من أعماقه .. إنَّها عودٌ يابس! حدَّقَ إلى وجههِ، لم يرَ له عينين ... اطمأنَّ قلبه .. خاطبه ساخراً : - مرحباً يا صاحب البندقية! لم يردَّ الرجل.. كلَّمهُ ثانيةً .. لم يردَّ أيضاً .. قال العصفورُ هازئاً : - الرجلُ الحقيقيّ، له فمٌ يُفتّحُ، وصوتٌ يُسمع! طارَ العصفور.. حطَّ على قبعةِ الرجلِ.. لم يتحرَّك.. نقرَهُ بقوّةٍ ... لم يتحرَّك.. شدَّ قبعته، فارتمت أرضاً ... شاهدتْ ذلك العصافيرُ، فضحكتْ مسرورةً، وطارتْ صَوْبَ رفيقها، ثم هبطتْ جميعها فوق الرجل ... شرعتْ تتجاذبه بالمخالبِ والمناقير.. انطرحَ أرضاً.. اعتلَتً صدره، تنقره وتهبشه ... انحسرَ رداؤهُ ,... تكشَّفَ عن قشِّ يابس !! قالت العصافيرُ ساخرة : - إنَّهُ محشوُّ بالقَشّ ... قالتْ عصفورة : - كم خفنا من شاخصٍ لا يُخيف! قال آخر : - لولا إقدامُ رفيقنا، لظللنا نعيشُ في خوف . قال عصفورٌ صغير : - ياللعجب.. كان مظهره يدلُّ على أنَّهُ رجل! قال له أبوه : - لن تخدعنا بعدَ اليومِ المظاهر .. غرَّدت العصافيرُ، مبتهجةً بهذا الانتصار، ثم دخلَتْ بينَ الدوالي ، فاحتضنتها الأغصان بحبٍّ وحنان .. *** في قديم الزمان.. عاشَ ذلك السلطان .. وكان عنده، ثورٌ أسود، ضخمٌ كبير، كأنَّهُ البنيان! رأسه كالصخر، قرونه كالحديد .. إذا سارَ، هزَّ الأرض .. وإذا خارَ، غلبَ الرعد.. وكان ذلك السلطان، لا يشبعُ من النظرِ إليه، ولا يملُّ من الحديث عنه، وقد جعلَ له خدماً كثيرين، يعنونَ به ويحرسونه .. خادمٌ يطعمهُ ، وخادمٌ يسقيه . خادمٌ ينظِّفُهُ، وخادمٌ يداويه .. خادمٌ ينزِّههُ، وخادمٌ يحميه .. السلطانُ يحبّهُ كثيراً، والناسُ يكرهونه كثيراً.. لماذا ياترى ؟ تعالَ لنرى .. *** الشارع مملوءٌ بالناس.. مابينَ شارٍ أو بائع، مابينَ ماشٍ أو قاعد .. هذا يعمل، ذاكَ يضحك ولدٌ يجري، بنتٌ تلعب شيخُ يمشي على عكّاز أمٌّ تحملُ طفلاً يرضع أخرى تمشي، تسحبُ طفلة حلوة حلوة، مثل الفلَّة الشارعُ مملوءٌ بالناسِ. وفجأة ... جاءَ الصوت، مثل الموت : - خرجَ الثورُ.. خرجَ الثورُ ..!! دبَّ الرعبُ بينَ الناسِ .. هذا يركض، ذاك يركض .. يهربُ يهربُ كلُّ الناس .. وقعَ الشيخُ على العكاز مرَّ الثورُ، وداسَ الشيخ تركَ الشيخَ، ونطحَ الطفلة لكنَّ الطفلةَ ما ماتتْ، فاللَّهُ رحيمٌ بالأطفال ومضى الثورُ إلى البستان. كسرَ الغرسَ، أكلَ الزرع َ خرَّب اسوارَ البستان حلَّ الليلُ. وعادَ الثورُ إلى السلطان. حلَّ الليلُ ... وباتَ الناسُ مع الأحزان .. *** هكذا كان يفعل الثور .. يخرجُ مهرولاً كالغول، فيختفي الرجال، وتتوقَّفُ الأعمال، ويتركُ الأطفالُ ألعابهم، ويهربون إلى البيوت، فتحضنهم أمهاتهم خائفات ويغلقْنَ دونهم الأبواب . وتنظرُ العيونُ من الشقوق .. - هل أوقفه أحدٌ عند حدِّهِ ؟ - لا ... - لماذا؟ - خوفاً من السلطانِ وجندهِ.. وصبرَ الناسُ محزونين، ينتظرون رحيلَ الظلم.. قال الشيوخ : - الظلمُ لن يرحل - لماذا؟ - لأنكم تقبلونه - ومالعمل ؟! - إذا رفضتم الظلم، لن يبقى ظالمون *** ذاتَ يوم، والعيونُ غافلة .. أسرع رجالٌ شجعان، وقبضوا على الثور ألجموا فمه، وعصبوا عينيه ربطوا قوائمه بالحبال، وصاروا يشدُّونها بقوَّة. غضبَ الثورُ وهاجَ، مدَّ رأسه وقرنيه، واندفعَ.. كالبركان، فاصطدمَ بالجدار، وسقط على الأرض ... هجمَ عليه الرجال، ووقعوا على رقبتهِ، يذبحونه جاهدين.. الدمُ الأحمر، يدفقُ ويدفق .. نهضَ الثورُ قويّاً، واندفعَ يجري، ثم وقعَ كالتّل، وسكنَتْ حركته، وفارق الحياة.. تركه الرجال، واختفوا في الحال *** علم السلطان بمقتل الثور، فجنَّ جنونه، واستدعى جنودّهُ وخاطبهم قائلاً : - أيُّها الجنود! لقد جاء يومكم، فابحثوا عن المجرم اللعين إنْ كان في الأرض فاخرجوهُ ،وإنْ كان في السماء فأنزلوه، والويل ثم الويل لكم إن لم تجدوهُ..! انتشر العساكرُ والأعوانُ، في كلِّ بقعةٍ... ومكان.. يطوفونَ ويبحثون .. يراقبونَ ويسألون .. ومرَّتِ الأيام، تتبعها الأيام .. وأخفق الجنود، وعادوا للسلطان لم يحصلوا على خبر، أو يعثروا على أثر! *** في اليوم التالي ، كان منادي السلطان، ينتقلُ من مكان إلى مكان، وينادي بين الناس : جائزةٌ كبيرة ألف دينار يأخذها من يخبر السلطان عن قاتل الثور جائزةٌ كبيرة .. ألف دينار .. بُحَّ صوته، والناسُ ساكتون .. وانصرفَ المنادي، وضاعَ النداء *** اغتاظ السلطانُ كثيراً، فجمع وزراءه وقال : - هل تعلمون أحداً يكرهُ ثوري؟ - الرعيَّةُ كلُّها تحبّهُ يامولانا! - هل أوقعَ ضرراً بأحد؟ - ثورُ السلطان لا يعرفُ الضرر. - هل كان أحدٌ يتمنَّى هلاكَه؟ - الناسُ جميعهم يدعون له بالحياة - ألَمْ يفرحْ أحدٌ لموته ؟ - الرعيةٌ جميعها حزينةٌ لفراقه. جُمِعَتِ الرعيّةٌ، أمامَ القصر، وخرجَ السلطانُ، فخطبَ وقال: - أيُّها الشعبُ الطيِّب! لقد بلغني حبّكم للثور، وحزنكم على فراقه، فعزمتُ على شراءِ ثورٍ آخر، لا مثيلَ له بين الثيران، في جميع الممالكِ والبلدان ، و.. وصرخ الأطفال : - لا نبغي ثوراً يرعبنا - لا نرضى العيشَ مع الثيران! وصرخ الرجال : - إنْ جاءَ الثورُ سنقتله - إنْ جاءَ الثورُ سنقتله واشتعل الغضبُ، وماجتٍ الحشود، كالبحر إذ يموج، وارتفع الهتاف، يدوِّي كالرعود، فارتجفَ السلطان، ودخل القصر ،وغلَّق الأبواب .. *** في الصباح الباكر .. شاع النبأْ العظيم، كالنارِ في الهشيم : - لقد اختفى السلطان ! - لقد اختفى السلطان ! فقامَتِ الأفراح ،وزالَتِ الأحزان، وعادتِ الحياة، تسيرُ في أمان هذا يعمل، وذاك يضحك شيخٌ يمشي على عكاز. وأمٌ تحملُ طفلاً يرضع .. أخرى تمشي تسحبُ طفلة حلوة حلوة، مثل الفلَّة . تنقزُ في فرحٍ وأمان. فالثورُ الأحمقُ لن يظهر . والظلمُ ولَّى مع السلطان . *** مضى زمانٌ وزمان، وقصةُ ثورِ السلطان، تنتقلُ من جيلٍ إلى جيل .. يحكيها الآباءُ للأبناء وتحكيها الأمهاتُ للبنات .. الصغارُ ينصتون ، والكبارُ يقولون : في قديمِ الزمانِ .. عاشَ ذلكَ السلطان ..
*** كانَ رجلٌ فقير، يعولُ أسرةً كبيرةً .. كثرَتْ نفقاتُ أسرتهِ.. وقلَّ العملُ في قريتهِ، فعزمَ على السفرِ، بحثاُ عن الرزقِ.. ودَّعَ زوجته وأولاده، ومضى ينتقلُ من بلدٍ إلى آخر.. وصلَ إلى مدينةٍ على ساحلِ البحرِ.. وجدَ رجالاً ينقلون صخوراً، وعلى رأسهم رجلٌ مهيبٌ، يشجّعهم على العمل، ويحثَّهم على السرعة .. وقفَ عندهم، وسأل أحدّهم:
- منْ هذا الرجلُ ؟ - إنَّهُ حاكم البلد.. - لماذا يقف هنا؟ - ليراقبَ العمل .. انضمَ الرجلُ إلى العمال، ينقلُ معهم الصخور، دون أن يعرفَ الأجور.. صارَ يسرعُ إلى الحجر الكبير، فيحمله على كتفه ’، ويضعه في المكان المراد، فإنْ لم يجدْ حجراً كبيراً، حملَ حجرين صغيرين، بينما رفاقه لا يحملون إلا حجراً واحداً، ينتقونه من الأحجار الصغار .. رأى الحاكمُ نشاطَ الغريبِ، فأُعجبَ به أيَّما إعجاب، ولاحظ الغريبُ نظراتِ الحاكم، فأيقنَ أنَّهُ سينال أجرةً وافية، تفوقُ أجورَ الآخرين، فضاعفَ جهودهُ، وزادَ سرعتهُ ... انتهى النهار، وحانَ وقتُ استيفاءِ الآجار .. اصطفَّ العمالُ، بعضهم وراء بعض، وانتصبَ الحاكمُ أمامهم، فشرعوا يمرُّون أمامه، وكلَّما جاءه واحدٌ، أثنى عليه، وقال له : - عافاك الله وربّما قالها لبعضهم مرّتين .. وجاءَ دورُ الغريبِ، فصافحه الحاكمُ بحرارة..وقال له : - عافاك الله، عافاك الله، عافاك الله .. فرح الغريبٌ، وقال في سرِّهِ : - سأحظى بأجرةٍ وافرةٍ . انتهى الثناءُ والكلام، وانصرفَ الحاكم، وبقي العمال.. سألَ الغريب ُ :
- متى سنأخذُ الأجرة؟ - لقد أخذتَ أجرك - لم آخذْ شيئاً! - بل أخذتَ أكثر منّا جميعاً .. - كيف ؟! - الحاكمُ قال لك " عافاك الله " ثلاث مرّات! - وهل هذه هي الأجرة ؟! - نعم .. - هذا كلامٌ وثناء! - حاكمنا يوزِّعُ مدحه بحسبان، ولا يُظلَمُ لديه إنسان .. أطرقَ الغريبُ يفكِّر.. إنَّهُ جائع، وليس معه نقود .,. خطرَ له خاطر .. نهض مسرعاً، وتوجَّهَ إلى السوق.. دخلَ مطعماً، وطلبَ طعاماً .. أكل حتى شبع، ثم قام لينصرف.. أمسكه صاحبُ المطعم، قال : - أين ثمنُ الطعام؟ - مدَّ يدَكَ .. مدَّ صاحبُ المطعمُ يده، فصافحه الغريبُ بحرارة، وقال له : - عافاك الله، عافاك الله، عافاك الله .. دُهشَ صاحبُ المطعم، وقال غاضباً : - أريدُ نقوداً . - لقد أعطيتك - لم تعطني شيئاً! - أعطيتك عُملةَ الحاكم - هل أنتَ مجنون ؟! - لستُ مجنوناً .. - هيّا معي إلى الحاكم. أخذ صاحبُ المطعم الغريبَ، وذهبا إلى حاكم البلد، وحينما وقفا بين يديه، قال صاحبُ المطعم : - هذا الرجلُ أكلَ طعامي، ولم يدفع الثمن - نظرَ الحاكمُ إلى الغريب فعرفه.. قال له : - لمَ لا تدفعُ له ثمنَ طعامه ؟ - لقد دفعت - ماذا دفعت - دفعتُ له عملتك - أيَة عملة ؟ - عملة " عافاك الله " التي أعطيتني إياها. ضحك الحاكمُ طويلاً، ثم أعطى صاحبَ المطعم، قيمةَ وجْبَتهِ، وأبطلَ تلك العادة، كي لا تشيع الفوضى في مملكته .. *** تنفَّسَ الصباح، يرشُّ الندى، ويرسلُ الضياء. وداعبَتْ أناملُ النسيم، أغصانَ الشجرةِ الفارعة، فتمايلَتْ ناعمةُ ناضرة .. وفتحتِ العصفورة عينيها، فبادرَتْها الشجرةُ قائلةً : - صباح الخير يا صديقتي العصفورة! - صباح الخير يا صديقتي الشجرة.! - هل استيقظَ صغارك ؟ - لم يستيقظوا بعد - هذا دأبهم كلَّ يوم.. يتأخّرون في النوم - سأتركهم قليلاً، لأجلبَ لهم طعام الفطور - إذهبي ولا تقلقي، إنَّهم في أحضاني. ألقتِ العصفورةُ على فراخها، نظرةَ حبٍّ وحنان، ثم رفرفتْ بجناحيها، وطارتْ في الفضاء.. ظلَّ الفراخُ الثلاثةُ، في عشِّهم الدافئ، وعندماارتفعتِ الشمسُ، فركوا عيونهم، وأفاقوا من نومهم، فلم يجدوا أمَّهم .. انتظروها طويلاً، ولكنَّها لم ترجعْ! آلمهم الجوع، وأصابهم الجزع .. قال أحدهم خائفاً : - أرجوا أنْ تسلمَ أمُّنا من الصيادين واضافَ آخر : - ومن الطيور الجارحة .. وقال الثالث : - احفظها لنا يارب ! سمعتِ الشجرةُ حديثَ الفراخ، فأوجستْ منه خيفةً، غير أنَّها كتمَتْ مشاعرَها، وقالتْ مُواسيةً : - لا تجزعوا ياصغاري، ستعودُ أُمّكم قريباً - لقد تأخّرَتْ كثيراً! - كَسْبُ الرزقِ ليس سهلاً .... غداً تكبرون وتعرفون صمتَ الفراخُ الثلاثة، ونهضَ الفرخُ الأكبرُ، إلى حافَّةَ العشّ، ليرقبَ رجوعَ أُمَّهِ.. تدحرجَتْ حبّةُ قمحٍ كانت تحته .. رآها أخوهُ الأصغر، فصاح مسروراً : - هذه حبةُ قمح ! التفتَ الفرخُ الأكبرُ، وقال : - إنَّها لي - ليستْ لك - لقد كانت تحتي - أنا رأيتها قبلك لن تأخذَها أبداً .. اختلف الأخوانِ، وأخذا يتعاركان .. ومكثَ أخوهما الأوسط، ينظرُ إليهما ويتفرَّج.. حاولت الشجرةُ إنهاءَ النزاع، فلم يستجبْ لها أحد. قالتْ للفرخ الأوسط : - لمَ لا تصلحُ بينَ أخويك؟ - لا أتدخَّلُ فيما لا يعنيني .. - بل يعنيك ! - كيف؟ - أنتم إخوةٌ تعيشون في عشٍّ واحد.. -سأبقى بعيداً عن المتاعب - لن ترتاحَ في عشٍّ يسودُهُ النِّزاع. - لا أتدخّلُ فيما لايعنيني - أوقفتِ الشجرةُ الحوار ، فالفرخُ عنيد، والكلامُ معه لا يفيد.. لم ينتهِ النزاعُ بينَ الفرخين .. هذا ينقرُ بمنقاره، وذاك يخمشُ بأظافره.. تعبَ الفرخُ الأصغر.. رفع قشَّةً صلبةً، وضربَ أخاه الأكبر.. انتحى هذا جانباً.. أصابت القشةُ عين الفرخِ الأوسطِ، فبدأ يصرخُ متألّماً .. جاءَهُ أخوه الأصغر، وأخذَ يعتذرُ إليه وجاءَهُ أخوه الأكبر، وشرع يمسحُ له عينيه .. وعندما سكنَ ألمهُ، تذكَّرَ قولَ الشجرة " لن ترتاحَ في عشٍّ يسودهُ النزاع "، فأصلح بين أخويه، واعتذرَ الصغيرُ لأخيه الكبير ،وقبَّلَ الكبير أخاه الصغير، وزالَ الخلافُ بينهم ،وعادَ الحبُّ إلى عشّهم .. قال الفرخ الأوسط : - أين الحبَّة ؟ - لماذا ؟ - سأقسمها بينكما .. بحثَ الفرخانِ عن الحبّةِ، فلم يجدا شيئاً! قال الفرخ الكبير : - لقد ضاعتْ بين القَشِّ.. وقال الفرخ الأصغر : - ربما سقطتْ خارجَ العش .. حزن الفراخُ الثلاثة، على الحبّةِ الضائعة .. قالتِ الشجرة : - افرحوا ياأحبّائي، واتركوا الحزن. - كيف نفرحُ وقد ضاعت الحبّة ؟! - الحُبُّ الذي عادَ إليكم، أفضلُ من الحبّة بكثير - صدقْتِ والله ! قالتِ الشجرة : - عليكم أن تصلحوا العشَّ، قبلَ عودةِ أُمِّكم .. نظر الفراخ إلى العش، فأدهشهم ما أصابه من تخريب!! قالتِ الشجرة : - لقد مات أبوكم دفاعاً عن هذا العش . - وماالعملُ الآن ؟ - ابنوا بالحُبِّ، ماخربتم بالخلاف - لن نختلفَ بعد اليوم أسرعَ الفراخُ الثلاثة، يعملون متعاونين، فأصلحوا العشَّ، ورمَّموا جوانبه، وحينما فرغوا من عملهم، تأمَّلو العشَّ الجميل، وتبادلوا نظراتِ المودَةِ، فأشرقَتْ وجوههم سروراً. وفجأة .. صاحتِ الشجرة : - لقد عادتْ أُمّكم ... لقد عادتْ أُمّكم هبَّ الفراخُ يزقزقون، ويرقصون، فتعالتْ فوق العشِّ، أغاني الحبِّ والفرح .. *** وقفَ المعلمُ صالح، أمامَ تلاميذه الصغار، وسألهم قائلاً : - أيُّهما أغلى : الذهبُ أم التراب؟ قال التلاميذ : - الذهبُ أغلى من التراب وقال أحمد : - الترابُ أغلى من الذهب ضحكَ التلاميذُ جميعاً.. قال المعلم صالح : - أصبْتَ الحقيقةَ يا أحمد! سألَ التلاميذُ دهشين : - كيف .؟! قال المعلم صالح : - اسمعوا هذه القصة، وستعرفون الحقيقة قال التلاميذ : - نحن منصتون، فما القصة .؟ قال المعلم صالح : يُحكى أنَّ رجلاً هرِماً، اشتدَّ به المرضُ، فدعا ولديه، وقال لهما : - ياولدَّيَّ.. لقد تركتُ لكما أرضاً، وهذا الكيسَ من الذهبِ ، فَلْيخترْ كلٌّ منكما مايشاء قالَ الولدُ الأصغر : - أنا آخذُ الذهب .. وقالَ الولدُ الأكبر : - وأنا آخذُ الأرض .. وماتَ الأبُ بعد أيام، فحزن الولدان كثيراً، ثم أخذ كلُّ واحدٍ نصيبه، من ثروة أبيه، وبدأ الولدُ الأكبر، يعملُ في الأرض، يبذرُ في ترابها القمح، فتعطيه كلُّ حبّةٍ سنبلةً، في كلِّ سنبلةٍ مئةُ حبة، وبعدما يحصدُ القمحَ، يزرعُ موسماً آخر، وثروته تزدادُ يوماً بعد يوم.. أمّا الولدُ الأصغر، فقد أخذَ ينفقُ من الذهب، شيئاً بعد شيء، والذهبُ ينقصُ يوماً بعد يوم، وذاتَ مرّةٍ، فتحَ الكيسَ، فوجدهُ فارغاً! ذهب إلى أخيه، وقال له وهو محزون : - لقد نفدَ الذهبُ الذي أخذتهُ. - أمَّا ما أخذتُهً أنا فلا ينفدُ أبداً .. - وهل أخذْتَ غيرَ أرضٍ مملوءةٍ بالتراب ؟! أخرجَ الأخُ الأكبرُ، كيساً من الذهب، وقال : - ترابُ الأرضِ، أعطاني هذا الذهب قال الأخُ الأصغر ساخراً : - وهل يعطي الترابُ ذهباً ؟! غضبَ أخوه ،وقال : - الخبزُ الذي تأكُلهُ، من تراب الأرض والثوبُ الذي تلبسُهُ، من تراب الأرض خجل الأخُ الأصغر، وتابعَ الأكبرُ كلامه - والثمارُ الحلوةُ، من ترابِ الأرض والأزهارُ العاطرةُ، من تراب الأرض ودماءُ عروقك ،من ترابِ الأرض |