العاب

لعب و جد و طفولة

العاب

لعب و جد و طفولة

هذا هو السؤال.

 

في يوم من الأيام، أنجبت كلبتنا جروين صغيرين. مات أحدهما بعد عشرة أيام من ولادته لأنه كان ضعيفاً، وبقيَ الثاني الذي ماتت أمه هيَ الأخرى، فربيناه بمحبّة. كبرَ الجرو وأصبحَ كلباً مطيعاً، وكنا كل شهر نقيم له عيد ميلاد صغيراً. وندرّبه على مهاجمة الغرباء إذا حاولوا اقتحام المنزل. كان الكثيرون يخافون نباحه، لذا نربطه أثناء النهار ونحلّ رباطه في الليل، فيبقى قرب المنزل ولا يبتعد عنه.

كل صباح كان الكلب يلاعبني وكنت أركض معه حول البستان. فقبلَ ولادته كنت أشعر بكثير من الملل، ولكن وجوده ملأ أيامي وقلبي سعادة. وكم كنت حزينة عندما بلغنا والدي أنّ علينا أن نترك الريف لنسكن في المدينة.

بكيتُ كثيراً، واستغربَ والدي لأني كنت منذ سنة مضت أطالبه كثيراً بالعيش في المدينة، ولكن هذا كان قبل ولادة الكلب الرائع.

أخبرت والدي أني حزينة لفراق صديقي الحبيب، فوعدني بأن نأتي كل يوم أو يومين لزيارته وإطعامه خاصة، وأنَّ قريتنا قريبة من المدينة، فوافقت.

كانَ وداعي له حزيناً لأنه لن يجد من يقوم برياضة الركض معه كل صباح، أو من يداعبه ويرعاه يوميّاً. سيشعر بالوحدة بلا شكّ. تنهّدتُ واعتذرت منه وأفهمتهُ أنّ والدي مضطر إلى السكن في المدينة لأنها أقرب إلى عمله. وكأنه فهمَ ما قلتهُ، فأخذ يلعق رجلي ويمسح رأسه بيدي.

حضنتهُ وودّعتهُ، ثم غادرنا.

وفى والدي بوعده. وصرنا نذهب إلى الريف كلما سنحت الفرصة. وكم بدا كلبي الصغير سعيداً، يسرع لملاقاتنا عند أول البستان، ويركض مع السيارة حتى نصل إلى الباب. وهكذا، مرت الأيام والشهور، ولم يخلف والدي وعده.

ذات يوم ذهبنا إلى القرية، وصلنا باب البستان، لكنّ الكلب لم يظهر.

أطلقَ والدي بوق السيارة مراتٍ عدة، ولم يظهر!؟.

 أبدى والدي استغرابه، فليسَ من عادة كلبنا الحبيب الابتعاد عن البيت!..

نظرت إلى والدي، وجدته يحاول أن يخفي قلقهُ وينظر بعيداً. تابعنا سيرنا ببطء، وكلنا ترقب وانتظار، وكم كانت المفاجأة كبيرة، عندما وجدنا صديقنا مستلقياً أمام باب المنزل، لا يتحرك، ناديتهُ بفرح كبير، لكنه لم يتحرك.

اقتربنا منه، وجدنا الدماء على بطنه. صرختُ من الحزن وأمسكتُ به، نظرتُ إلى والدي ووالدتي، فوجدت الدموع في عيني والدتي، والحزن في عيني والدي، صرختُ سائلة هل مات؟..

في البداية لم يجبني والدي، بل قال: يا ابنتي، لا يموت إلا من يموت حبهُ في قلوبنا. تَرَكنا والدي وأسرعَ إلى البيت فوجدَ بابه مفتوحاً، والكثير من أغراض المنزل غير موجودة، فخرج إلينا وقال:

لا تحزنوا... لقد مات الكلب وهو يدافع عن منزلنا، قتلهُ الأوغاد اللصوص لأنه هاجمهم.

بكيتُ طويلاً، حفرت للكلب الحبيب قبراً قرب منزلنا، زرعتُ حوله الزهور الجميلة التي تليق بوفائه وشجاعته.

هوَ لم يمت حتى اليوم، لأنّ حبهُ لا يزال في قلوبنا.

قد تجد الشرطة اللصوص، ويحاكمونهم على جريمة السرقة.

ولكن هل سيحاكمهم أحد على قتلهم كلباً أميناً...؟!.

هذا هوَ السؤال.

õïðõ

الحرامي

 

إنهُ الخريف.. أوراقُ الأشجار بدأت تصفرّ، ولن تلبث أن تتساقط. إلاّ شجرة واحدة باركَها الله، فأوراقها لا تتساقط أبداً، إنها شجرة الزيتون.

ها قد أتى موسم قطاف الزيتون، والفلاحون كلهم مشغولون في حقولهم.

كنّا أنا وأختي وأبناء عمي على شرفة منزلنا المطلة على حقلنا، نلعب ونضحك. خرجَ والدي وجلسَ معنا، وأخذ يتأمّل الطبيعة والفلاحين المشغولين بالقطاف، بعضهم على الأشجار يقطفون الزيتون، ويلقونه على الأرض، وآخرون يلتقطونه ويعبئونه في سلالٍ خاصة.

الشمس في السماء تعلن انتصاف النهار، وجاءَ وقت الغداء والاستراحة. جلسَ الفلاحون في حقلنا تحتَ إحدى شجرات الزيتون، وفردوا ما لديهم من طعام، كانت أصواتنا تملأ المكان. فجأةً صاحَ والدي وهوَ ينظر إلى الجهة البعيدة من الحقل: حرامي.. حرامي وخرجَ مسرعاً من المنزل.

دهشنا نحنُ الأربعة وشعرنا بخوف شديد، وخفضنا أصواتنا ورؤوسنا حتى لا يسمعنا ولا يرانا الحرامي.

قلتُ لرفاقي: رأيتُ الحرامي في الأفلام يرتدي رداءً أسودَ طويلاً.

قالَ ابنُ عمي: وأنا رأيتهُ أيضاً. عيناهُ كبيرتان جداً، ومخيفتان.

قلتُ مرّة أخرى: أتعرفون أنّ عينيّ اللص
لا تشبهان عيوننا نحن البشر؟... فلونهما أحمر عجيب، والشرر يتطاير منهما.

قالت أختي برعب: أما أذناه فطويلتان كأذني الوطواط، ويستطيعُ أن يسمع بهما حتى صوت تنفّس الأطفال وهم نائمون.

شعرتُ عندها بجسمي يرتجف، وقلبي يدقّ بسرعة، وتلفّتُ حولي خائفة. قلتُ بصوتٍ مرتعشٍ خفيض:

وللصّ أسنان طويلة كأسنان الحمار، وفمهُ كبير كفم الضبع.

قالَ ابن عمّي: يا إلهي!.. ربما يستطيع أن يأكل شخصاً أيضاً كما يفعل الضبع.

عندها تذكَرتُ والدي الذي تركَنا لحظة، وذهبَ يطارد ذلك الحرامي بلا سلاح. خفتُ عليهِ كثيراً، وبدأتُ أبكي. لكن، والدي أطل أمامنا، فركضتُ إليهِ. حضنني وسألني عن سبب بكائي، فأخبرتهُ. ثمّ سألتهُ عن الحرامي وما حدثَ لهُ. فأخبرني أنّهُ لم يستطع اللحاق بهِ، لكنهُ عرفَ مَن هوَ. وطلبَ مني ألاَّ أخاف، ووعدني أن أرى الحرامي قريباً.

ارتدى والدي ملابسهُ، وذهبَ إلى مخفر الشرطة.

مرّت ساعتان على غيابه، قبلَ أن يحضر عناصر الشرطة وبصحبتهم رجل مقيّد. نادانا والدي، وقال:

ألا تريدون أن تروا الحرامي؟

هتفنا بخوف: نعم.

قال: هاهوَ... إنّهُ أمامكم.

نظرنا إلى بعضنا مدهوشين، فلقد وقفَ أمامنا رجل عادي ككل الناس، أهذا ممكن؟ أهذا هوَ الوحش الذي توقّعنا أن نراه؟.. إنّهُ بشر مثلنا، وهوَ الآن يبكي ويتوسّل إلى والدي أن يسامحهُ.

نظرَ إلينا والدي ليعرف رأينا في الموضوع.

لاحظنا كم بدا اللص ضعيفاً، وتأكّدنا أننا أقوى منهُ، لأنّ بيدنا نحنُ أن نسامحهُ بينما هوَ يبكي ذليلاً.

قلتُ لوالدي: سامحهُ. أرجوك أن تسامحهُ هذهِ المرّة، فرّبما يكفّ عن السرقة مقابل معروفكَ.

عندما ذهب اللص في حال سبيله، شعرنا ـ نحن الأولاد ـ بسعادة كبيرة لاكتشافنا أنّ الحرامي رجل عادي مثلنا، وبدأنا نضحك من كل قلوبنا عندما تذكّرنا كم كنا خائفين منهُ

p?p


 

 

((حيرة))

 

أنجبت عمتي طفلة صغيرة، كانت ثالث أولادها، تلقينا النبأ بفرح عظيم.

قررّنا الذهاب إليهم حيث يسكنون في مدينة أخرى. كان الطّريق طويلاً في نظري لأني كنت متشوقة لرؤية الطِّفلة الصغيرة.

وصلنا، قرعنا الباب، فتحت لنا الباب ابنة عمتي الكبرى. كانت فرحتها بنا عظيمة، لكنني تركتها مسرعة لأرى الطفلة الصغيرة، ركضت إلى الغرفة، وجدت سريرها مغطّى بقطعة رقيقة من القماش. كانت دهشتي كبيرة عندما كشفت الغطاء عن السرير وجدت كل شيء أبيض، ملابسها، غطاؤها، وفراشها.

شيء واحد يغطي كلَّ البياض حولها؛ عيناها‍! لا أعني أنّ عينيها سوداوتا اللون. كانت نائمة مغمضة العينين، لكنّ شيئاً أسود يحيط بعينيها، ويصل حتى خديها. لم أتمالك نفسي، شهقت، وخفت، جاءت أمي ورائي، ورأت  ما حصل لي. اقتربت من السرير وعندما رأتْ الطفلة فهمتْ وضحكت قائلة: مابك؟ قلت: ما بال عينيها؟ هل حصل لهما مكروه؟ قالت مبتسمة: لا، هذا (كحل عربي)  وهذه  عادة اعتادت جداتنا أن تقمنَ بها.

تكحّلنَ عينيّ الوليد، وتعتقدن أنّ هذا سيجعل العينين جميلتين عند الكبر. ارتحت، وعدت إلى النظر إليها بسعادة.

ذهبت إلى عمتي وسألتها ماذا سمت هذه الطّفلة الرّائعة؟ أجابتني "عرين". قلت لها: اسم رائع وماذا يعني؟.. قالت لي: بيت الأسد. قلت: لها: تعبيرٌ رائع.

سألت عن ابن عمتي؟..قالت عمتي إنه يحلقُ ذقنه.

ذهبت لأسلم عليه، سألته عن أحواله لكني استغربت كثيراً أمره، إنه يحلق ذقنه وما يزال فتى، وليس عليها شعر بل القليل من الوبر.

بعد فترة أعلن والدي وزوج عمتي رغبتهما بأخذنا إلى الجبل المجاور، للعب بالثلج. بدأت أركض وأقفز في جميع أنحاء البيت تعبيراً عن فرحتي وشكري الكبير لهما. ذهبنا إلى الجبل، وأخذنا نبني رجل الثلج. وبينما كنَّا نشكِّل وجهه، تذكّرت وجه ابن عمتي وذقنه. لعبنا ومرحنا كثيراً. ثمَّ عدنا إلى منزل عمتي ونمنا ليلتنا هناك. وطوال السهرة كنت أحدق مستغربة إلى وجه ابن عمتي عامر. في اليوم التالي طلب والدي منا أن نحضّر أنفسنا للعودة إلى منزلنا في طرطوس. ودعتُ عمتي وطفلتها، وتمنيت لو أني استطعت أن أرى شكل عينيها الحقيقي من غير كحل. جاء دور عامر في الوداع. وقفت أتأمل وجهه قبل ذهابنا. وصلنا إلى منزلنا، دخلت وقلت ما أجمل العودة إليه، وما أجمل رائحته فأنا أحبه.

عندما جلسنا واسترحنا عادت صورة عامر إلى ذهني، فقررت أن أسأل أبي عما رأيته منهُ وحيّرني ابتسم قائلاً: هل فعل هذا؟.. ثم ضحك. سألته عن سبب ضحكه، فقال: لقد فعلت ذلك قبله. عندما كنت مراهقاً، أي في مثل سن عامر، كنت أحلق الشعر الناعم ليظهر الشعر القاسي والكثيف بسرعة وأثبت رجولتي. أنا الآن أضحك من نفسي وما كنت أفكر به، فلقد علمتني الحياة أنّ الرجولة ليست بشاربين كبيرين ضخمين أو بلحية كثيفة، بل الرجولة في الشخصية القوية التي لا تهزم أمام المصاعب. وهي في موقف شجاع نقفه أمام ما يهدد وجودنا ويمنعنا من تحقيق أهدافنا الشريفة.

 

التاريخ: 24/1/2004

???

((اختفاء دُمية))

 

في يوم ربيعي جميل، والأرض موشّحة بثوب أخضر مزركش بألوان الزهور المختلفة. قلتُ لوالدي بفرح:

ـ أليسَ الجوّ جميلاً للقيام بنزهة إلى الريف الهادئ؟...

ابتسمَ قائلاً:

ـ فعلاً، الجوّ مناسب جداً لذلك .

ولم يكد ينهي جملتهُ حتى ركضتُ مسرعةً إلى أختي وأمي، أزفّ لهما الخبر الجميل. أعددنا بسرعة ما تستلزمهُ الرحلة من طعام وشراب وأدوات. وحين وصلت السيارة التي ستقلّنا، صعدنا إليها بلهفة، ثمّ أخذنا نردد الأغاني ريثما نصل.

بعدَ زمن، وصلنا مبتغانا. أنزلنا أغراضنا ونحنُ مسرورون جداً، يالجمال الطبيعة!.. رائحة الأرض زكية، والسماء مشرقة. بدأ والدي يشعل النار، وأخذت أمي ترتب أغراضنا، التي نخرجها من الأكياس. وعندما فتحنا أحد الأكياس فوجئنا بمحتواه!!..

كانَ فيه حلويات شهيّة، غير التي أعدّتها أمي. وللتأكّد عرضناها عليها، فأبدت استغرابها وقالت:  هذا الكيس ليسَ لنا.

اتّصلَ أبي بالسائق الذي أقلّنا، وأخبرهُ بأمر الكيس. حضرَ السائق فوراً، وأخذ الكيس وشكر لنا صنيعنا. أمضينا نهارنا بسعادة وهناء، وقررنا إعادة هذه الرحلة كلّما سنحت الفرصة.

بعدَ شهرٍ تقريباً، ذهبنا في رحلة مع السائق نفسهُ. وفورَ وصولنا، وقفتُ أتأمّلُ الطبيعة الخضراء، والزهور الملوّنة بألوان قوس قزح... قالت أمي:

ـ ما أجمل الطبيعة.

قلتُ مؤكّدة: ـ فعلاً، إنها جميلة، والهواء منعش، يشجّع على اللعب واللهو.

عندها، تذكّرتُ دميتي المفضّلة التي أحضرتها معي، كي تشاركني فرحتي، واللعب مع أختي، ذهبتُ إلى حيثُ وضعنا أغراضنا كي أحضرها، بحثتُ عنها فلم أجدها فصرختُ: لعبتي... لعبتي.. ليست هنا!!

ركضت أختي فسألتني عن حالي، أخبرتها أني لم أجد الدمية. تذكّرتُ فجأةً أنيّ ربما نسيتها في المقعد الخلفي للسيارة. حزنتُ كثيراً، وأسرعتُ إلى أبي وأخبرتهُ ما حدثَ معي. اتّصل والدي بالسائق، فلم يكن موجوداً. كررَ الاتصال، دونَ جدوى! بكيتُ كثيراً، فحضنني والدي وهدّأ من حزني قائلاً:

 لا تحزني يا ابنتي. أؤكّدُ أنكِ سترينَ لعبتكِ مرّةً أخرى.

مضى يومان وحزني على دميتي يزداد، وبينما أنا أفكّر شاردة، سمعتُ صوتَ والدي يناديني بفرح:

ـ تعالي حبيبتي، لكِ عندي مفاجأة.

خرجتُ معهُ من المنزل، فوجدتُ أمامي السائق، وهوَ يخفي شيئاً وراءَ ظهره. خاطبني قائلاً:

ـ لديّ شيءٌ أنتِ مشتاقة جداً إليه.

وعندما أظهرَ ما في يدهِ، كانت فرحتي عظيمة فقد رأيتُ دميتي الحبيبة. شكرتهُ جزيل الشكر، لأنهُ كانَ صادقاً وأميناً، وبعدَ ذهابه قالَ والدي:

ـ أرأيتِ يا ابنتي، المعروف يُرَدّ بالمعروف. هذا جزاء صنيعنا مع السائق؛ عندما أعدنا لهُ كيس الحلوى الذي هوَ من حقّ أولاده.

أتدري يا أبي؟..

أنّ الأمانة والصدق تقوّيان علاقة الناس بعضهم ببعض، وينالون بها رضى الله وثوابه، والجنة ونعيمها في الآخرة.

 

ZÄZ













 

((مصادقة الكذاب))

صديقتي لارا أحبها كثيراً، ولكن فيها عيباً واحداً وهو كذبها وإخفاؤها الكثير من الأمور عن أهلها، نبهتها مراراً لكنها لم تمتنع عن ذلك. ماعدت أعرف ماأفعل معها. فقررت إخبار أمي كي تنصحني. فكرت ثم قالت: يا ابنتي أفضّل ألاّ ترافقيها بعد اليوم.

قلت لأمي: ولكن لماذا؟..

قالت لي: يا ابنتي الصديق الكذاب يكذب حتى على صديقه، وقد يوقعه في مشكلات هو في غنى عنها.

لم أقتنع. لا يمكن أن تفعل لارا بي ذلك. هي تكذب على أهلها لأنها كما أخبرتني مضطرة إلى ذلك، فهم لا يفهمونها ولا يقبلون أن تذهب إلى أي مكان غير المدرسة. وإن أخطأت عاقبوها بقسوة. شرحت ذلك لأمي. فقالت:

ـ الكذب دليل سوء أخلاق، ومن يكذب يمكن أن يفعل أي شيء سيِّئ أنصحك ثانية ألاّ ترافقيها.

حاولت أن أعمل بنصيحة أمي، لكن ذلك كان صعباً عليّ فـ(لارا) متعلقة بي، وهي مسكينة لا تجد من يرافقها. وأنا  أحب الكثير من الصفات فيها فهي ذكية ومجتهدة، مرحة وصحبتها مسلية. كما أنها تشاركني حبي لكثير من الألعاب. مرت الأيام وذات مرة كنا في المدرسة وقرع الجرس، فدخلنا صفوفنا بانتظام. فجأة دفع أحد تلاميذ صفنا لارا وكادت تقع على الأرض. فجن جنونها وفوجئت بها تقف عند السبورة وتكتب عليها كلاماً سيئاً، فيه الكثير من الشتائم وقبل أن تتمكن من مسح السبورة، دخلت المعلمة، وقرأت الكلام وغضبت كثيراً، فسألت من كتبه؟..

صمت الجميع. أعادت المعلمة السؤال. ولدهشتنا وقفت لارا. اعتقدت أنها ستعترف وتعتذر، لكنها قالت مشيرة إلي: "إنها سمر يا معلمة. هي التي فعلت ذلك".

لم أصدق ما سمعت. نظرت المعلمة إليّ بعتب ودهشة، لكن التلميذ الذي دفع لارا وقف فوراً وقال: "بل لارا من فعل ذلك".

حاولت لارا الإنكار، لكن تلاميذ الصف شهدوا جميعاً ضدها. فوقفت ذليلة وبدأت تبكي. لم ينفعها ذلك فقد عاقبتها المعلمة وطلبت منها الاعتذار من زميلنا ومن ثم منّي. شعرتُ أني لا أستطيع قبول اعتذارها وسألتها: "لماذا أنا بالذات تتهمينني، وأنا صديقتك الوحيدة؟".

فقالت: "لقد اخترتك لهذا السبب بالذات، فأنت صديقتي الوحيدة، وأنت الوحيدة التي يمكن أن تسامحني".

قلت لها: "لا ليس هذه المرة فقد تجاوزتِ حدودك. أسأت إلي أكثر من مرة وسامحتك، أما الآن فلا.". قلت لنفسي: كم كنت محقة يا أمي! من يكذب ليس فيه أخلاق، ويقوم بأية إساءة.". وهكذا قطعت علاقتي مع إنسانة اكتشفت أنها لم تكن يوماً صديقة، بل أنانية وكاذبة.

®®

((طلب بسيط))

 

كنت جالسة، وأخي الصغير على شرفة منزلنا المطلّة على البحر، فلم أسمع إلا صوت أخي يقول: (يا أختي إنني أحبك، أنت سمراء الوجه وجميلة جداً، هل تعلمين أنّ وجهك يشبه القمر، وأنت مشعة بنور جميل؟).

فرحت في البداية لكنني استغربت من أين أتى أخي بهذه الكلمات وعمره ثلاث سنوات فقط؟

ثم تذكّرت ألاعيبه لأن من عادته أن يمدحني، عندما يريد مني شيئاً فقط، تظاهرت بأني لم أفهمه، فشكرته.

عندها قال لي: أريد منك خدمة بسيطة.

قلت مبتسمة: حسناً، وماهي هذه الخدمة؟..

قال لي: القمر. أريد منك أن تجلبي لي القمر.

دهشت من هذا الطّلب، وارتبكت قليلاً، فكيف أنفذ طلباً كهذا؟

ثمّ قلت له: القمر عال، ولا أستطيع الوصول إليه.

بدأ أخي يبكي ويقول لي: أرجوك أرجوك! ضعي السلم واصعدي إليه.

عاد إلى البكاء وتوترت أعصابي من بكائه، وشعرت بالشفقة عليه، وقد سالت الدموع من عينيه كالنبع. لابد من فعل شيء لإقناعه بالعدول عن هذا الطلب المستحيل. خطرت لي فكرة، فأخي رقيق القلب ويحب الناس. قلت له برقة:

أخي الحبيب القمر للجميع، وإذا اقتلعناه من السماء فلن نتمكن من رؤية الأشياء في الليل خارج البيت، وقد لا تجد الناس أو الحيوانات التائهة بيوتها. الناس كلهم والحيوانات يحبون القمر ويستفيدون منه، فلنتركه للجميع بدل أن نأخذه لنا وحدنا ونحرم الآخرين منه.

شعرت بالتعب بعد هذا الكلام الطويل معه. سكتُّ، وانتظرت لأرى تأثير كلامي عليه. كان صامتاً وقد غرق في التفكير. احترت في أمره، ترى بماذا يفكر؟.. ثم ظهرت على وجهه ابتسامة مشرقة.

فوجئت به يقول لي بصوته الرقيق المحبب:

حسناً لن أكون أنانياً، فالقمر لنا جميعاً.

آه! ما أسعدني بهذا النجاح، لكنّ سعادتي لم تدم طويلاً بهذا الأخ الذكي، فقد فوجئت به يقول:

إذاً اجلبي لي نجمة فالنجوم كثيرة!...

 

?ó?


 

 

((الضيف))

 

كان رابح يستغرب أن بطن أمه يزداد حجمه يوماً بعد يوم. قلق على أمه، هل سينفجر بطنها كالبالون عندما ينفخ؟

من شدة قلقه كان رابح يحاول ألاّ يقترب من بطنها حتى لا ينفجر، مما أثار استغراب أمه، أخيراً قرر أن يسألها عنه فقال:

ـ أنا قلق بشأنك يا أمي!

ـ لماذا يا بني؟

ـ لأن بطنك يزداد حجمه يوماً بعد يوم.

ضحكت أمه فاستغرب ذلك كثيراً:

ـ هل قلت شيئاً مضحكاً يا أمي؟..

ـ لا، لكن بدل الخوف، عليك أن تبتهج.

ـ لماذا يا أمي؟

ـ لأنك قريباً ستجد من يلاعبك وتلاعبه ويحبك وتحبه.

ـ وكيف ذلك؟..

ـ قبل أن ألدك  حصل الشيء نفسه، فقد حملتك في بطني حتى كبرتَ كفاية ثم ولدتك. نعم يا بني، يكبر بطن الأم كي يتسع لما بداخله من أطفال طيبين.

بعد ليال استيقظ رابح   على صراخ أمه. اتصل أبو رابح بأخت زوجته لتعتني بها حتى صباح الغد، حيث سيذهب الجميع معها إلى المشفى.

سأل رابح خالته بقلق عندما وصلت:

ـ ما الذي يحصل يا خالتي؟

ـ لا تقلق. فأمك ستلد قريباً طفلاً جميلاً.

أحس رابح بالحزن لأن الأطفال الجدد يحتاجون  العناية كلها من الأهل وهذا يعني أنَّ والديه لن يهتما إلاَّ بالمولود الجديد.

في اليوم التالي سمع رابح صوتاً حنوناً دافئاً، اقترب من مصدر الصوت ورأى شيئاً يتحرك بين ذراعي أمه، كان ملفوفاً بقماش أبيض، ووالدته تضمه إلى صدرها بشوق، رفض في البداية أن ينظر إليه. بعد قليل، أخذ ينظر بطرف عينيه، ففوجئ بطفل كالملاك جذب اهتمامه فاقترب أكثر. نظر إلى أمه، فقالت له:

ـ هذه أختك الجديدة يا رابح، ألا تسلم عليها؟..

شعر بحب  وحنان غريبين تجاه أخته. انحنى ليقبلها. سامحَ رابح أخته على الآلام التي سببتها لأمه عندما كانت في بطنها.

تأمل رابح بطن أمه بعد أيام، فوجد حجمه قد صغر. فرح لأن أمّه لن تنفجر، ولأنها عادت نشيطة كما يعرفها دائماً، وازدادت سعادته بهذا الضيف الرقيق الذي رحبت به الأسرة كلها.

???

 

((حكاية في الظل))

 

عضوان لا يعرفان إلا الظل والظلام. ذات يوم دار حديث بين هذين الجارين اللذين تربطهما صداقة حميمة ووحدة حال. أخذ الإبط الأيمن يتشكى للإبط الأيسر مما يعانيه فقال: "يا جاري العزيز! أعتقد أنّ صديقنا الإنسان لا يبدي لنا اهتماماً رغم محبتنا لـه وحرصنا على سلامته. صحيح أنّ الله تعالى خلقنا لنعيش في مكان مظلم، وقد لا يرانا أحد، ولكنّه لم يخلق شيئاً في الكون بلا وظيفة يؤديها. نحن نقدم لـه الكثير وهو
لا يشعر بما نقدمه؛ لو لم نساعده على طرح العرق ومعه الكثير من المواد السامة المؤذية له لأصابته الكثير من الأمراض. هاهو يهمل نظافته فيهملنا ولا يستحم! آه يا صديقي أكاد أختنق من تراكم الأوساخ فوقي وحولي، فما العمل؟!".

"آه يا صديقي إن حالك هي حالي. وكم أحزنتني رؤيته يغسل وجهه فقط، ويقف أمام المرآة وقتاً طويلاً يمسّد شعره ويهتّم بجمال مظهره؟! إنه يهملنا لأن لا أحد يرانا؛ فعلاً لابد من إيجاد حل" قال الإبط الأيسر.

أخذ الإبطان يفكران ويفكران من غير أن يستطيعا إيجاد حلّ وظل الإنسان يهملهما، وفي أحد الأيام دعا الإبط  الأيسر جاره إلى عقد اجتماع لمناقشة الحل الذي توصل إليه، وقال:

"ما رأيك يا صديقي ما دام صاحبنا يهتم بمظهره أمام الناس فقط، أن نجعلهم يهربون منه؟".

ـ "إنها فكرة رائعة ولكن كيف؟".

ـ "مادام الإنسان لا يفهم لغتنا فعلينا أن نعبر عن ضيقنا بطريقة ما. لابد من إطلاق رائحة بشعة منفّرة تبعد عنه الناس فيعرف ما عليه فعله.".

وبالفعل قام الإبطان بتنفيذ الخطة فأطلقا الروائح الكريهة. وكانت النتيجة رائعة حين شعر صاحبهما بالوحدة بسبب ابتعاد الناس عنه؛ أدرك السبب، واستحم بعد أن قرر المحافظة على نظافته في كل الفصول، في الصيف والشتاء وفي البرد والحرّ. وهكذا عاش الإبطان بعد طول انتظار متعة الانتعاش والتنفس وهما ينعمان بالنظافة ورائحة العطور.

···


 

 

((حل مناسب))

 

هيأتني أمي لأذهبَ إلى المدرسة، عندما وَصلت كان الجرس سيقرع بعد دقيقة، فجأة وجدت مئة ليرة على الأرض. ماذا أفعل؟! لابدَ من إعطائها للمديرة، ثمَّ قلت في نفسي:

ـ لا لن أعطيها للمديرة سآخذها لي... لا لن آخذها، سأبحث عن الشخص الذي أضاع المال وأعيده له.

سألت بعض تلاميذ المدرسة إن كانوا قد أضاعوا مالاً لكن بلا جدوى.

بعد قليل سئمت من البحث، وقلت سآخذ المال معي إلى المنزل لأستعين بأمّي، وأعرف الحلّ المناسب لهذه المشكلة.

انصرفنا، وذهبت إلى المنزل، أسرعت إلى أمّي ورويت لها ما حدثَ، فقالت لي:

ـ لماذا لم تقصدي إذاعة المدرسة، وتذيعي الخبر؟..

سكتُّ قليلاً، وشكرت أمي لأنّها أعطتني الحلَّ المناسب.

في اليوم التالي استأذنت المديرة للذهاب إلى الإذاعة، سألتني عن السبّب، فأخبرتها.

شكرتني المديرة، وسمحت لي بإذاعة الخبر، فجاء صاحب المال مسرعاً، سعيداً، وشكرني بقولـه: أنت فتاة أمينة، وصادقة. أشكرك لأن هذا المال ليس لي بل لأمّي ونحن بحاجة إليه. لقد أعطتني المال أمس لأشتري الخبز لنا عند عودتي من المدرسة.

ارتحت كثيراً ليس فقط لأني وجدت صاحب المال بل لأني لم آخذه لنفسي.

إنني أشكر الله لأنّ الناس يثقون بي، وبصدقي، وسأعمل بجهد حتّى أصبح ذات شأن في المستقبل.

aaa

((مسؤولية))

 

اليوم أبي مسافر وأمي مريضة في المشفى وإخوتي تحت رعايتي، وهم مشاغبون، لكنني أحبّهم.

ها أنا الآن أسمع صوت قطّتي الغالية لولو تموء، نظرت خلفي لأعرف السبب، فوجدت أخي الصّغير رامي يشدُّ القطة من ذيلها باتجاهه فتتألم وتموء منتفضة. وأخي مستمتع بذلك، فماذا أفعل؟..

فكّرت في سحب ذيل قطّتي من يد أخي، بعد لحظات قبل أن أنفذ خطّتي سمعت صوت تحطم زجاج، نظرت خلفي وجدت أخي قد حطم بعض الكؤوس التي تحبها أمي أغضبني هذا كثيراً ولم أتمالك نفسي.

فصرخت به قائلاً:

ـ أيّها الطّائش هذه الزّجاجات التي حطّمتها غالية على قلب أمّي، وهي تحبّها.

أجابني ساخراً:

ـ حقاً لم أكن أعلم ذلك، اعذرني يا فتى.

غضبت كثيراً، وخاصّة بعد أن سمعت صوت مواء قطّتي من جديد، نظرت إلى أخي بلال، وجدته ما زال يعبث بذيل لولو، وأخي رامي يلعب بالكرة.

فكرت بوضع حل لمشكلة قطّتي، فوجدت الحلّ، سأحضر قطّتي القماشيّة، وأسحب ذيل قطّتي لولو من يد أخي، نفّذت خطّتي، وخرجت مع قطّتي إلى الحديقة، لعلّها تشعر ببعض الاطمئنان بعد قليل جاء أخي رامي، وهو يضحك، ويقول ساخراً:

ـ يالك من رقيق القلب أتترك أخاك الصّغير أيّها الكبير يبكي، وأنت تلهو مع قطّة بائسة!

عند سماعي جملة (قطّة بائسة) جن جنوني، فقلت له:

ـ اسكت وكن شرطياً على نفسك.

ذهبت إلى المنزل، فوجدت أخي يبكي والفوضى تعم المكان. تذكرت أمي وكم تتعب لأجلنا، آه فقط لو تشفى الآن لما تركتها تتعب وحدها بعد اليوم.

قال أخي وهو يبكي:

ـ لقد خدعتني بقطعة قماش، هذه ليست حبيبتي لولو.

نظرت إلى قطتي لولو. وهمست في أذنها قائلاً:

ـ أرجوك يا لولو دعي أخي يضع ذيلك في يده، ويلعب معك. هزت رأسها موافقة فجلستُ قرب أخي، وطلبتُ منه بلطف ألاَّ يؤذيها فضحك، ووافق.

حان وقت إطعام أخوتي فلابد أنهم جائعون وخاصة بلال فهو صغير جداً ولن يحتمل الانتظار نظرت حولي، كان منظر البيت لا يطاق. ولابد من ترتيبه قبل أن تراه أمي وتحزن. احترت، ماذا أفعل أولاً؟ قررت تأجيل الترتيب حتى ينتهي إخوتي من طعامهم. آه ما أروع أمي حين تنادينا بعد تجهيز الطعام وليس علينا سوى أن نأكل ونملأ بطوننا بالطعام اللذيذ. شعرت بسعادة وأنا أراقب أخوتي يأكلون. بعد انتهائهم طلبت من رامي وبلال الخروج إلى الحديقة ريثما أنتهي من ترتيب المنزل.

بدأت العمل. يا إلهي لقد تعبت والعمل لا ينتهي. كم كانت سعادتي كبيرة عندما فتح رامي الباب ودخل ليقول لي: أنا آسف لأني لم أكن ولداً طيباً ومهذباً معك. لا يمكن أن نجلس نحن ونلعب في الخارج وأنت هنا تعمل وحدك، يا الله ماذا أسمع؟...

بدأنا العمل سوياً حتى بلال الصغير ساعدنا وقد اعتقد أننا نلعب لعبة جديدة، فكان يضع الوسائد في أماكنها ويسحب الطاولات الصغيرة ويضعها حيث أطلب منه وهو يستمتع بصوتها المزعج ولكن لا بأس مادام هذا يسعده ويلهيه عن غياب أمي. ثم أمسك قطعة قماش وأخذ يمسح الغبار عن الطاولات.

مرّ الوقت سريعاً وانتهى العمل. فجأة سمعت صوت أمي الحبيب ينادينا، لقد عادت من المشفى بصحة جيدة فشعرنا بسعادة غامرة. ركضنا إليها، وكانت تستعد لتقبيلنا. ثم همت بالقيام بأعمال البيت والترتيب فكانت فرحتها عظيمة لما رأته من ترتيب ونظافة. شكرتنا من كل قلبها. ودخلت إلى المطبخ لتغسل الصحون، لكني منعتها وأخبرناها أن كل ما نريده هو أن تشفى سريعاً لنساعدها في مهماتها ولن نتركها تعمل وحدها مرة أخرى أبداً.

جميع الحقوق محفوظة العاب العاب فلاش العاب بنات العاب أطفال .