العابلعب و جد و طفولة |
العابلعب و جد و طفولة كلمة للكبار
* هذا النص محاولة لكتابة مسرحية غنائية على شكل (أوبرا)، تكون فيها جميع الحوارات مغنَّاةً، ولذلك فإن الموسيقا تلعب دوراً ممتازاً في صيّاغة المواقف المسرحية، ولحظات تأزم الصراع. كل هذا يمكن تحقيقه برغم طول النص. * ولكن - وفي حال تعذر التلحين الشامل -يمكن تلحين بعض الحوارات التي يقترحها المخرج "ومساعدوه" إضافة إلى الأغنيات المعلنِ عنها مباشرة في الملاحظات الإرشادية مثل (يا ألله ارحمنا -راحوا- زعل الغول- دادي.. الخ)... وذلك لتوفير أجواء غنائية موسيقية أكثر غنىً وشمولاً، وأشير هنا إلى ضرورة البدءِ بالغناء للمشاهد الأولى الافتتاحية في عرض المشكلة والأزمة، وهي مشاهد سريعة لأبي دعاس والطحان وجاسم. * أُلِفتُ الانتباه إلى أن لغة المسرحية تشبه لغة الأطفال في كثير من ألفاظها وتراكيبها وأساليب أداء اللهجة الشعبية لتوفير أجواء حيوية، وتوفرُ في الوقت نفسه للأطفال محصولاً لغوياً طيباً، وهي -بعدُ- مسرحية مكتوبة بأسلوب الشعر الحديث تراعي الوزن الشعري أحياناً، وتهمله أحياناً أخرى عن قصد، ومع ذلك فإن اللغة هنا تقوم على توفرِ إيقاعاتٍ موسيقية متنوعة ومختلفة؛ أي بحسب الحالات النفسية والتعبيرية والدرامية، سواء في الطول والقصر، أو القوة واللين، أو التوتر والاسترخاء..الخ.. * لقد علمتني تجربة العمل المسرحي مع الأطفال أن مَنْ يتكلم مثلهم يشبهُهم، حتى لو كان كبيراً، لأن اللغة هي المعبِّر الممتاز عن شخصية وفكر وسلوك صاحبها. لكنّ هذه المشابهة لاتتحقق إلا إذا توّفر شرط آخرُ هو اللعب الحركي. * إضافة إلى ماتقدم فإن توفيرَ أنماطٍ غنيةٍ بتفاصيل حياتية خاصة بها يجعل العرضَ المسرحيَ متألقاً ومؤثراً بشكل فعّال في الأطفال، لأن الشخصية النمطية ستوفرُ أداءً صوتياً وجسدياً وحركياً طفلياً محبباً للأطفال جميعاً. وهكذا ستنبع الكوميديا -هنا- مِنْ ثالوث "اللغة- الحركة- الشخصية النمط". * يهجس الفنان دائماً إلى خلق عرض مسرحي أخّاذ، يسيطرُ فيه الجمال بهدف تطوير ذائقة الأطفال وتنميتها عبر اللغة، والحركةِ، والصورةِ، واللونِ، والنغمةِ، والإيقاعِ. وهذا كله يعني تضافر جميع الجهود الإبداعية، الأمر الذي يُقوّي العلاقة بين النص والعرض مِنْ جهةٍ، وبينَ هذين وجمهورِ الأطفال من جهة أخرى. * أخيراً: إن هذه المسرحية تصلح -بحسب رأينا- للأطفال الذين هم مابين العاشرة والخامسة عشرة من العمر، مع إفساح المجال الرحبِ لمن هم دون العاشرة من الأطفال، خاصة حين يقوم اللعب الحركي للشخصيات النمطية بتوفير أجواء حيوية، وحين يوفر المخرج -ومساعدوه- حلولاً بصرية جميلة، مثيرة للخيالِ، يتذوقها الأعم الأغلب من الأطفال، ويستطيع تحليلَ بعض -أو أغلب- علاماتها وإشاراتها. المؤلف حمص 1997.
vvv الشخصيات:1- أبو دعاس : فلاح في الأربعين من عمره، طائش وجاهل. 2- الطحان : صاحب طاحونة من جيل أبي دعاس، طائش وجاهل. 3- جاسم : فلاح، من نفس الجيل، طائش وجاهل. 4- مرّوش : فتاة في العشرين من عمرها، يحسبها الناس هبلة. 5- العجوز : فلاح ذو تجربة وخبرة. 6- عرفان : فلاح في الأربعين من العمر، صادق، شجاع، يعشق أرضه. 7- منصور : ابن فلاح، في العشرين من العمر، متعلم صديق الأطفال. 8- ناهد : بنت الطحان، تلميذه. (12) سنة. 9- دعاس : ابن أبي دعاس، أصدقاء تلميذ، (12) سنة، منصور 10- حسان : ابن جاسم، تلميذ (12) سنة. 11- أبو منشار : تابع أبي فلوس، (40) سنة، مكار خداع، واسمه يدل عليه. 12- أبو فلوس : تاجر، جشع، (50 سنة). صاحب أراض وبساتين، وكازينو. 13- أطفال : من كل الأعمار. 14- فلاحون وفلاحات : من كل الأعمار.
vvv
المشهد الأولأبو دعاسْيستنجدُ بالناسْ
(ساحة كبيرة في قرية. نوافذ وأبواب تطل على الساحة- بعض الأشجار الذابلة، وبعض الأشجار المقطوعة أغصانها، أو جذوعها، تفاجئ عين الناظر فتصدمها. تؤدي إلى الساحة طرق تأتي من خارج القرية. بعض أطفال الحي يلعبون بما ينسجم مع جنسهم، ذكوراً وإناثاً، وهذا يعطي -بطبيعة الحال- انطباعاً جميلاً لأجواء اجتماعية طيبة- ويوحي بحيوية جميلة قوامها الأطفال أنفسهم. فجأة نسمع صراخاً لرجل مفجوع، يتنبه إليه الأطفال أولاً.. إنه صوت أبي دعّاس). الصوت : هِي ياهُو هِي ياناسْ (يدخل أبو دعاس ملهوفاً، مرعوباً يحمل في يده فأساً مكسورة- يظهر رجل عجوز وتدخل مرّوش، وفلاحون.. الخ...). أبو دعاس : هِي ياهُو هِي ياناسْ جفَّ الماءْ وأنا أسْقي وانكسرتْ في الأرضِ الفاسْ هِي ياهُو هِي ياناسْ مرّوش : (تقلد أبا دعاس في صوته وحركاته وخوفه وكأنها تسخر منه). هِي ياهُو هِي ياناسْ لا تصرخْ يا أبا دعَّاسْ أبو دعاس : يامرَّوشْ مرّوش : (كأنها تقلد الساحرات) حوشْ.... حوشْ أبو دعاس : هبَّ هواءٌ في وجهي مرّوش : نارُ جهنَّمْ؟! أبو دعاس : قولي أعظمْ!! مرّوش : حتّى تَفْهَمْ!! أبو دعاس : (مندهشاً لأنه لم يفهم معنى كلامها) أفِهمُ ماذا؟! هبَّ هواءٌ خَرَبَ الترَبةْ فتتَّها حَبَّةْ حَبَّةْ الجميع : (وقد أدهشهم كلام أبي دعاس عن الهواء الساخن). يعني، .... تَقْصُدُ طارَ الماءْ؟! أبو دعاس : (شاكياً، باكياً). أرضي صارتْ فحماً أسودْ بستاني أصبحَ أجْرَدْ مَنْ يلعبُ هذي اللعبَةْ في الأيامِ الصعبَةْ؟! مرّوش : (بذكاء ومكر مقصود) إنّي أعرفْ أبو دعاس : (ملهوفاً) قولي مَنْ ؟! مرّوش : الكلبَةْ أبو دعاس : (وقدأدهشته إجابة مرّوش) الكلبَةْ؟!! مرّوش : إي... كلبَةُ جاسِمْ الجميع : (بدهشة) ماذا؟! أبو دعاس : (يدفع مرّوش بقوة) رُوحي يا... رُوحي مِنْ وجهي أفضلْ لا يَنْقُصُني إلا هَبْلةْ مرّوش : أنتَ الأهْبَلْ تأكلُ.. لكنْ لا تعملْ أبو دعاس : (منزعجاً) يا مرّوشْ روحي مِن وجهي، رُوحي رُوحي حتى لا أغضبْ مرّوش : لن أذهبْ السَّاحةُ مِلكُ القريَةْ وأنا في الساحةِ ألعبْ مع أصحابي (وتشير بيدها نحو الأطفال، ثم تبدأ بالدوران والرقص ومعها الأطفال وهي تردد صيغة لحنيه).
vvv المشهد الثانيالبومةُ تلعبُ بالسحرِوالطحانْمرعوباً يجري
(يدخل الطحان وقد امتلأت ثيابه بذرات الطحين.. يبدو عليه تماماً خوفه ورعبه، إنه يرتجف منادياً الناسَ وهو يدور بينهم).
الطحان : هِي ياناسْ أهلَ الخيرِ هِي ياناسْ أهلَ الخيرِ أبو دعاس : (يمسك بالطحانَ خائفاً ويهزه). ياطحّانْ ماذا يجري؟! (وهو يريه الفأس المكسورة) انظرْ... أترى؟! فأسي انكسرَتْ تربةُ حقلي يا طحانْ أقسى مِنْ صخرِ الصّوانْ ماذا يجريّ؟! مرّوش : (كأنها ساحرة، تقلّد صوتَ الغراب) قاقْ قاقْ البومةُ تضْربُ بالسحْرِ وتحيلُ الأرضَ إلى وَعْرِ الطحان : (مرعوباً) يا أللهْ أبو دعاس : لا تَسْمَعْها، خَبِّرْنا... الطحان : طيبْ ، طيبْ (وكانه يتذكر ماجرى معه، يحكي في البداية بهدوء...) كنتُ أُديرُ الطاحونَةْ أطحنُ للناسِ المونَةْ فجأة مرّوش : (ومعها الأطفال الذين تقودهم في ألعابها) إي الطحان : (بخوف) إي ماذا؟! أبو دعاس : أكملْ الطحان : زَعَقَ الحجرُ الأزْرَقْ مرّوش : (ومعها الأطفال) زِيقْ الطحان : وتوقّفَ كالأحمقْ أبو دعاس : تابعْ الطحان : حاضرْ قمْتُ، دفَعْتُ، سحَبْتُ، جرَرْتُ فانقطعتْ مني الأنفاسُ ثمَّ صرختُ. مرّوش : (تقطع كلام الطحان، وتبدأ بأهزوجة، تدور في المكان والأطفال يقفزون وراءها فرحين، هي -وهم- يقلدون أفعال الطحان). دُوري دُوري ياطاحونَةْ دوري دوري ياشَعْنُونَةْ حتى أطحنَ قمحَ الناسْ منْ باقي المونَةْ دوري (وهم يقلدون حماراً) حا... دي، دي دوري ، دوري (يتوقفون عن لعبهم، وكأنهم فشلوا...) حَرَنَتْ مثلَ حمارِ هِشْ الطحان : (كان قد استمتع بلعبة مرّوش، والأطفال لأنهم -حقاً- قلدوه بما فعل، ولهذا فهو فرح، لكنه مندهش). صَحْ!! حرَنَتْ مثلَ حماري كيفَ عرْفتِ؟! مرّوش : جحشُكَ ينهَقُ بالأخبارِ الأطفال : (يقلدون صوتَ نهيقِ الحمار) ها... ها... ها... ها... أبو دعاس : (يصرخ) بسْ.. يكفي الطحان : (يدفع مرّوش بيده) رُوحي عنّي (ويلتفت نحو الناس الآخرين) قولوا لي.. ماذا أفعلْ؟! مرّوش : أحسنُ شيءٍ، لا تسْأَلْ الطحان : والطاحونْ؟!
vvv
المشهد الثالثهل تشربُ ضبعٌ نهراأمْ يشرَبُ فأرٌجرّةْ؟!
(يخترقُ جموع الفلاحين جاسم نادباً، صارخاً، مندهشاً)
جاسم : هي ياهُو غارَ النَّبْعُ غارَ النَّبْعُ الطحان : (ومعه أبو دعاس، وهما ينظران إلى بعضهما بدهشة) ماذا؟! ... ويلي ... غارَ النَّبْعُ مرّوش : (ساخرةً) .. طبعاً.. شَرِبَتْهُ الضَّبْعُ جاسم : مرّوشْ يا مروش يافهمانَهْ أكبرُ ضَبْعٍ لا تَشْرَبُ جَرَّةْ([1]) مرّوش : (بذكاء وسخرية) بصراحةْ.... (وهي تنظر في وجوهِ الناسِ، كأنها تتأملها....) شربَتْهُ الهرّةْ جاسم : (بدهشة) هِرَّةْ؟! الطحان : (بدهشة) قطَّةْ؟! أبو دعاس : لا... هذي خرَطةْ([2]) مرّوش : (تقلد صوت الهرة) نَوْ... نَوْ... جاسم : كيفْ؟! وبعينيَّ رأيتُ الماءْ تَشفُطُهُ الأرضُ الصماءْ؟! الفلاحون: إي؟! جاسم : (مستنكراً) إي ماذا؟! أمّا النارُ فيا ويلي، هدَّتْ حَيْلي([3]) كالإعصار خرجتْ مِنْ بينِ الأشجارْ وانفجرتْ كالزعقهْ([4]) الأطفال : (يقلدون صوت الانفجار) بُمْ... (وينبطحون على الأرض. في هذه اللحظة يدخل عرفان، الفلاح الصادق، إنه رجل يعمل في أرضه بإخلاص. وهو يحمل على كتفيه مضخةَ رشّ مبيدات حشرية. يدهش لما يرى...) جاسم : آخ.. آخ وأنا مِنْ خوفي مرّوش : خِرقَهْ جاسم : (مستنكراً) ماذا؟! الطحان : (لم يصدق) خِرْقَهْ؟! أبو دعاس : (لمرّوش) سوفَ أكسِّرُ هذا الرأسْ (ويهم أبو دعاس هاجماً نحو مرّوش التي تهرب وتختبئُ خلف ظهر عرفان) مرّوش : خبئْني ياعرفانْ من هذا السكرانْ العجوز : (يصرخ) يكفي... بَسْ (أبو دعاس صار أمام عرفان، وجهاً لوجه. لحظات متوترة بينهما- يلتفت أبو دعاس ناحية العجوز مرتبكاً. العجوز يتابع). هذا عيبْ... مانفعلُهُ عيبْ!! أبو دعاس : هي مَنْ بدأتْ عرفان : (بهدوء) بدأتْ ماذا؟! لا يجهلُ أحدٌ مرّوشْ، كلُّ القريةِ تعرِفُها صادقةً، طيّبةً، ولهذا، نسمَعُها ونمازِحُها أبو دعاس : (لعرفان) صَحْ!! نسْمَعُها ونمازِحُها أنا لا أُنكرْ لكن... ليسَ لها أنْ تسخرَ منّا وتُشَرْ شِحُنا(!!). هذا عيبْ (يصرخ في وجه عرفانْ) هذا عيبْ ياسيدَ عرفانْ عرفان : (بهدوء) ماذا يجري؟! قرَيتُنا مقلوبَهْ. والدنيا مقلوبَهْ!! (يتقدم نحو العجوز، وخلفه مرّوش خائفة، يسأل العجوز) ماذا ياجدي؟! أخبرني.. العجوز : واللهِ ياإبني لا أدري ما أسمعُه حَيّرني بصراحَهْ ما أسمعُهُ عقلي لا يقبَلُهُ لكنْ... أبو دعاسْ لا يكذبْ، والطحانْ، لايكذبْ، مرّوش : (ساخرة) وعمي جاسمْ؟!! العجوز : أيضاً جاسمُ لا يكذبْ!! عرفان : لم أفهمْ مرّوش : (تقفز أمام عرفان وتتفاصح ساخرة) ياعرفانْ يافهمانْ كلُّ القصةِ ياحبابْ أنّ السيدْ أبا دعاسْ، والطحّانْ، والسيدَ جاسمْ، يحكونَ خرافهْ يعني كذبَهْ بلطافَهْ أوْ بنظافَهْ، كذبّهْ لا تدخلُ من طاقَهْ أو مِنْ بابْ ياحبَّابْ (وتضج بالضحك، فيضحك معها بعض الفلاحين، وعرفان....) جاسم : يامرّوش أنا لا أكذبْ أقسمُ أن الماءْ غارَ إلى بطنِ الأرضِ وأنا أسقي الطحان : وأنا أقسمُ ياعِرفانْ أنَّ رحى الطاحون الزرقا مروش : (بسرعة) حرنَتْ مثلَ حمارِ الطحان : (لعرفان) أترى؟!! نحنُ نُعاني الآنْ مِنْ خوفٍ وخَطرْ يمكنُ أنْ يصبحَ أخطرْ مع ذلكَ أنظرْ.. (ويشير إلى مروش) مروشْ... منّا تسخرْ عرفان : (بهدوء) أكملْ الطحان : (دهشاً) أكملُ ماذا؟! انقطعَ الماءُ عن النهرِ، شيءٌ مثلُ السحْرِ لكنْ، فجأهْ طارَ الماءْ حتى صارت قاعُ النهرِ، كما الصحراءْ أبو دعاس : (يتدخل) انظرْ ياعرفانْ... انظرْ (يريه فأسه المكسورة، وهو يتألم) فأسي انكسرتْ طاخْ مِنْ أولِ ضربَهْ انفلقَتْ أرضٌ مثلُ الصخرِ أقسمُ أني لا أَخْدَعُكُمْ عرفان : (بهدوء) غضبُ اللهِ يحُلُّ عليكمْ . يامَنْ بالنعمةِ ضحَّيْتُم فتكبَّرْتُم وتجبّرْتُمْ جاسم |