العابلعب و جد و طفولة |
العابلعب و جد و طفولة المشهد الأول:
المكان : صالة فسيحة، ذات أعمدة، مفروشة بالطنافس والستائر الجميلة الملونة، إنها معهد زرياب، موسيقار الأندلس، تجري في الصالة هذه جميع تدريبات الغناء والعزف، والرقص لطلاب المعهد. الزمان : ضحوة نهار جميل. تضج الصالة بالطلاب والطالبات الذين يستعدون للقيام بالتدريب العام، ولذلك نرى راقصين وموسيقيين ومغنّين ـ ذكوراً وإناثاً ـ وهم يلبسون ملابس اختصاصاتِهم ، ويقومون ـ الآن جماعياً بتمارين الليونةِ لأجسادِهم وأصواتِهم، وضبطِ أوتارِ آلاتِهم. إننا نسمع الآن كثيراً من الأصواتِ الموسيقيةِ والغنائيةِ المختلطةِ والمتداخلةِ، نرى حركات الراقصينَ المتنوعةَ تملأ أرجاء الصالة. في زاوية ما من مقدمة الصالة يجلس زِرياب على أريكة متوسطة الارتفاع، وإلى جانبه عوده الجميل، وأمامه طاولة متوسطة الحجم فوقها دواوينُ شِعرٍ، وأوراقٌ وأقلامٌ، وريشةُ عودٍ من جناحِ نسر. إنه ينظر ـ الآن ـ في الأوراق ويتأملها وسط صخب الاستعدادات الفنية. رويداً، رويداً تتحول الفوضى إلى انضباط ونظام جميلين، خاصة حين بدأ شاب من الطلاب هو "منصور" بالدوران بين رفاقه ينبههم إلى بدء التدريب العام المنظم. وهكذا تسودُ النغمةُ الموسيقيةُ الواحدة لمجموعة الآلات، ويسود الإيقاع الواحد. ويبدأ الراقصون بضبطِ حركاتِ أجسادِهم في حركةٍ واحدةٍ، وتبدأ الحناجرُ الجميلةُ القوية بالغِناءِ الصدَّاحِ. وفي أثناءِ كلِّ ذلك كان يَحيى بنُ حكمٍ ـ الملقب بالغزال ـ شاعرُ، وسفيرُ الأميرِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحكم، قد تسلل خلسة وراء إحدى الستائر دون أن يُحِسَّ به أحدٌ، ودون إذْنٍ من زرياب ليسمع ويرى من خلفِ الستائرِ ما سوف يقدمه طلاب المعهد. المجموعة : (تغني)
زرياب : (ناهضاً مصفقاً بيديه دلالة على إيقاف التدريبات، يتوقفون جميعاً، وينظرون إليه لسماع ملاحظاتِه). بعضُ الغناءِ كانَ حسناً، لكنَّ الرقصَ ما يزالُ يحتاجُ إلى ليونةٍ أفضلَ، وخِفَّةٍ، وأناقةٍ. أَعني، يحتاجُ إلى أنْ يكونَ معبِّراً، خاصةً أنتِ يا جميلة. جميلة : (وهي تتقدم نحو أستاذها ـ وبصوت ضعيف) آسفةٌ يا سيِّدي فأنا مريضةٌ!!.. زرياب : (بدهشة) ماذا، مريضةٌ؟!!.. (يندفع نحوها ملهوفاً ـ يلمس جبينها بيده، فإذا هو شديد الحرارة) حرارَتُكِ مرتفعةٌ، الآن يجبُ أنْ تَذْهَبي إلى الطبيبِ ابنِ ناصحٍ. (يشير بيده إلى أحد الراقصين) مِنْ فَضْلِكَ خُذْها إلى الطبيب، هَيَّا. (يتحرك التلميذ وتتبعه جميلةُ وسطَ صمتِ واحترامِ الطلابِ جميعاً. يتابع زرياب كلامه). أرجوكُمْ جميعاً أن تحافظوا على صِحَّةِ أبدانِكُمْ وأرواحِكُمْ لأنَّنا معاشِرَ الفنانينَ نتعاملُ دائماً مع الجميلِ والحسنِ. ولكي نغنّيَ ونَعْزِفَ ونرقُصَ بشكلٍ عظيمٍ ورائعِ، لابدَّ وأنْ تكونَ أجسادُنا وأرواحُنا سليمةً، معافاةً مِنْ كلِّ مرضٍ أو علّةٍ. هل يشكو أحدُكُمْ عارِضاً ما، سُعَالاً، ضِيقاً في التَّنفُّسِ، آلاماً في المفاصِل ـ أيَّ شيءٍ؟!!!.. (صمت قصير، لا أحد يتكلم ـ يتابع زرياب) أُتابعُ ملاحظاتي على تدريبِكُمْ فأقولُ: أَمّا الغناءُ فعلى حيوَّيتِهِ فإنّهُ يحتاجُ إلى عذوبةٍ، ورقَّةٍ، وحنانٍ لِتَظْهَرَ الأشواقُ صادقةً، دافئِةً، طيبةً. (يصفق بيديه وكأنه يدعوهم إلى إعادة التدريبات من جديد...) أعيدوا من فَضْلِكُمْ هذا التدريبَ..!!
** المشهد الثاني
(فجأة يظهر من وراء الستارة الشاعر الغزال رافعاً صوته، ساخراً، وبذلك يفاجئ الجميع).
الغزال : مهلاً يا أبا الحسن!! زرياب : (دهشاً) الشاعرُ الغزالُ؟! كيفَ دخلْتَ علينا ومتى؟! الغزال : أمَّا كيفَ دخلْتُ فقدْ تسلَّلتُ، وأمَّا متى.. فمنذُ اللحظةِ الأولى لتدريباتِكُمْ. زرياب : لماذا؟! الغزال : أحببتُ أن أعرفَ كيفَ تُجُرونَ تدريباتِكُمْ على فنونِ الشِّعرِ والغناءِ والعزفِ والرقصِ والتعبيرِ. زرياب : إذنْ: فقدْ دخلْتَ مَعْهَدَنا مِنْ دونِ استئذانٍ، وهذا مخالٍفٌ لأوامرِ اللهِ. الغزال : اعذُرْني يا أبا الحسنِ على ذلك، لأنَّ رغبتي في المعرفةِ غلبتَنْي. زرياب : بهذا عذرناكَ. الغزال : غيْرَ أنّي أرى شِعْرَ غنائِكُمْ ضعيفاً، سخيفاً، عامِّياً، وبذلكَ متَّعتُ نفسي بعضَ المِتْعَةِ. زرياب : باللحنِ فقط؟! الغزال : بلى.. ولكنْ، كأنَّ اللحنَ ليسَ لكَ!! زرياب : بلْ هو لي. غيْرَ أنَّ فيهِ بِدْعَةً جديدةً. الغزال : (يبتسم بدهاء) خِفَّةُ الوزنِ، وبساطةُ اللغةِ، وقُرْبُها مِنْ لغةِ الناسِ، وتآلفُ نَغَماتِها، وتقارُبُ مخارج الأصواتِ... زرياب : أَصَبْتَ أيُها الغزالُ. والشِّعْرُ؟! الغزال : (بخبث ومكر) كأنكَ لا تحبُ قُرْطُبَة!! زرياب : (دهشاً من الهجوم المفاجئ).. أنا؟!!! (يندهش الجميع فتسري همهمات ودمدمات بين الطلاب من كلام الغزال؛ ومن هجومه الجريء على أستاذهم ـ يلتفت الغزال ـ وسط هذه البلبلة ـ إلى الطلاب متابعاً بدهاء وسخرية). الغزال :أما كنتمْ تغنّونَ هكذا،(يغني بصوت نشاز مقصود)،وأَعيديني إلى مهوى فؤادي؟!!
زرياب : (منزعِجاً؛ رافعاً صوته)، ما هكذا كانوا يغنّون يا غزالُ، ثمَّ إنَّ غناءَنا تمجيدٌ للأرضِ التي وُلِدْنا عليها. الغزال : (بدهاء) ها هااااا.. قُلْتَها بلسانِكَ!! زرياب : ماذا تعني؟! الغزال : إنَّكَ تُحِبُّ بغدادَ أكثرَ مِنْ قُرطُبَةَ!! زرياب : (مصعوقاً) كلاّ يا غزالُ، كلاّ!!.. الغزال : (بصوت بارد) بغدادُ يا زريابُ طرَدَتْكَ فقيراً مُعْدَماً تحتَ جُنْحِ الليلِ. زرياب : (بصوت مكتوم) بلْ طَرَدَني إسحاقُ الموْصِلِّيُّ.(3) (صمت قصير) أستاذي!!! الغزال : لأنكَ غَدَرْتَ بهِ عندَ الخليفةِ هارونَ الرَّشيدِ وَخُنْتَهُ(4)!!! زرياب : (غاضباً) لم أفعلْ، لم أفعلْ!! (يبدأ الطلاب بمغادرة الصالة إلى الزوايا، بعضهم يختفي خلف الستائرِ، واضح أنهم لا يريدون أن يسمعوا افتراءاتِ الشاعرِ الغزالِ على أستاذهم وربما لكي يُتيحوا له حريةً أفضلَ للدفاع عن نفسه، فيصرخ بهم زرياب....). عودوا إلى أماكِنِكُمْ واسمعوا ما أقولُ، فليسَ في حياتي عملٌ يُسِيءُ إلى أخلاقي. (يبدؤون في العودة إلى أماكنهم...). الغزال : (ببرود) نافَسْتَهُ في الغناءِ والعزفِ، وادّعاءِ العلمِ الواسعِ فسَرَقْتَ منهُ إعجابَ الرشيدِ بهِ!! زِريابَ : وهلْ تريدُني أن أَدْفُنَ موهِبةً عظيمةً وهَبَني إياها اللهُ سبحانَهُ، فانكشفَ أمري بها أمامَ الرشيدِ؟! ثم كيفَ أسْرُقُ إعجابَ الخليفةِ بهِ وَهو معلمي وأستاذي؟!!!... الغزال : ألم ترفُضِ العزفَ على عودِ أستاذِكَ؟! أليسَ هذا خيانةً لهُ؟! زرياب : كلاّ. بلْ فعلْتُ ما فعلْتُ لأنَّ لي عوديَ الخاصَّ.نَحَتُّهُ بيديَّ بما يتناسبُ مع أفكاري الموسيقيةِ، وأحلامي في الغناءِ والتلحينِ المحْدَثْينِ!! الغزال : (للطلاب) أتسمعونَ.. (لزرياب) هلْ تَعْني أنَّ إسحاقَ كان تقليدياً قديماً، لا يتطورُ في ألحانِهِ وغنائِهِ ولا في آلاتِهِ ومعازِفِهِ؟!.. زرياب : (بثقة) إنْ كنتَ تريدُ ذلكَ فجوابي نعمْ!!.. وأما أنا فلي مَذْهَبِي الخاصُّ. الغزال : أنتَ إذنْ مِنْ أنصارِ الأميرِ إبراهيمَ ابنِ المهديِّ(5)!!! زرياب : أليسَ هو أخا هارونَ الرشيدِ؟! أليسَ هو موسيقاراً بارعاً. (لطلابه) اسمعوا يا أبنائي. كان إبراهيمُ بنُ المهدي موسيقاراً مجدِّداً حديثاً، يتطورُ مع تطور الحياةِ الاجتماعيةِ في بغدادَ. الغزال : (يقاطعهُ) كما يتطورُ شعرُ أبي نُواس(6)، (صمت شبه طويل.. ثم) أليسَ كذلكَ؟!! زرياب : (بدهشة) كأنّك تهاجِمُ التطورَ في الآدابِ والفنونِ يا غزالُ، وشِعْرُكَ مثلُ أشعارِهِمْ، كيفَ أُصدِّقُ ذلكَ؟!!.. الغزال : أنا أتكلَّمُ عن خِيانَتِكَ لأُستاذِكَ!! زرياب : (يصرخ) أنا لم أَخُنْهُ وأنتَ تعلمُ ذلكَ. بل هو الذي غارَ منّي وحَسَدَني على إبداعي، ولا أظنُّ أنَّ مُعلمي إسحاقَ كان سيرضى عَنْ اختراعي لعوديَ الخاصِّ بي، ولا عَنْ ألحاني، لأنها ليسَتْ من مدرَسَتِهِ. الغزال : كانَ يجبُ ولاءً لـهُ، أنْ تُعلِمَهُ باختراعاتِكَ. زرياب : كان سيرفُضُها، وأنا الذي سَهِرْتُ من أَجْلِهَا اللياليَ، بلْ كان سَيَـ....(ويسكت زرياب فجأة...). الغزال : كانَ ماذا يا زريابُ؟! هل كانَ سيدَّعِيها لِنَفْسِهِ؟! أتعني أنه كانَ سَيَسْرُقُها؟ أنتَ تَهْذي إذنْ. زرياب : أنا لا أَهْذي يا غزالُ، مُعلِّمي لم يكنْ في حاجةٍ إلى شهرةٍ، لكنّهُ خافَ على نفسِهِ، واْعلمْ ـ (لطلابه) واعلموا جميعاً أن اختراعاتي أفزعَتْهُ لأنها جديدةٌ لا يعرِفُها هو. لهذا غارَ مِنْ إعجابِ الخليفةِ بي، وحَسَدني. (يضغط على كلماتِه)، وها أنتَ الآن يا غزالُ تشْبه، للأسفِ، أستاذيَ وتغارُ مِنّي وتحسُدُني بسببِ حبِّ الأميرِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحكمِ لي وتفضيلِهِ إيَّايَ على غيري!! الغزال : أغارُ منكَ أنتَ وأنا الشاعرُ الرقيقُ، والسفيرُ الناجحُ؟! يابنَ نافعٍ سأنقلُ لمولانا الأميرِ ما سمِعَتْ أذنايَ مِنْ غناءِ طُلابّكَ ومِنْ صريحِ أقوالِكَ!! زرياب : اسِمَع إذن يا غزالُ: طلابي ينتظرونَ دروسي وأنتَ تُعطِّلنا. الغزال : (وقد فاجأهُ كلام زرياب وجرأته) أَتطرُدُني يا زريابُ؟!! زرياب : (ينادي) منصور!! منصور : (يسرع ويقف أمام أستاذه) نعمْ ياسيّدي!! زرياب : (بجفاء) رافقْ شاعِرَنَا إلى البابِ، واحْرَصْ على وداعِهِ. (لحظات من الصمتِ تمرّ بطيئةً، ثم يندفع الغزال الشاعر مسرعاً نحو باب الخروجِ وفجأة يتوقف، ويلتفت إلى زرياب). الغزال : ستدفعُ الثمنَ غالياً يا زريابُ. (ويخرج سريعاً لكن منصوراً لا يلحق به، بل يبقى واقفاً في فتحة الباب. صمت بين الجميع وزرياب مطرق برأسه قليلاً).
**
المشهد الثالث(فجأة، يندفع زرياب نحو عوده، ويعزف بضعة أصواتٍ بسرعةٍ، وينشد بصوت قوي حزين).
زرياب :
(لقد أدهشَ غناءُ زريابَ بهذا الأداء التعبيريِّ المبهرِ جميعَ الطلاب ـ يتقدم إبراهيم بحذرٍ من زرياب، وكأنه يواسيه). إبراهيم : كأنَّكَ حزينٌ يا معلمي؟!! زرياب : بل أنا مقهورٌ يا إبراهيمُ. ولهذا تراني أُغنِّي بصوتٍ قوي ومُلْتَاعٍ كمنْ يستغيثُ لِيَسْمَعَ الناسُ جميعاً. إبراهيم : هذهِ فائدةٌ عظيمةٌ يا سيِّدي، تجعلُ مِنْ آلامِكَ دروساً لنا؟!! زرياب : نعم... التعبيرُ عمّا نُحِسُّ ونَشْعُرُ ونعاني بالغناءِ.(يلتفت إلى الطلاب) أليسَ الغناءُ ـ والفنونُ كلُّها ـ تعبيراً عن تجارُبِنا في الحياةِ؟! (صمت.. يعزف زرياب بضع نغماتٍ رقيقةٍ، حزينةٍ لكنها قصيرة.. ويغني، بينما ترافقه بعض آلات الإيقاع...).
إبراهيم : (مشجعاً) اللهُ.. الله.. ما أجملَ هذا الغناءَ في هذا الكلامِ. واللهِ ما علَّمنا أحدٌ كما تُعلِّمنا يا سيِّدي زرياب : (مسروراً بالمديح): شكراً يا إبراهيمُ، شكراً لكمْ وأرجو أنْ نعودَ إلى دروسِنا. منصور : (وهو يقفز في الهواءِ من الفرح، يصرخ)، إلى النَّوبة الموسيقيَّةِ. زرياب : هل أتقنتَها يا منصور؟! سلمى : (بفرح، تمازح منصوراً)، إنه يتقنُ نوبةَ الملاعقِ والصُّحونِ والطناجرِ. زرياب : (بدهشة) نوبة الملاعِقِ.. ماهذهِ؟!! منصور : (مرتبكاً) هيَ.... أعني... (لا يجد كلاماً يقوله...). زرياب : ماهيَ يا سلمى؟!.. منصور : هيَ يا سيدي لحنٌ للمِتْعَةِ والضَّحِكِ وتفريحِ النَّفْسِ والبدَنِ!! صَدِّقْني!! سلمى : (تمازح منصوراً) هو في الحقيقةِ لا يُتْقِنُ سوى نوبةِ الملاعقِ والصحونِ!!! منصور : أنا؟!!! زرياب : أحقاً يا منصورُ؟!! منصور : لا ياسيدي، إنهمْ يغارونَ منّي، ويَحْسُدونَني لأنَّني... زرياب : (يقاطعه بقوة) كفى، كفى.. منصور : (بدهشة) عفواً يا سيدي. زرياب : (كمن لا يصدق) هل سَمِعْتُكَ تذكُرُ الحَسَدَ والغَيْرَةَ؟! منصور : (مرتبكاً) نَعَمْ... زرياب : (غاضباً) لا أُريدُ أنْ أسمعَ هذا الكلامَ هنا أبداً. (يدور بين الطلاب بحماس ظاهر) الأخلاقُ مبدَؤنا والمحبةُ رائِدُنا. فلا حِقْدٌ بيننا ولا كراهيةٌ. هذا هو الفنانُ، إنسانٌ عظيمٌ لأنهُ كريمٌ وعفيفٌ. يسعى وراءَ الجمالِ واللَّطافةِ والرَّهافةِ بصدقٍ ومحبَّةٍ. منصور : عفواً يا معلمي. إنها زلَّةُ لسانٍ أحْمَقَ!! زرياب : أعرِفُ ذلكَ، ولكنْ عليكَ أن تعتذرَ لسلمى!! سلمى : أسامِحُهُ إذا غنَّى لنا نوبةَ الملاعقِ. زرياب : رغمَ أنّني لا أُحِبُّ الغناءَ الهابطَ فإنّني سأَسْمَعُ نوبةَ ملاعقِ منصورٍ، ولكنْ بعْدَ أنْ نعرِفَ منهُ ماهيَ نوبَتُنا الموسيقيةُ، إنْ كانَ يعرِفُها!! منصور : (بفرح وحيوية لأن أستاذه سامحه) النوبةُ يا سيِّدي هي أسلوبٌ، أو... طريقةٌ في الغناءِ اخْتَرَعَها أستاذُنا زريابُ. زرياب : (يطرق برأسه إلى الأرض متأملاً وشابكاً ذراعيه خلف ظهره ـ يهز رأسه).. آا... اخْتَرَعَها... لا بأسَ بهذا الكلامِ. ولكنْ، كيفَ كانَ الغناءُ قبلَ ذلكَ يا منصورُ؟!! منصور : كانَ يا سيدي أيامَ الرشيدِ يتألّفُ مِنْ مجموعةِ مغنّينَ يغنّونَ وراءَ بعضِهِمْ على التوالي، أَعني بالدَّوْرِ. وكانَ كلُّ مغنٍّ مختصّاً بنوعٍ مُحَدَّدٍ من الغناءِ. أمَّا أنتَ فمختلفٌ عنهمْ جميعاً. زرياب : أحسنتَ يا منصورُ.. منصور : هل أتابعُ يا سيدي؟! زرياب : بل نستمعُ إلى سلمى. سلمى : طريقَتُنا يا سيدي أننا نبدأُ نَوْبَتَنا بالنَّشيدِ الثقيل مِنَ الأوزانِ والنَّغَمَاتِ، ثم نَخْرُجُ منها إلى الألحانِ البسيطةِ، فالأهزاجِ المرقِّصَةِ فالنَّشيدِ المرْسَلِ. منصور : بهذا الاختراعِ يا سيدي لتسلسلِ الأنغامِ والأصواتِ والإيقاعاتِ وأساليبِ الغناءِ تفوَّقْتَ على أساتِذَتِكَ جميعاً!!.. زرياب : لا يا منصورُ، بلْ تعلَّمْتُ مِنْهُمْ، وعلى علومِهِمْ بَنَيْتُ علمي، ولولاهُمْ ما كنتُ ولا كنْتُمْ!! منصور : لكنَّكَ فتنْتَ الخليفة الرشيدَ، يومَ غنَّيتهُ بأسلوبِكَ الجديدِ على عودِكَ، ما أدْهَشَهُ، فأوصى بكَ إسحاقَ.. زرياب : صَدَقْتَ يا منصورُ، يومَها غنَّيْتُ كما لم أُغَنِّ مِنْ قَبْلُ أبداً. سلمى : صوتُكَ يا سيدي هِبةُ اللهِ، ولهذا سمَّاكَ أهلُ الفنِّ زريابَ تشبُّهاً بطائرٍ أسودِ اللونِ جميلِ الصّوتِ. (صمت طويل بين زرياب والطلاب، وبحركة خفيفة هادئة يسير زِرياب نحو طاولته والعود بين يديهِ. وكأنه يتذكر أيام بغداد...) زرياب : يومَهَا عزفْتُ على عودي...(يعزف بضعة أصواتٍ ثم يتوقف ويتنهد). إبراهيم : هل اسألُ ياسيدي ؟! زرياب : نعمْ يا إبراهيم؟! إبراهيم : لماذا لمْ تَعْزِفْ على عودِ معلِّمِكَ؟!!! زرياب : لقد سألَني الخليفةُ الرشيدُ هذا السؤالَ. بل إنّهُ لمْ يستَطِعْ أنْ يُفرِّقَ بين عودي وعودِ معلمي. كانا متشابهِينِ مِنْ حيثُ الشَّكلُ. سلمى : برغمِ عِلْمِهِ ومعْرَفتِهِ؟! زرياب : لا يعرفُ ذلك سوى أهلِ الفنِّ يا سلمى، وبالتَّجْرُبَةِ!!! منصور : لَمْ أفهمْ!! زرياب : انظروا إلى عودي. (ينظرون جميعاً باهتمام) الخشَبُ هو نَفْسُهُ، لكنَّهُ أخفُّ ثلثَ وزنِ عودِ إسحاقَ. وأما أوتارُهُ فَمِنَ الحريرِ الذي لَمْ أَغْسِلْهُ بماءٍ ساخنٍ حتى لا ترتخيَ فتصْبَحَ أُنثى. وأما هذانِ الوترانِ (يشير إلى الوترين العلويين) فقد صَنَعْتُهُمَا مِنْ مُصْرانِ شِبْلِ أسدٍ، إذا عزفْتُ عليها بالمِضْرابِ أصدرتْ رنيناً حُلواً وصفاءً مُدْهِشاً. وأوتارُ المصْرانِ هذه تتحمَّلُ الضرْبَ والعفْقَ بمضرابِ الخشبِ. مع أننا الآن نستخْدِمُ ريشةً مِنْ جناحِ النَّسْرِ. إبراهيم : ونحنُ ـ والتاريخُ ـ لن ننسى إضافَتَكَ الوترَ الخامسَ الذي زِدْتَ بهِ مَساحةَ الغناءِ والأنغامِ في مختلف الطبقاتِ. فاكتسبَ العودُ قدرةً تعْبيريةً جديدةً وطاقةً فريدةً. منصور : ولن ننسى يا سيدي اختراعكَ وتطويرَكَ لأَداءِ الفرقةِ الموسيقيةِ ومجموعاتِ الغناءِ، وأساليبِ التدريبِ الحديثةِ!!.. سلمى : وفنَّ ارتداءِ الملابسِ بِحَسْبِ الفُصولِ، وتزيينَ الشَّعْرِ وآدابَ الطعامِ. وغيرُ ذلك كثيرٌ ياسيدي. زرياب : (يتنهد) ومع هذا فإنهُمْ يغارونَ مني ويَكيدونَ لي وأنا بعيدٌ عن السياسيةِ. منصور : الصبْرُ يا سيدي صفةُ المؤمنين!!! زرياب : سامَحَكَ اللهُ يا إسحاقُ، غيرَ أنَّكَ نَفَعْتَني بعلْمِكَ، وَبِطَرْدِكَ إيَّايَ مِنْ بغدادَ. ** المشهد الرابع
(فجأة يدوي صراخٌ من خارج الصالة، ثم يندفع رجلٌ سمين وهو يلهث).
عُبادة : دعوني... ابتعدْ من طريقي... (أمام زرياب) أفْ!! أترى هذه البهدلةَ!!.. زرياب : أتقتحِمُ معهدي بهذهِ الطريقةِ يا سيد........ عُبادة : اسمي عُبادةُ. (كأنه يعتذر) سامِحْني يا أبا الحسنِ، حاجِبُكَ يمنَعُني مِنَ الدخولِ وأنا في حاجةٍ إليكَ، فكيفَ أدخلُ إذنْ؟!!! زرياب : تطلبُ إذناً!! عبادة : وانْتَظرُ؟!! ... لا أستطيعُ.... أما الآنَ وقدْ قابلْتُكَ فاسْمَعْني. زرياب : تكلّمْ.... عُبادة : (يصرخ) ادخلي يا عفراءُ... (تدخل عفراء، وهي فتاة سمينة مثل عبادة، إنها تصفق بيديها وتتراقص وتدمْدِمُ لحناً ما، رغم أنها تستر وجهَهَا بخمارٍ أسودِ اللونِ. تتوقف وتضحك بصوتٍ خافت غير أنه مسموع). زرياب : مَنْ هذه؟! عُبادة : مُغَنِّيتي، وأريدُ أنْ تُعْطِينَي رأْيَكَ فيها يا أبا الحسنِ!! زرياب : هلْ تُغني وتعزِفُ؟! عُبادة : (بفرح) وتقولُ شِعْراً (تضحك عفراء) انشِدينا يا عَفرائي!! (بحركة سريعة تفاجئ الجميع وتنزعُ الخمار عن وجهها وترميه إلى الأرض، كأنها ممثلة مسرحية، وتبدأ بتحريك ذراعيها في الهواءِ وهي تنشد بأسلوبٍ يشبه إلقاءَ الأطفالِ). عفراء :
عُبادة : (فرحاً ـ يصفق ) الله...الله .... رائعةٌ. أسمِعْتَ يا زريابُ؟!.. إنها ظريفةٌ!! أما صَوْتُها.. فأَجْمَلُ مِنَ البلابِلِ والحساسينِ والشحاريرِ والكناري(11)!!!!! زرياب : هذا كلامٌ أَخْرَقُ، فارغٌ، لا معنى لهُ، وقائِلُهُ جاهلٌ. عُبادة : (منزعجاً) جاهلٌ ؟! هذا أنا.. أنا قلتُ هذا الشِّعْرَ الجميلَ الرائعَ!! منصور : إنه ليسَ جميلاً ولا رائِعاً. هلْ رأيتَ حوتاً يعيشُ في بُحَيْرةٍ؟!! عُبادة : أسكتْ أنتَ يا تلميذُ. أنا أكلِّمُ أستاذَكَ!! | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||